اللجنة العربية لحقوق الإنسان
ARAB COMMISSION FOR HUMAN RIGHTS
الطبعة
الثالثة
2004
المجموعة الأولى: الأكراد
البدون في سورية
شهادات
حية للمحرومين من الجنسية من الأكراد السوريين:
المترتبات
القانونية لوضع البدون الأكراد
المجموعة الثانية: المحرومون من
الجنسية لأسباب سياسية
استجواب
لعشرين من المنفيين المحرومين
العهد
الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية حقوق الطفل :
تهميش
القانون العادي وأثر ذلك على حقوق المواطنة
التغيرات
الأخيرة بعد وفاة الفريق الأسد
C.A.DROITS HUMAINS -5 Rue
Gambetta - 92240 Malakoff - France
Phone: (33-1)
4092-1588 * Fax: (33-1) 4654-1913 *
Email: achr@noos.fr
www.achr.nu & www.come.to/achr
عرفت أشكال الخلافة المختلفة منذ نشوء الدولة
العربية الإسلامية في القرن السابع، نظرية شخصية القوانين système de la
personnalité des lois التي بمقتضاها يعرف كل شخص مدنيا وجنائيا حسب شريعة موطنه أو
دينه. وقد سادت هذه المنظومة أوربة المسيحية أيضا في القرون الوسطى. وقد اهتزت هذه
المنظومة منذ نهاية القرن الثامن عشر بفعل عدة متحولات وصراعات ميزت تلك الحقبة:
التحول نحو المجتمع الصناعي ودور المجتمع البرجوازي المدني في أوربة الغربية، نشوء
الدول-الأمم وأثر أنموذجها على البلدان الواقعة في ظل الخلافة العثمانية، الصراع بين
أجهزة الخلافة التي تسعى لمواكبة التجديد وسلطان رجال الدين غير المسلمين على
مللهم، الصراع بين الدول الغربية الطامحة للتوسع والخلافة العثمانية البادئة
بالتنخر الخ. ويمكن القول أن قانون الجنسية العثماني رقم 19 كانون الثاني (يناير)
1869 قد فتح الباب أمام شكل أولي للجنسية لم يتحرر تماما من المفهوم التاريخي
(يشبه إلى حد ما العلاقة بين الجنسية والدين في إسرائيل اليوم). وعلينا انتظار
الاستعمار المباشر وبناء هياكل دول جديدة في الولايات التابعة للباب العالي سابقا
لمتابعة شكل مقتبس من النماذج الغربية في الجنسية.
الجمهورية العربية السورية
هي ابنة هذا الانتقال من الخلافة العثمانية إلى الانتداب الفرنسي، وبهذا المعنى،
فقد رسم حدودها وبالتالي أعطى التكوين الأساسي لمواطنيها الساسة الغربيين الممسكين
بعقال عصبة الأمم. وكان من الممكن أن تكون قضية الجنسية غير مطروحة كمشكلة وطنية
أو انتهاك لحقوق الأشخاص لولا جملة مشكلات محلية وإقليمية عاشتها سورية المعاصرة
وتركت آثارها على هذا الملف منها:
1-
ولادة دولة إسرائيل وما نجم عنها من لجوء معظم سكان فلسطين
العرب إلى خارج الحدود السياسية لهذه الدولة إلى البلدان المجاورة ومنها سورية
(الأمر الذي لن يتم التطرق له في هذه الدراسة)
2-
تَشَكّل الدول الوطنية الحديثة إثر الاستقلال بحدود لم تكن
بالضرورة تنسجم مع التكوين السكاني القومي (تم ضم لواء اسكندرون السوري لتركيا
مثلا رغم وجود أغلبية عربية فيه في 1939 ولم ينل الشعب الكردي الحق في دولة مستقلة
في المنطقة رغم اجتماع العناصر الأساسية لقيام دولة كردية)
3-
عدم التطابق
السياسي والإيديولوجي بين الدولة-الأمة من جهة ومفهوم القومية في العالم العربي.
4-
بناء السلطة
التسلطية منذ انقلاب 1963 وتعززها منذ حركة 1970 حيث تحولت الدولة إلى ملك للسلطة
العسكرية والأمنية وتم تأميم الدستور لحساب حزب واحد يقود الدولة والمجتمع (المادة
8) مع ما ترتب على ذلك من تهميش ونفي لقطاعات واسعة من المجتمع السياسي إلى الخارج
وحرمانها من الجنسية.
5-
أخيرا وليس
آخرا فرط الطابع الإيديولوجي والسياسي للمسائل المتعلقة بالجنسية في الأنموذج
السوري.
منذ عقدت
معاهدة لوزان التي ترتب عليها وجود دولة تركيا الحديثة وانفصال البلاد الأخرى عن
الدولة العثمانية القديمة بمقتضى معاهدات ما بعد الحرب العالمية الأولى، لم يعد
يصدق على رعايا تركيا والبلاد الأخرى اصطلاح الرعايا العثمانيين، وأصبح هناك منذ
تاريخ العمل بتلك المعاهدة في تاريخ 31/8/1924 جنسيات مختلفة تتبع الكيانات
السياسية الجديدة. وعليه فإن "الرعايا العثمانيين" الذين كانوا يقيمون
فيما عرف آنذاك بأراضي اتحاد الدول السورية خضعوا لأول قانون للجنسية خاص
بالسوريين مؤرخ في 30/8/1924 حيث أصدر المفوض السامي الفرنسي القرار رقم 2825
المتضمن إثبات الجنسية السورية بملء الحق وبقوة القانون لكل من يقيم في الأراضي
السورية وفق قاعدة حق الأرض Jus soli . وقد تبعه بعد أشهر قرار المفوض السامي رقم 16/س في تاريخ
19/1/1925 بشأن التابعية السورية. وكلا القرارين يشكل قراءة مقتبسة من المشرع
الفرنسي. وعلينا انتظار الاستقلال لقراءة أول قانون للجنسية أعده حقوقيون سوريون
يحمل الرقم 98 وقد صدر في 21/5/1951. وقد تبعه قانون الجنسية الصادر بالمرسوم
التشريعي رقم 21 تاريخ 24/2/1953. والذي عّدل بالقانون رقم 492 تاريخ 16/2/1957.
وحتى هذا التعديل يمكن القول أن قوانين الجنسية في سورية هي قراءة عربية تعتمد
النسب الأبوي أولا وتأخذ بعين الاعتبار وضعية المرأة في الفقه الإسلامي وبعض
القواعد من المشرع الفرنسي. وسيكون أول تفاعل بين قانونين عربيين للجنسية في
القانون رقم 82 الصادر في 22/7/1958 والذي أقر في ظل الجمهورية العربية المتحدة
(سورية ومصر) وأعده قانونيون مصريون وسوريون. ولم تلبث حكومة الانفصال أن أصدرت
قانون الجنسية الصادر بالمرسوم التشريعي 67 في 31/11/1961. وبعد استلام حزب البعث
السلطة، صدر المرسوم التشريعي رقم 276
تاريخ 24/11/1969 الذي ينص على قانون الجنسية الساري المفعول حتى يومنا
الراهن مع التعديلات اللاحقة.
نصت
الدساتير السورية المختلفة على تنظيم الجنسية في القانون وجاء في دستور الجمهورية
العربية السورية لعام 1973 مادتين تتعرضان لقضية الجنسية هما:
المادة 43:
ينظم القانون الجنسية
العربية السورية ويضمن تسهيلات خاصة للمغتربين العرب السوريين وأبنائهم ولمواطني
أقطار الوطن العربي.
المادة 83:
يشترط في من يرشح
لرئاسة الجمهورية أن يكون عربيا سوريا متمتعا بحقوقه المدنية والسياسية متما
الأربعين سنة (تم تعديل العمر إلى 34 إثر وفاة الرئيس حافظ الأسد وتسمية ابنه
مرشحا لخلافته في 2000).
المادة 153:
تبقى
التشريعات النافذة والصادرة قبل إعلان هذا الدستور سارية المفعول إلى أن تعدل بما
يوافق أحكامه.
أما بالنسبة
للقانون السوري الحالي (المرسوم 276/ تاريخ 24/11/1969) فهو يعتمد أولا على مبدأ
حق الدم Jus
sanguinis وقد جاء في المادة
الثالثة منه(1):
يعتبر عربيا
سوريا حكما:
آ- من ولد
في القطر أو خارجه من والد عربي سوري.
ب- من ولد
في القطر من أم عربية سورية ولم تثبت نسبته إلى أبيه قانونا.
ج- من ولد
في القطر من والدين مجهولين أو مجهولي الجنسية أو لا جنسية لهما ويعتبر اللقيط في
القطر مولودا فيه وفي المكان الذي عثر عليه فيه ما لم يثبت العكس.
د- من ولد
في القطر ولم يحق له عند ولادته أن يكتسب بصلة البنوة جنسية أجنبية.
هـ – من ينتمي بأصله
للجمهورية العربية السورية ولم يكتسب جنسية أخرى ولم يتقدم لاختيار الجنسية
السورية في المهل المحددة بموجب القرارات والقوانين السابقة. ويسري حكم هذه المادة
ولو كان الميلاد قبل تاريخ العمل بهذا المرسوم التشريعي.
وفي فصل
التجنس نجد في المادة الرابعة جواز "منح الأجنبي الجنسية بمرسوم بناء على
اقتراح الوزير وعلى طلب خطي يقدمه الطالب يشترط فيه كامل الأهلية والإقامة
المتتالية خمس سنوات في القطر والخلو من الأمراض السارية والعاهات المانعة من
مزاولة مهنة وحسن السلوك وعدم وجود حكم قضائي وامتلاك اختصاص أو خبرة والإلمام
باللغة العربية قراءة وكتابة. وتنص المادة الثامنة من القانون على منح الزوج
الجنسية لزوجته بقرار وزاري. وفي المادة 16 أحكام تسهيلية خاصة بتجنيس أبناء
البلدان العربية ودائما بقرار من وزير الداخلية. ومنذ 25/2/1976، أي صدور القرار
92 يكلف رئيس إدارة الهجرة والجوازات /فرع الجنسية/ ورؤساء فروع هذه الإدارة في
المحافظات بقبول طلبات التجنس والاسترداد والتخلي والاختيار وإسقاط الجنسية
العربية السورية وكل ما هو منصوص عليه في المرسوم التشريعي رقم 276 تاريخ
24/11/1969، وذلك بموجب إيصال يعطى لصاحب العلاقة. وقد عدلت الفقرة المتعلقة
بامتلاك اختصاص أو خبرة بمن لديه وسيلة مشروعة للكسب أو يملك ما يغنيه عن مساعدة
الغير. وقد ارتأى المشرع السوري، نتيجة انتشار السوريين في كثير من بلدان العالم
واضطرارهم لاكتساب جنسية أخرى لقضاء المصالح الخاصة عدم تطبيق عقوبة الغرامة أو
الحبس لمن يتجنس بجنسية أخرى دون موافقة حكومته السارية حتى عام 1961. وعدم تطبيق
هكذا عقوبة إلا عند اقتضاء المصلحة مع وضع نص يجيز التجريد من الجنسية العربية
السورية، بمرسوم بناء على اقتراح وزير الداخلية. وقد نص المرسوم التشريعي رقم 17
تاريخ 13/2/1972 في الفقرة الثانية من المادة الأولى على:
"كل
عربي سوري تجنس بجنسية أجنبية بناء على طلبه قبل السماح له بالتخلي عن الجنسية يظل
متمتعا بها من جميع الوجوه وفي جميع الأحوال إلا إذا رؤي تجريده منها تطبيقا لحكم
الفقرة (آ) من المادة 21 ويعاقب بالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر وبالغرامة من
خمسمائة ليرة إلى ألفي ليرة أو بإحدى هاتين العقوبتين.
وقد جرت
قوننة الزواج من أجنبيات للسوريين والفلسطينيين المقيمين في سورية بحيث تطلبت
موافقة مسبقة من وزير الداخلية (المرسوم التشريعي رقم 272 تاريخ 4/11/1969)، وجرى
تعليل الأمر بالمترتبات القومية والاجتماعية والأخلاقية والسياسية والأمنية على
الزواج بأجنبيات.
لو تتبعنا
الظروف التي صدر فيها المرسومين السابقين نجد أن السماح للسوريين بحمل جنسية
أجنبية جاء في بداية حكم الرئيس الأسد وسياسة تشجيع مد الجسور مع المهاجرين في
الأمريكيتين. كذلك تشغيل المهاجرين لرؤوس أموالهم في البلاد. أما تسهيل الجنسية
للعرب غير الفلسطينيين ودخولهم سورية من غير تأشيرة دخول وتسهيل قضايا العمل لهم،
فقد باشرها حزب البعث منذ حركة 1963 ضمن إيديولوجيته الوحدوية المعلنة. ويمكن
القول أن التجنيس ظاهرة شائعة في حالات الزواج والنسب وإدمان الإقامة والانتساب
البعثي للمواطنين العرب غير الفلسطينيين. وهي أصعب بكثير لحالات المقيمين غير
العرب باستثناء حالات الزواج والأولاد. ويلاحظ أن هناك سهولة للبلدان ذات العلاقة
السياسية الجيدة بسورية في وقت طلب الجنسية لزوجة سوري (بلدان حلف وارسو قبل سقوط
جدار برلين والاتحاد السوفييتي).
وقد نظمت
القوانين حقوق وواجبات المتمتعين بالجنسية أو المحرومين منها وفي مقدمة ذلك حق
الانتخاب والترشيح على جميع مستويات المجالس المعنية محلية أو وطنية (قانون
الانتخابات الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 26 تاريخ 14/4/1973 وكل ما تلاه) وحقوق
التوظيف والعمل والتجارة وخدمة العلم (قانون الموظفين الأساسي رقم 135 لعام 1945 والقانون رقم 393 15/5/1957) كذلك ما يتعلق بقانون التأمين
والمعاشات لموظفي الدولة المدنيين (المرسوم التشريعي رقم 19 تاريخ 26/11/1961)
وملاك وزارة الخارجية وشروط تملك غير السوريين (المرسوم التشريعي 189 تاريخ
1/4/1952 المعدل بالمرسوم التشريعي 123 تاريخ 6/10/1952).
وقعت فرنسا
(دولة الانتداب في سورية عام 1930) على اتفاقية لاهاي التي وإن تركت أمر الجنسية
للتشريع الخاص بكل دولة فقد حثت في المادة 15 على إعطاء الأطفال المولودين لآباء بدون جنسية، جنسية البلد التي ولدوا
فيها. وقد صوتت الجمهورية السورية في 1948 على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي
نص في المادة 15 على مبدأين أساسيين: الأول، حق كل فرد بالتمتع بجنسية ما،
والثاني، عدم جواز حرمان شخص من جنسيته تعسفا أو إنكار حقه في تغييرها. وقد انضمت
الجمهورية العربية السورية للاتفاقية الدولية المتعلقة بجنسية المرأة المتزوجة
المصدق عليها من قبل هيئة الأمم المتحدة في عام 1957. واعتبر القانون السوري من
ولد في سورية من أم عربية سورية ولم يثبت نسبه إلى أبيه قانونا عربيا سوريا.
ويمكن القول أن أهم التزامين لسورية على
الصعيد الدولي يتعلقان بحق الجنسية يكمنان في: أولا: توقيع سورية على جملة الاتفاقيات
المتعلقة بحقوق الطفل وتحديدا الإعلان العالمي للدفاع عن حقوق الطفل 1959 الذي أكد
في المبدأ الثالث على إجماع الدول على حق الطفل في الحصول على الجنسية عند الولادة
بصرف النظر عن كون والديه عديمي الجنسية أم لا. واتفاقية حقوق الطفل (التي وقعتها
سورية في 13/06/1993)
ثانيا:
تصديق سورية على العهدين الخاصين بالحقوق السياسية والمدنية والحقوق الاجتماعية
والاقتصادية والثقافية عام 1969. ولا نجد في هذا التصديق أي تحفظ يتعلق بالمواد
الخاصة بالجنسية.
إلا أننا
وللأسف، لم نجد قرارا قضائيا واحدا في موضوع الحرمان من الجنسية يعطي الالتزام
القانوني الدولي حقه وأسبقيته ويعيد الجنسية لمحروم منها منذ عام 1962 حين نشأت
قضية المحرومين من الجنسية لأول مرة.
انطلاقا من
هذين المبدأين، وأخذا بعين الاعتبار توقيع سورية لكل ما يتعلق بمناهضة أي شكل من
أشكال التمييز العنصري من إعلانات ومواثيق صادرة عن الأمم المتحدة، يمكن القول أنه
وبخلاف ربط الجنسية السورية بالعربية في الدستور، الأمر الذي سنتعرض له لاحقا، لا
يوجد أي نص قانوني عادي يسمح بالحرمان القسري من الجنسية والإنتاج الواسع
للمحرومين من الجنسية في البلاد. أما العوامل التي أدت إلى نشوء هذه الفئة من
المواطنين فهي أولا ذات طابع سياسي بحت وقد كان تعبيرها الأول مجموعة الأكراد
السوريين الذين حرموا من الجنسية إثر القوانين التعسفية الصادرة عام 1962 والتي
حرمت من الجنسية عددا هاما من المواطنين الأكراد السوريين بدعوى أصولهم التركية.
ويقدر أكثر من طرف محايد عدد هؤلاء بـ 150 ألف شخص في حين تعطي الأحزاب السياسية
الكردية عددا يساوي أو يفوق مائتي ألف شخص.. أما التعبير الثاني فيتمثل في فئة
المعارضين السياسيين الذين اضطرتهم معارضتهم السلمية أو المسلحة إلى الخروج من
البلاد منذ إعلان حالة الطوارئ في 8 مارس (آذار) 1963. مع ما ترتب على ذلك من
قرارات تعسفية بحقهم وحق أسرهم بما فيه حرمانهم من الحصول على أية أوراق ثبوتية
بجنسيتهم، الأمر الذي حرمهم من تسجيل زواجهم وأبنائهم وأحيانا أحفادهم في السجلات
السورية سواء جرى الأمر بشكل رسمي أو في واقع الأمر DE FACTO . ويفوق عدد أبناء الجيل الأول وحده من هذه الفئة 27 ألف شخص
ويتضاعف الرقم في حال حساب الأبناء والأحفاد.
يقدر عدد الأكراد في سورية بـأكثر من مليون و نصف مليون مواطن، فيما يشكل
قرابة 10 إلى 11 % من إجمالي عدد السكان. وهم يعيشون في جبل الأكراد (عفرين)
والجزيرة وجبل سمعان وعزيز وعين العرب (كوبانية) ومدن حلب وحماه ودمشق واللاذقية.
ونجد آثارا لوجود الأكراد في جبل الأكراد تعود إلى أولى المخطوطات العربية حول
المنطقة وقد كانت العلاقات العربية الكردية جيدة في زمني العباسيين والعثمانيين.
ومنذ استــقلال سورية في 17 نيـسان 1946 وحتى 1962، عّم جو من التسامح والتعاون
العلاقات بين الشعبين.(2). وتؤكد كتب تأريخ النضال الوطني ضد الاستعمار الفرنسي على دور هام للتلاحم العربي الكردي في الجزيرة وجبل الأكراد وجبل
الزاوية والغوطة والزعيم الوطني إبراهيم هنانو من أسرة كردية(3).
كان الأدباء الأكراد ينشرون كتاباتهم باللغة الكردية في البلاد
كذلك فإن كتب الأبجدية وتعليم اللغة الكردية لم تكن محظورة حتى منتصف
الخمسينات (وقد عبرت الحركة الكردية عن نفسها منذ الثلاثينات عبر الجمعيات
والنوادي الثقافية والاجتماعية والرياضية ومن أولى الإصدارات الكردية الدورية مجلة
"هاوار" (الصرخة).
إن صعود الحركة القومية العربية
بقوة والعداء الذي ناصبتها إياه بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، تركت آثارها على
العلاقات العربية الكردية. وعوضا عن أن يجد القوميون العرب في القوميون الأكراد
حليفا طبيعيا قاموا بعدة إجراءات معزولة أو منظمة تركت آثارا سلبية على العلاقة
بين الشعبين (مصادرة كتب ألف باء كردية، مصادرة دواوين الشاعر جكرخوين، ومنع
الأكراد من تسمية أبنائهم بأسماء كردية.)(4)
في 1955 أسس أوصمان صبري (1905-1993) أحد أقطاب الأكراد في القرن العشرين
جمعية إحياء الثقافة الكردية (انجمن) التي لم يرخص لها وبعدها في 14/6/1957، تداعى
إلى تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني في سورية (البارتي) مع حميد درويش وحمزة
نويران ونور الدين ظاظا(5)... وقد عمل دون ترخيص حتى قيام الوحدة مع مصر وصدور
قرار حل الأحزاب السـياسية والذي تبعه إعتقالات في صفوف أحزاب عديدة في 1959. وفي
4/3/1961 أحيل أوصمان صبري ورفاقه إلى محكمة أمن الدولة العليا التي حكمته بالسجن
عام ونصف.
مع الانفصال، في أيلول (سبتمبــر) 1961 افرج عن المعتقلين السياسيين ولكن ساد جو من انعدام الثقة بين الحكومة
والقوميين الأكراد لدعمهم انتفاضة أكراد العراق في نفس العام.
في 23 آب (أغسطس) 1962، صدر عن رئيس الجمهورية ناظم القدسي ورئيس مجلس الوزراء
بشير العظمة المرسوم رقم 93 الذي
يسمح بإجراء إحصاء خاص بمنطقة الجزيرة. وفي 5 ت2 (أكتــوبر)، تم اعتبار عدد من
الأكراد يقارب عددهم 120 ألف مواطن (الرقم الرسمي 60 ألف) يعيشون
في الأراضي السورية بمثابة أجانب وطرح مشـروع الحزام العربي الذي يهدف لإبعاد
المواطنين الأكراد من على الشريط الحدودي مع تركيا واستبدالهم بمواطنين عرب.
بعد إعلان حالة الطوارئ، في 8 آذار (مارس) 1963، تابعت الحكومات الجديـدة
سيـاسة التمييز هذه. وقد نشر حزب البعث دراسة أعدها مسـؤول الأمن السـياسي في
المنطقة (6) يخلص لاعتـبار الأكراد شعبا دون حضارة أو لغة أو أصل اتني وهو لا يملك
سوى القوة الهدامة والعـنف اللذين يميزا سكان الجبال. و أما الخطة المقترحة ،
فتهدف إلى استئصال الوجود الكردي من سورية في برنامج من 12 نقطة:
1- التهجير للداخل (عبر نقل السكان)، 2- التجهيل (حرمان الأكراد من التعليم
والتأهيل العلمي)، 3- سد باب العمل (الحرمان من العمل والمساعدة)، 4- الإبعاد
(تسليم المتمردين للبلدان المجاورة)، 5- فرق تسد (تحريض الأكراد ضد بعضهم)، 6-
تطبيق الحزام العربي، 7- سياسة إسكانية للعرب، 8- عسكرة المنطقة، 9- إيجاد مزارع
جماعية تابعة للدولة، 10- حرمان من لا يعرف العربية من حقوقه السياسية، 11- إرسال
رجال دين عرب للمنطقة ونزع الصفة الدينية عن رجال الدين الأكراد أو نقلهم إلى داخل
البلاد، 12- تنظيم حملة لمناهضة الأكراد في صفوف العرب.
يعطي هذا التقرير صورة عن مدى خطورة الخطاب الشوفيني في المنطقة وطابعه
الاستئصالي لكل من لا يقع ضمن قالبه القومي.
في 1964، صدر المرسوم
1360 الذي اعتبر كامل محافظة الحسكة منطقة حدودية مع أن عمقها يبلغ حوالي 200 كيلو
مترا. وقد أعلنت الحكومة عن مشروع "الحزام العربي" بعمق 15 كم وعلى طول
280 كم على الحدود التركية. الأمر الذي يعني في الواقع العملي تهجير سكان 332 قرية
من سكانها الأكراد.
وتحت عنوان تحقيقات في التطبيق الاشتراكي، نشرت جريدة "المناضل"
الداخلية لحزب البعث في العدد الحادي عشر عام 1966 تقريرا رفعه رئيس مكتب الفلاحين
في الحزب يتعامل مع الوجود الكردي باعتباره مؤامرة تسعى لخلق إسرائيل ثانية في
المنطقة. وفي 1967، ألغت كتب الجغرافيا المدرسية أية إشارة للأقلية الكردية في
سورية، ومنذ ذاك التاريخ، يمارس موظفو الأحوال الشخصية ضغوطا على المواطنين لعدم
إعطاء أبنائهم أسماء كردية.
مع وصـول الفريق حافظ الأسد للسـلطة في 1970 حدث إبطاء في المشروع نقل السكان
العرب دون أن يلغى رسميا. فيما شمل نقل عشرات آلاف السكان العرب من حوض الفرات إلى
المناطق الكردية في الجزيرة. وقد أصبح يتم اختيار فوقي لبعض الأكراد لانتخابات
مجلس الشعب والإدارة المحلية للجم الحركة الديمقراطية في المنـطقة. كذلك تقوم هذه
السـياسة على دعم من يناهـض المعارضة الاجتماعية والسياسية العربية-الكردية في
المنطقـة ولعب ورقة الجنسية للضغط
على الحركة السياسية والمواطنين.
في 1986 أثناء احتفالات النيروز (21 آذار/مارس) جرت مواجهة بين الأمن
والمواطنين الأكراد غير المسلحين نجم عنها جرحى وقتلى.
وفي 11/11/1986 نشر محافظ الحسكة القرار رقم 1012/ص/25 الذي يمنع استخدام
اللغة الكردية في أماكن العمل . في 3 ديسمبر ك1 1989 ، اصدر محافظ الحسكة محمد
مصطفى ميرو (رئيس الوزراء اليوم) القرار 1865/ص/25 ليؤكد هذا المنع ويضيف إليه
الأغاني غير العربية في الأعراس والأعياد. في تعارض مع معطيات الدستور السوري
نفسه.
في 5/10/1992 ، صدر بيان سياسي لأحزاب كردية ممنوعة في ذكرى مرور 30 عاما على
قانون التمييز مع دعوة للمواطنين
لدعم مطالبهم الثقافية والمدنية.
وقد ردت الحكومة السورية بحملة إعتقالات واستجوابات واسعة بقي منهم 40 شخصا في
المعتقل.
وقد ترافقت هذه الحملة بعدة إجراءات تمييزية جـديدة بحق الأقلية الكردية منها
إبعاد 21 عامل من مؤسسة حكومية من عملهم ومنع أكراد من السفر.
في الوقت نفسـه، صدر في 3 أيلول (سبتمبر) القرار 122 عن وزير الداخلية الذي
يربط تسجيل الأطفال الأكراد بالجهات الأمنـية المختصـة، ومنذ ت1 (أكتوبر) 1992،
رفض تسجيل عشرات الأطفال الأكراد لأن أهلهم اختاروا اسما كرديا.
وفي 1995 صدرت أحكام جديدة لمحــكمة أمن الدولة بحق ديمقراطيين أكراد واعتقلت
السلطات الأمنية مواطـنون أكراد في مناسبتي النيروز و ذكرى صدور المرسوم 93 ونيروز
1996.
وفي 12/7/1996 أرسلت الحكومـة السورية ردا إلى منظمة هيومان رايتس وتش
الأمريكية تجيب فيها على عدة أسئلة طرحتها المنظمة. وهي تعطي أرقاما قريبة من
تقديراتنا (67465 ممن يسمى بالأجانب المحليين المحرومين من الجنسية وفق المرسوم 93
إضافة إلى 75 ألف مواطن من المكتومين أي ممن طرحت مشكلة تواجدهم في الجزيرة بعد
الإحصاء) ولكن القسم القانوني يثير الرثاء ولا يتطرق لأي من التزامات سـورية
الدولية بما فيه توقيعها الأخير على معاهدة حقوق الطفل. ويمكن القول أن كل نيروز
منذ ذلك الحين يترافق بإجراءات أمنية مشددة وغالبا توقيفات احترازية.
يمكن اعتبار الأحزاب السياسية الكردية السورية الممنوعة (وعددها 13 بين تجمعات
جد محدودة النشاط والتواجد وأخرى أكثر تمثيلية) أكثر أشكال الـتأثير والتنظيم في
صفوف الشبيبة والانتلجنسيا الكردية، وهي تركز في برامجها على الحقوق الثقافية
للشعب الكردي وتحترم أهم هذه الأحزاب الانتساب الجغرافي السياسي إلى الجمهورية
العربية السورية مع المطالبة بالديمقراطية واحترام حقوق الأقليات القومية. ويلاحظ
من الناحية السوسيولوجية تصاعد النزيف السكاني الكردي المهاجر من مناطقه إلى المدن
السورية ومن سورية إلى الخارج لأسباب اقتصادية وأحيانا سياسية. وهي مسألة تفقر
الريف من شبابه والأكراد من نخبتهم المتعلمة. وقد تعززت هذه النزعة مع الأزمة
الاقتصادية في المنطقة وعدم وجود حل لقضية المحرومين من الجنسية الذين يؤثرون
اليوم اللجوء السياسي والإنساني في أوربة على البقاء في سورية.
في 28 أيلول (سبتمبــر) 1961، قام عدد من الضباط بانقلاب عسكري وضع حدا للوحدة
المصرية-السورية. وقد أعاد هذا الانقلاب الحياة البرلمانية للبلاد وأعاد بعض معالم
الحريات الأساسية التي عاشتها سورية بين 1954-1958. ولكن هذا الانقلاب جاء في ظروف
إقليمية حساسة ودقيقة: فناهيكم عن إضعافه جبهة الصراع العربي الإسرائيلي، فقد شكل
هذا الانقلاب صدمة للمشروع الوحدوي العربي. وفي شمال العراق، باشر الأكراد بقيادة
الملا مصطفى البرزاني تمردهم على حكومة عبد الكريم قاسم، وساد جو من انعدام الثقة
بين الحكومة الانفصالية والقوميين الأكراد لدعمهم انتفاضة أكراد العراق وقتئذ. ولا
شك بأن حكومة ما بعد الوحدة قد دخلت في مزاودة معادية للأكراد في إطار محاولتها الدفاع
عن هويتها القومية التي كانت موضع شك على الصعيد الجماهيري إثر الانفصال عن مصر.
في هذا الظرف بالذات سعت الحكومة السورية لما كان يسمى ترتيب أمن الحدود الشمالية
والشمالية الشرقية للبلاد، وطرحت قضية الأكراد كمصدر خطر يتهدد هذا الأمن. ولم يكن
للموقف التركي المنكر لوجود قضية كردية (باعتبار الأكراد بالنسبة للمجلس القومي
العسكري في تركيا هم أتراك الجبال)، لم يكن لهذا الموقف إلا أن يدفع بعدد من
الأكراد المضطهدين للجوء إلى دول الجوار تجنبا للعسف التركي، إلا أنها لم تكن
هجرات اجتماعية بقدر ما كانت حالات سياسية. وقد حاولت الحكومة السورية آنذاك، زج
الأكراد في أوضاع صعبة إداريا ومعاشيا بهدف دفعهم للهجرة من جهة، وإعطاء صورة عن
نفسها كمدافع عن الهوية العربية لسورية. وكون حالات السياسيين اللاجئين كانت جد
قليلة، فقد لجأت الحكومة إلى فتح ملفات التسجيل منذ العشرينات عبر قرار تعسفي
وجائر لم يلبث أن حوّل عددا كبيرا من أكراد سورية إلى مواطنين بلا جنسية وبأوراق
مؤقتة تحرمهم من حقوق أساسية يتمتع بها المواطن السوري.
هكذا، وبناء على المرسوم
التشريعي رقم 1 تاريخ 30/4/1962 وعلى القرار الصادر عن مجلس الوزراء رقم 106
بتاريخ 22/8/1962 صدر المرسوم التشريعي رقم 93 في تاريخ 23/8/1962 الذي ينص في المادة الأولى على:
1-
يجري إحصاء عام للسكان في محافظة
الحسكة في يوم واحد يحدد تاريخه بقرار من وزير التخطيط بناء على اقتراح وزير
الداخلية.
وقد جاء في المادة التاسعة:
وتعتبر المادة 17 من المرسوم كل تذاكر الهوية ملغاة ويستبدل المرسوم كل قيود السجلات القديمة
بالسجلات الجديدة.
يصعب إدراك معاناة المحرومين من الجنسية بموجب القرار 93
دون العودة إلى مجمل الإجراءات والمراسيم والقرارات 9- تؤلف لجنة مركزية في محافظة
الحسكة بمرسوم جمهوري مهمتها مراقبة أعمال لجان التسجيل المؤلفة بموجب المادة
السابقة واتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لإنجاز عمليات التسجيل في المحافظة
المذكورة وتمنح هذه اللجنة صلاحية عدم تسجيل كل من لا يثبت أنه من رعايا الجهورية
العربية السورية وفقا للقوانين النافذة. وتخضع لإشراف وتوجيه اللجنة العليا.
الإدارية التي جعلت من هذه الفئة جماعة محرومة من أهم حقوقها ليس فقط المدنية
والسياسية والثقافية، بل أيضا الاجتماعية والاقتصادية. ويورد المعتقل سليمان عبد
المجيد أوسو في شهادته أمام محكمة أمن الدولة بعض معالم هذه المأساة بالقول:
"لقد مر ثلاثون عاما على أولئك المجردين من الجنسية ومعاناتهم تزداد يوما
بعد يوم ونظرة فاحصة في وضع أولئك المجردين تجد بينهم حالات يندى لها الجبين
فمثلا:
一- إن الكثيرين منهم يحملون دفاتر خدمة العلم قبل عام 1962...
二- حالات الأب مواطن وكل أولاده مجردين من الجنسية أو بعضهم.
三- حالة الأب مجرد من الجنسية وبعض أولاده مواطنين أو كلهم.
إن كل هذه الحالات موجودة وقدمت وثائق إلى الجهات المعنية تثبت ذلك. علما أن
قانون الجنسية يمنح حق المواطنة لكل من يعيش خمس سنوات على أرض سوريا فما بالك
بالذين ولدوا عام 1962 وتبلغ أعمارهم 32 عاما!!!
أما فيما يتعلق بمأساة أولئك المجردين من الجنسية، يتابع المعتقل السياسي في
مداخلته، فهي كبيرة جدا:
1-
إنهم محرومون من كافة حقوقهم
المدنية (كحق العمل، حق التملك، حق الانتخاب والترشيح، حق الانتساب إلى
النقابات..).
2- حرموا من الانتفاع من قانون الإصلاح الزراعي الذي وزع بموجبه الأراضي على
الفلاحين وتم توزيع أراضيهم على آخرين من مناطق أخرى.
3- حرموا من حق الاستفادة من البطاقة التموينية. فالأسرة التي عدد أفرادها عشرة
عليها أن تدفع /900/ ليرة سورية لشراء المواد التموينية شهريا، في حين أن المواطن
الذي يملك بطاقة تموينية لا يدفع أكثر من /100/ ليرة سورية لشراء تلك المواد.
4- حرموا من تسجيل زوجاتهم وأولادهم باسمهم وحتى البيت الذي يقطنوه ليس بإمكانهم
أن يسجلوه باسمهم.
5- حرموا من أنبل الحقوق الوطنية، ألا وهو حق المشاركة في الدفاع عن الوطن"
(7).
تقوم حجة الحكومة السورية على أساس أن المكتوم أجنبي وبالتالي ففي كل دول
العالم لا يقوم الأجنبي بالخدمة الإلزامية ولا يحق له التثبيت في عمل في القطاع
العام وإن كان مسموح له بالعمل فيه ولا يستفيد من قوانين الإصلاح الزراعي. وفيما
يلي الرد الرسمي للحكومة السورية على أهم النقاط المثارة أعلاه في وثيقة قدمت
لمنظمة مراقبة حقوق الإنسان (هيومان رايتس وتش) الفقرة المتعلقة بـ "كيفية
التعامل مع المسجلين في سجلات أجانب الحسكة":
1- في مجال التعريف وتدوين الواقعات المدنية: يمنحون وثائق تعريف شخصية أو عائلية
خاصة بهم، ويسجل جميع ما يحدث لهم من واقعات ولادة ووفاة وزواج وطلاق على قيودهم
في السجلات الخاصة بهم.
2- في مجال التعليم: تقبل أطفالهم في سائر مراحل التعليم، في المدارس الرسمية
والخاصة.
3- في مجال العمل: يسمح لهم بالعمل في مؤسسات القطاع العام والمشترك والخاص. كما
يسمح لحاملي الشهادات الجامعية في الطب والصيدلة والحقوق والهندسة بفتح مكاتب
مهنية لهم.
4- في مجال التملك: لا يسمح لهم بالتملك العقاري أو تسجيل أية آلية أو سيارة، إلا
أنهم يمارسون ذلك عمليا بموجب عقود عادية بأسمائهم أو بواسطة أقربائهم أو أصدقائهم
من المواطنين السوريين.
5- في مجال التموين: لا يمنحون بطاقات تموينية بالسعر الرسمي بل يسمح لهم بالحصول
على ما يحتاجونه من المواد المقننة من مراكز مخصصة لهم وبالسعر الحر بالاستناد
لوثائق التعريف الشخصية والعائلية الخاصة بهم.
6- في مجال السفر: يسمح لهم بالتنقل داخل القطر بموجب وثائق التعريف الخاصة التي
يحملونها كما يسمح لهم بالسفر خارج القطر في بعض الحالات الخاصة للمعالجة أو
الدراسة بموجب وثيقة خروج لمرة واحدة بموافقة من وزير الداخلية.
7- في مجال الزواج: يسمح للإناث منهم بالزواج من مواطنين سوريين واكتساب جنسيتهم،
أما الذكور فلا يسمح للمواطنات السوريات بالزواج منهم حفاظا على جنسيتهن السورية.
8- في المبيت في الفنادق: يسمح لهم بذلك بعد إبراز وثائق التعريف
الخاصة التي يحملونها وتأكد شعبة الفنادق من صحتها وعائديتها لحامليها".(أ.هـ
)
نعود إلى شهادة أحد المحرومين من الجنسية التي تقدم بها
أمام محكمة الدولة (ليس حبا بمحكمة أمن الدولة ولكن في غياب حرية التعبير أعطى
الدفاع أمام المحكمة أفضل الشهادات في هذا الموضوع وغيره). يقول المعتقل السياسي
محمد معصوم داوود في مداخلته (3/12/1996):
"بما أنني واحد من ضحايا الإحصاء الاستثنائي، فإنني
أعاني مرارة الحرمان. حيث أن عائلتي موجودة في الجزيرة أبا عن جد، ولم نأت من أي
مكان آخر كما تدعي الحكومة, بل ولم نترك أو نغادر البلاد نهائيا ولو لفترة قصيرة
جدا. فما زلنا بصدد عائلتي‘ فإن أخي المجرد من الجنسية قد تزوج من مواطنة. فأصبح
أولادهم مكتومي القيد، أي لا يتمتعون حتى بصورة إخراج قيد التي تثبت هويتهم، أي
أنهم لا يملكون شهادة تعريف. وهؤلاء ممنوعون حتى من متابعة تعليمهم بعد المرحلة
الإعدادية على الحد الأقصى، وأية ذلك أن زواج أخي من المرأة المواطنة لا يملك أية
صفة قانونية، بل يعتبر زواجا دينيا فقط.
فنحن محرومون من تسجيل أي شئ بأسمائنا في السجلات
العقارية لأننا لو سجلنا أي شئ بأسمائنا أقصد هنا أسماء المجردين من الجنسية
فيعتبر ذلك الشئ من أملاك الدولة؟!! أما إذا كان ذلك الشئ امرأة، أي زوجة، ألا تعتبر هي أيضا من
أملاك الدولة؟!! علما بأن الأملاك فقط يتم تسجيلها، أما بالنسبة للزواج فلا يتم
تسجيله نهائيا، فيبقى الزواج زواجا دينيا حصرا ولا يكتسب الصفة القانونية.
ونحن محرومون أيضا من التوظيف والعمل في المؤسسات
الحكومية العامة. وحتى من العمل في جميع المحلات الصناعية والتجارية.. أية ذلك
أننا محرومون من العمل ضمن القطاع الخاص والمشترك، إلا بإذن وموافقة من مديرية
الشؤون الاجتماعية والعمل. أما بالنسبة للمواطنين قبل الإحصاء الاستثنائي، فأصبحوا
مجردين من الجنسية, وهم حتى الآن لديهم براهين تثبت ذلك. والإثبات هو وجود وتوافر
دفاتر خدمة العلم, وقد تجدون في عائلة ما، يكون فيها الأب مواطنا والابن مجردا من
الجنسية!! أو بالعكس، أو أن يكون الابن البكر مواطنا والثاني مجردا من الجنسية!!
وهكذا..
إذن بالمختصر، نحن محرومون من الحقوق المدنية، بما فيها
حق التملك والعمل والسفر، وحق الترشيح والتصويت والانتفاع بالأراضي الزراعية،
بالإضافة إلى المواد التموينية..الخ، فهذا يعني بأن الإحصاء الاستثنائي جاء من أجل
التفرقة والتمييز بين صفوف شعبنا السوري بعربه وكرده، وللدلالة على هذه التفرقة
التي مازالت مستمرة حتى الآن في محافظة الحسكة، فقد أصدر مؤخرا قاضي السجل العقاري
في مدينة القامشلي قرارا بمصادرة ما يقارب (700) عقار سكني تعود ملكيتها إلى
المجردين من الجنسية أبا عن جد، وهي مسجلة بأسمائهم في السجلات العقارية الخاصة
بالأجانب، وبذلك أصبحت هذه العقارات السكنية من أملاك الدولة. وفي حال تنفيذ هذا
القرار فسيكون نصيب هؤلاء التشرد دون مأوى، خاصة وأن معظمهم من الطبقة الفقيرة
الذين لا يملكون سوى قوة عملهم، علما بأن عدد أفراد كل أسرة يتجاوز الخمسة على
الأقل. فأي دستور وقانون في العالم يحرم الإنسان من حق العيش والسكن؟!!"(8)
والمشكلة الأساسية برأينا تتلخص
في سؤالين أساسيين:
السؤال الأول: هل يعتبر وضع المجرد من الجنسية اليوم وضعا قانونيا سواء من
وجهة نظر القانون السوري أو الالتزامات الدولية لسورية الخاصة بحقوق الإنسان؟
السؤال الثاني: هل هناك إجراءات تمييزية يعاني منها المجرد من الجنسية تتجاوز
وضع غير السوريين في الأراضي السورية؟
يبقى أبناء المشكلة أكثر الناس تعبيرا عن طبيعتها
المأساوية. ولكي يأخذ هذا القسم حقه، فقد طلبنا بالتعاون مع المحامي إسماعيل محمد
لعدد من المحرومين والمكتومين الإجابة على استجوابات بسيطة تقّرب للعيان الأبعاد
الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية لقضية البدون الأكراد. وننقل الأساسي من
الشهادات دون أي تعديل أو تدخل، وقد احصر دورنا في تجنب تكرار بعض الوقائع لإتاحة
الفرصة لعدد أكبر من الشهادات:
سؤال: عاصرت
فترة الإحصاء الاستثنائي الذي أجري في عام 1962، هل يمكنك أن تحدثنا كيف عشت تلك
اللحظات التي قلبت طبيعة وجودك في بلدك؟
جواب: كنت
وبقية أفراد أسرتي نقيم في قرية خرابي رش التابعة لناحية الجوادية (واسمها
التاريخي جلاغا) التابعة لمنطقة المالكية (واسمها التاريخي ديريك) من محافظة
الحسكة. وكان يتردد في تلك الأيام على ألسنة بعض كبار السن من أهل القرية والقرى
المجاورة أن الدولة عازمة على إجراء إحصاء للسكان وأن من واجب السكان المكوث في
بيوتهم لكي يتسنى للجان الإحصاء القيام بواجباتهم. وفي يوم 5/10/1962 وصلت لجنة
الإحصاء وقامت بزيارة كل بيوت القرية ومنها بيتي. وقد تم تسجيل كافة أفراد أسرتي.
وبتاريخ 1/8/1964 التحقت بالخدمة العسكرية وجرى فرزي لسلاح المشاة في محافظة
اللاذقية. وفي كل جيوش الدنيا لا يقوم بالخدمة العسكرية إلا من يحمل جنسية البلد
الذي يخدم فيه. وكانت الأمور عادية حتى عام 1965 حين اتصل بي أخي الأكبر وأخبرني
بأنني جردت من الجنسية مع أفراد أسرتي. في حين بقي شقيقي وأفراد أسرته من حاملي
الجنسية العربية السورية.
سؤال: عندما
سمعت نبأ تجريدك من الجنسية وتحويلك إلى غريب في وطنك وعلى أرض عائلتك القاطنة منذ
مئات السنين في هذه الناحية ما هو رد الفعل الأولي وهل قمت بإجراءات تسعى عبرها
لاستعادة جنسيتك السورية؟
جواب: لا
تذكرني بذلك اليوم الأشد سوادا في حياتي. وأقول لك الأشد سوادا في حياتي لأن جميع
أيام حياتي تحولت إلى سواد حالك بعد سماعي ذلك الخبر المشؤوم. انزعجت واضطربت
كثيرا وأصبحت كالتائه لا أعرف ماذا أفعل. وكنت أطرح السؤال على نفسي: هل يعقل ما
يصيبني وكيف أتحول من مواطن سوري إلى أجنبي في وطني. علما بأنه في حوزتي وثائق
تثبت بأنني أقدم مواطنية من جميع الذين ساهموا في تجريدي من الجنسية. فأنا أعيش في
القرية أبا عن جد وليس في ذاكرة عائلتي مكانا آخرا جاءت منه.
أما عن
الإجراءات التي قمت بها فأولها رسالة وجهتها للقيادة العامة للجيش والقوات المسلحة
عن طريق التسلسل ولكن الطلب لم يرفع واكتفت قيادة أركان القطعة بالعبارات المدونة
على طلبي وأعادت إلي الطلب وعليه جملة: "لا يجوز تجريدك من الجنسية إطلاقا
لأننا نحتفظ لدينا بهويتك ودفتر خدمة العلم". ومنذ ذلك الحين عززت طلباتي
بوثائق ثبوتية تؤكد إقامتي في سورية قبل قيام الجمهورية السورية ووجود أهلي منذ
العهدين العثماني والفرنسي وهذه الوثائق احتفظ بها ومستعد لتقديمها لجميع المعنيين
بقضية الجنسية والمهتمين بحقوق الإنسان.
سؤال: ما هي
الوثائق التي تثبت جنسيتك اليوم؟
جواب: أولا:
مازلت احتفظ بدفتر خدمة العلم وشهادة تأدية الخدمة العسكرية وبقايا بطاقة شخصية
قديمة تم غسلها مع ملابسي سهوا.
ثانيا:
ضريبة رأس الرجال (وهي عبارة عن ضريبة مفروضة على الأشخاص يومذاك في عهد فرنسا
ويعود تاريخها إلى عام 1932 تعود لوالدي.
ثالثا:
ضريبة عبارة عن نصف حوش بالإضافة إلى 24 دونم أرض زراعي تعود لوالدي منذ عهد
السلطان العثماني رشاد.
رابعا:
إجازة بيع دخان منذ عام 1940 تعود لأخي الأكبر.
خامسا:
تذكرة هوية والدي الصادرة عن ضابطة الأحوال المدنية في ديرونه 1940 وديرونه كانت
ناحية في الفترتين العثمانية والفرنسية والآن عبارة عن قرية تابعة لناحية الجوادية
وعرب اسمها إلى دير غصن. إضافة إلى وثائق أخرى.
سؤال: ما هي
مدة خدمتك العسكرية، وهل تم تسريحك من الجيش بعد تجريدك من الجنسية؟
جواب: أكملت
خدمتي العسكرية وكانت يوم ذاك سنتان ولم يتم تسريحي.
سؤال: كم
عدد أفراد أسرتك وما هو تحصيلهم العلمي؟
تتكون أسرتي
من 15 فردا منهم 12 أولاد وبنت أخي المتوفي وزوجتي وأنا. كل أفراد أسرتي تعلموا
منهم من أكمل الابتدائية ومنهم الإعدادية ومنهم الثانوية ولدي اثنان في الجامعة.
ولكن للأسف كلنا غرباء في وطننا وكل الأبواب مسدودة أمامنا كالتوظيف والتمليك
والخدمة العسكرية الخ.
سؤال: ما هي
المعاناة الأقسى لحرمانك من الجنسية وماذا تتمنى؟
جواب: نحن
محرومون من الحقوق المدنية والعسكرية، لا نستطيع تسجيل ممتلكاتنا من محلات وسيارات
وبيوت سكن على أسمائنا ومحرومون من الأراضي الزراعية. أمنيتي بالدرجة الأولى
استعادة جنسيتي والاعتراف الدستوري بنا كبشر لكي نستطيع أن نخدم وطننا ونشعر
بالانتماء الكامل لبلدنا سورية. أن التمييز يطال أفراد عائلتنا فيما بينها فأخي
الأكبر وأفراد أسرته مواطنون سوريون وأنا أجنبي وأولادي وأحفادي مكتومي القيد فهل
هذا طبيعي؟
زوجتي فكرية شيخموس من مواليد عامودا
مواطنة سورية. لدي أربعة أطفال ايفا من مواليد عامودا بيريفان وكاميران ومحمد من
مواليد دمشق. ونحن من عائلة وطنية سورية كردية وقبل مغادرتنا لألمانيا كنا نعيش في
دمشق. وكلنا أجانب.
سؤال: هل
لديك أقارب مواطنين أو أجانب أو مكتومي القيد في العائلة؟
جواب: نعم،
زوجتي مواطنة سورية من عائلة كردية معروفة، عائلتي لوالدي يفوق عددها 25 شخص كلهم
أجانب وعمي وأولاد أسرته أكثر من 13 شخص كلهم أجانب. أما أولادي وأولاد أخي وأولاد
ابن عمي فجميعهم مكتومي القيد.
سؤال: هل
كنت مواطنا سوريا قبل 5/10/1962؟ كيف ومتى بلغت بسحب الجنسية؟
جواب: علمت
بسحب الجنسية مني ومن عائلتي أثناء تقديم طلبات القبول في المدرسة الابتدائية عام
1963. وقد كانت صدمة قوية لي، وقبل ذلك كنت مواطنا سوريا.
سؤال: هل
حاولت كشخص طلب إعادة الجنسية وماذا كانت النتيجة؟
جواب: نعم،
عند صدور القرار الظالم بحق شعبنا الكردي في محافظة الحسكة بتجريد عدد كبير من
أبنائه من الجنسية السورية قدّم والدي اعتراضا على ذلك عام 1965، وجدد الطلب عام
1970 وعام 1980 وعام 1988. وفي كل مرة كانت النتيجة عدم الموافقة على إعادة
الجنسية لرفض اعتبارنا من أبناء محافظة الحسكة. هذا هو جواب الجهات المعنية.
سؤال: حدثنا
عن مشاكلك اليومية ومشاكل أولادك؟
جواب: عندما
يجرد المرء من الحقوق المدنية والقانونية والعسكرية يخلق ذلك عدم استقرار في
الحياة اليومية ويؤدي إلى متاعب ومشاق وغياب الاستقرار النفسي والمعيشي. والمشاكل
تصل إلى لقمة العيش وأسباب الوجود. فعلى سبيل المثال أنا اشتري 20 كيلو سكر + 10
كيلو رز بمبلغ 900 ليرة سورية والمواطن السوري يشتري 20 كيلو سكر + 10 كيلو رز
بمبلغ 90 ليرة سورية كونه يعتبر مواطن يحق له امتلاك بطاقة تموينية أما أنا فاعتبر
أجنبي كردي لا حق له بهذه البطاقة. أولادي من جهتهم نجد صعوبات جمة في تسجيلهم في
المدارس وعند تخرجهم لا يحق لهم العمل والتوظف في الدوائر الحكومية. بالطبع مع
منعهم من الكليات العسكرية.
ولكن الأنكى
هو في تسجيل الولادات على قيد الأجنبي. فحتى لا يبقى الطفل مكتوم القيد قدمت لابني
محمد على سبيل المثال عدة طلبات من تاريخ ولادته في 4/7/1992 إلى وزارة الداخلية
وكانت شعبة الأمن السياسي بدمشق ترد مع عدم الموافقة على تسجيل ولادة الطفل محمد
تزياني كونه من أجانب الحسكة. ثلاث طلبات وردود من الأمن السياسي بهذا الشكل. فتم
تسجيله على قيدي الأجنبي بصعوبة كبيرة جدا عام 1994 حتى لا يبقى مكتوم القيد.
ويوجد ثلاث صور من كتاب شعبة الأمن السياسي بعدم الموافقة على تسجيل الطفل لدى
منظمة حزب الوحدة "يكيتي" وفي مكتب العلاقات الخارجية في وزارة الخارجية
الألمانية.
سؤال: هل
يمكن الحديث بشكل أكثر تفصيلا عن مشكلة الملكية والعقارات؟
جواب: هناك
أمثلة مأساوية، وحتى لا نعود كثيرا للوراء، أعطي مثلا جرى عام 1996. ففي هذا العام
جرى الاستيلاء على بيوت عدد كبير من الأكراد المجردين من الجنسية السورية وتأجيرها
بالأجور الشهرية. وعلى أثر ذلك قام السيد كمال أحمد درويش سكرتير الحزب الديمقراطي
الكردي في سورية (البارتي) والسيد شيخموس يوسف عضو اللجنة المركزية للحزب اليساري
الكردي في سورية بزيارة فرع حزب البعث في الحسكة وطلبوا مقابلة السيد أمين فرع حزب
البعث. وبعد ساعات أمام مكتب أمين الفرع رفض مقابلتهم وقد أهينوا في المعاملة
وعادوا لمدينة القامشلي حيث كانا ضحية حادث أليم ليلة ¾/1996.
كذلك تمت
مصادرة أراضي زراعية مروية في منطقة أبو القاس التابعة لمحافظة الحسكة البالغ
مساحتها 500 دونم كما تمت مصادرة أراضي السادة أحمد بركي وشريف حاج حسين وجلال
كورو وأكرم كورو والجميع أكراد وتم
حرمان الناس من أرضها واعتقل عدد من الأشخاص الذين احتجوا على هذا الإجراء في
1992.
وأضع تحت
تصرفكم الأوراق التي تثبت حرماني من محلي التجاري في دمشق (سوق العتيق والتبن) عند
الهدم والتحويل إلى سوق الزبلطاني. وفي حين خصص جميع أصحاب المحلات بمحلات بديلة
قدم لنا أكشاك في سوق الباعة المعلقة في الهواء في عام 1995. وكان سبب عدم تقديم
محلات بديلة لنا أسوة بغيرنا أن الله خلقنا أكرادا أجانب حسب تصريح موظفي الأمن.
سؤال: أنت
مناضل سياسي وتنتمي لأحد الأحزاب المدافعة عن حقوق الأكراد في سورية (حزب الوحدة
الديمقراطي الكردي –يكيتي) ماذا
فعل حزبكم لقضية المحرومين من الجنسية (جميع الأحزاب الكردية في سورية غير مرخص
بها وتعمل سرا-المحرر)؟
يجهد حزبنا
والحركة السياسية الكردية في سورية بكل الوسائل السلمية الديمقراطية للحصول على حق
المحرومين من الجنسية: احتجاجات، نشاط إعلامي، تظاهرات خارج البلاد وفي مناسبة
النيروز، وقد طلب قياديون من حزبنا لقاء مسؤولين في القيادة القطرية لحزب البعث
والسيد وزير الداخلية والسيد محافظ الحسكة ورفض طلبهم، حتى الحزبين الشيوعيين
المشاركين في الجبهة الحاكمة كان اللقاء بهم دون جدوى. وفي 5/10/1962 في الذكرى
الثلاثين لقرار الحرمان الشوفيني أصدرنا بيانا وزع بشكل كبير في البلاد فاعتقل عدد
كبير من الأكراد بعضهم خرج بعد أيام وأحيل قرابة 20 شخصا للمحاكمة أمام محكمة أمن
الدولة وكانت الأحكام لمعظمهم بثلاث سنوات سجن. وفي 1995 اعتقل قرابة 16 عضوا من
الحزب وحكم عليهم بالسجن مدة 4 سنوات وكانت التهمة مناهضة أهداف الثورة والانتماء
إلى تنظيم سري هدفه تغيير كيان الدولة الاقتصادي والاجتماعي. وتعرضت قوى سياسية
كردية أخرى للقمع والملاحقة. وقد قمنا بتنظيم عدة مسيرات سلمية وإضراب عن الطعام
في الخارج. وأضع تحت تصرفكم الوثائق التي تميز بين المواطن العربي والمواطن الكردي
في بلدهم الواحد آملا في أن تساعدون في وضع حد لمأساة المحرومين من الجنسية.
سؤال: أنت
من الجيل الثاني للمحرومين من الجنسية، هل هذا وضع كل أفراد أسرتك؟
الجواب:
تتألف أسرتي من 11 شخصا مع الوالد والوالدة، وكلنا مجردون من الجنسية السورية إثر
إحصاء 1962 السئ الصيت. لقد كان والدي وصحبه ممن جردوا من الجنسية يمارسون حياة
طبيعية قبل هذا التاريخ، ومازالت سجلات المالية ودائرة العقارات ودوائر وزارة
الزراعة تشهد بأن هؤلاء كانوا يملكون الأراضي الزراعية وعقارات سكن، فجرى تجريدهم
من الأوراق الرسمية التي بحوزتهم ولفقت سيناريوهات كاذبة تقول بأنهم متسربون من
تركيا ويجب إعادتهم إلى هناك. وأود الإشارة إلى مفارقة يصعب على المرء تصديقها:
والدي أدى الخدمة الإلزامية في الجيش السوري ومازال يحتفظ بدفتر الخدمة الإلزامية
حتى الآن، ويمكن قراءة تاريخ السوق للحدمة ومكان الخدمة وتاريخ التسريح الفعلي،
والأنكى من هذا وذاك، استدعي والدي لخدمة الاحتياط بعد تسريحه وبقي في الاحتياط
ستة أشهر عام 1953.
سؤال: هل
جرت مراجعة المسؤولين لاستدراك الأمر؟
قدمنا طلبات
لا تحصى، وأذكر على سبيل المثال لا الحصر مكتب الإحصاء المركزي في الحسكة ومحافظ
الحسكة ودوائر المحافظة المختلفة ووزير الداخلية، ولدي صور من كل هذه التدخلات
أضعها تحت تصرفكم.
سؤال: هل لك
أقارب يحملون الجنسية السورية وما هي درجة القرابة؟
الجواب: نعم
لدي عم واحد، وهو يحمل الجنسية السورية، وهو أكبر من والدي وأولاده كلهم يتمتعون
بحق المواطنة. بينما جرى سحب هذه الأوراق من أبي، وهذا بحد ذاته دليل على زيف
وبطلان حجج التجريد من الجنسية، وتدل على العقلية المهيمنة على سدة القرار السياسي
منذ 1962.
سؤال: ما هي
المصاعب التي واجهتها عند تسجيلك في المدرسة أو عند انتقالك من مكان لآخر؟
بالنسبة
لتسجيل الطفل المحروم من الجنسية في المدرسة، هذه عملية شاقة ومعقدة جدا. فأنت
بحاجة لموافقة جهات عديدة يصعب حصرها منها المختار وجلب الشهود لإثبات البنوة وموافقة
مجلس بلدية المحافظة والإدارة المحلية والسفر إلى عامودا من أجل إخراج القيد وأيضا
أنت بحاجة إلى بعض الأوراق التي توافق عليها المحافظة.
وأما التنقل
بين المحافظات ، فهذا شأن آخر، وهناك إضافة لمشكلة النزول في الفنادق المعروفة
قرار سري فحواه "لا يجوز للعائلة الكردية ذات السجلات في محافظات أخرى نقلها
إلى محافظة الجزيرة، بينما يجوز نقل سجل القيد من الحسكة إلى المحافظات
الأخرى".
هذا عن
الإجراءات المتعلقة بفئة "الأجانب"، أما بالنسبة لفئة
"المكتومين" فليس لديهم أي سجل عائلي أو قيد.
سؤال: حدثنا
عن مشكلة الفنادق والسفر؟
جواب: لا
يحق لنا السفر إلى دولة أخرى لغاية العمل وتحسين الوضع المعيشي للعائلة، ومفارقة
أخرى: لا يحق لنا النوم في فنادق المحافظات الأخرى إلا بمراجعة شعبة الفنادق وهي
تابعة للأمن السياسي. فيجري التحقيق معنا وسبب مجيئنا مثلا إلى دمشق وكم سنبقى.
وهنا يجب دفع الرشوة حتى نتمكن من أخذ موافقة يمكن النوم بموجبها في فنادق المرجة
القديمة أو باب الفرج في حلب.
سؤال: هل
تستمر الصعوبات لبعد الدراسة الثانوية؟
الجواب:
نعم، هناك العديد من الكليات والمعاهد التي لا يحق لنا التسجيل بها مثل كلية
الصحافة والعلوم السياسية والكلية الحربية. وبعد التخرج من الكليات الأخرى لا يحق
لنا التوظف في سلك الدولة ونادرا ما يحدث ذلك بعد موافقة من الأمن السياسي، الأمر
الذي يجعلنا نتوجه للأعمال الحرة بعد سنوات من الدراسة.
سؤال: ما هي
النتائج الاجتماعية والاقتصادية لهذا الوضع؟
الجواب: المشاكل
كثيرة والتعقيدات أكثر، فالمجرد من الجنسية لا يحق له التوظيف في سلك الدولة ولا
يحق له تسجيل الأراضي والعقارات باسمه. والحال هذا، فإن البعض يلجأ لتسجيل أملاكه
باسم أقارب له يحملون الجنسية، وهنا تتعقد الأمور، وفي حال الخلاف العائلي يجري
وضع اليد على مسكن أو عقار ولا يعترف القريب بملكية المجرد من الجنسية. وكون
القانون معه، فهذا يخلق تمزقات وعداوات عائلية.
وكوننا
محرومين من عدة أعمال تجارية والمقاولات، يقوم البعض بذلك عبر وسطاء يعقدون
الأمور. وكل هذه الممنوعات لها أثر مباشر علينا وهو ارتفاع نسبة العاطلين عن العمل
بدرجة كبيرة وسيادة "البطالة المقنعة" على أنماط العمل التي نلجأ لها.
سؤال: ماذا
تتذكر من وقائع الإحصاء؟
جواب: كنت
أقيم في قرية سرماخ "قليقله" التابعة لمخفر المصطفاوية في ناحية
المالكية – محافظة الحسكة أثناء إجراء الإحصاء. وفعلا حضرت إلى قريتنا لجنة
الإحصاء وأحصت جميع أفراد القرية بما فيهم عائلتي المكونة من أربع أخوة. وبعد
إعلان النتائج أي في 1965 كان نصيبي وأحد أخوتي هو التجريد من الجنسية السورية
ووردت أسماؤنا في لوائح الأجانب السوريين. أما نصيب أخوتي فقد بقوا عربا سوريين.
وكوننا نتطابق في كل شئ من الناحية القانونية والقصة الشخصية فلا أدري علام اعتمدت
الجهات ذات الصلاحية في قرارها هذا ؟
سؤال: هل
لديك أولاد وما هي معاناتهم في موضوع الجنسية؟
جواب: نعم،
لدي ثمانية أولاد أما أحفادي فصاروا في عداد مكتومي القيد لأن أولادي لم يتمكنوا
من تسجيل واقعات الزواج. علما بأننا راجعنا مرارا الجهات ذات العلاقة واعتمدنا في
ذلك على حجج قانونية وبراهين مختلفة. كيف تفسرون قسم العائلة بهذا الشكل ونحن لم
نصل لسن البلوغ بين أجانب وسوريين؟
سؤال: كيف
تعيش وتعيل أسرتك؟
جواب: إنني
أعمل وأفراد أسرتي بصفة عمال عاديين نعمل لأيام ونبقى عاطلين عن العمل أياما أخرى.
ولم نتمكن من العمل لدى القطاع العام ولا نستطيع السفر لكسب العيش وأحفادي الآن
ليس لديهم وثائق تثبت شخصيتهم.
سؤال: ماذا
تتمنى؟
جواب: كل
أمنيتي أن تعاد الجنسية لكل من جرد منها والمساواة بين أفراد الوطن السوري العزيز
على قلبي. فنحن أبناء هذا الوطن وغيورين عليه. ولهذا يجب محاسبة كل الذين كانوا
سببا في معاناتنا.
سؤال: حدثنا
عن قصة الإحصاء وما خلفته.
جواب: عجبا
السؤال عن قصة الإحصاء الاستثنائي الخاص بمحافظة الجزيرة. الإحصاء كلمة علمية
مرتبطة بعلم السكان ولها قواعدها وضوابطها. والذي حدث في الجزيرة هو عملية تهدف
لتغيير الطبيعة الديمغرافية لمنطقة الجزيرة حيث الغالبية من الأكراد، وهي امتداد
لأكثر من دراسة شوفينية حول خطر كردي مزعوم. وهو إحصاء سياسي. وإلا كيف يمكن أن
يكون الأب عربي سوري وابنه المولود في سورية أجنبي؟ وكيف يكون أحد الأخوة مواطن
وشقيقه أجنبي وكلاهما ولد في نفس المكان ومن نفس الأم والأب. لو سمحوا لكم بدراسة
كل حالات الأجانب والمكتومين لرأيتم العجائب. إنه ظلم واقع على شعبنا الكردي في
سورية ولا بد من وضع حد له.
سؤال: هل
لديك أولا ؟
الجواب:
نعم، لدي ستة أولاد، أربعة صبيان وابنتان، وهم في قوائم مكتومي القيد كوني مجرد من
الجنسية السورية وحتى تاريخه لم أتمكن من تثبيت زواجي. أما عملهم فالكبير يعمل
عتالا (حمالا) بشكل موسمي والصغار يبحثون عن أعمال مؤقتة كلما تيسر لهم لأنهم
جميعا محرومين من العمل في المؤسسات الحكومية وقطاع الدولة.
سؤال: هل
سعيت لاسترداد حقك بالجنسية وعلى ماذا اعتمدت في ذلك؟
الجواب:
حاولت ذلك مرارا. وقد طرقت كل الأبواب. فالموجوع يتعلق بأي خبر وإشاعة ويطرق كل
باب يقال بأنه نافع. وقد اعتمدت على سجلات عائلتي وأعمامي الواردة في قيود العرب
السوريين. وقد همس أحد الموظفين يوما في أذني: "أنصحك بعدم صرف الدريهمات
القليلة المتبقية لديك، لأن هذا الموضوع بحاجة لقرار سياسي".
سؤال: ما هي
قصتك مع الإحصاء الذي أجري في محافظة الحسكة عام 1962؟
جواب: كنت
أقيم في قرية قره قوي التابعة لناحية الدرباسية في محافظة الحسكة عندما جرى
الإحصاء في 5/10/1962. بعد هذا التاريخ تم استدعائي للخدمة العسكرية لمدة سنتين
وبعد هذا بعام لم يرد اسمي في سجلات الإحصاء المعلنة في 1965. واعتبر إلى يومنا
هذا مكتوم القيد. وقد راجعت الجهات المعنية من قريب أو بعيد مرارا دون جدوى.
سؤال: هل
لديك أولاد؟
جواب: نعم
لدي أربعة أولاد وثلاث بنات. ولكن بسبب وضعي كمكتوم القيد لم أتمكن حتى اليوم من
تثبيت زواجي ولذلك فإن جميع أبنائي مكتومي القيد ويعاني المتزوج منهم من مشكلة
تثبيت زواجه وتسجيل أولاده حيث انتقلت لهم المكتومية بالوراثة.
سؤال: ما هو
عملك؟
جواب: لدي
بعض الغنم أرعاها لأوفر بعض تكاليف العيش لعائلتي في حين لم يتمكن أولادي من
متابعة تحصيلهم الدراسي. كذلك لا يستطيعون العمل لدى القطاع العام ودوائر الدولة
ومضطرون للعمل مياوممة (كل يوم بيومه). وهم لا يستطيعون السفر لأنهم لا يملكون أية
وثيقة تثبت شخصيتهم.
سؤال: وماذا
عن المستقبل؟
جواب: أصبح
مجموع أفراد أسرتي أكثر من عشرين فردا من الأولاد والأحفاد المكتومين فهل من العدل
استمرار هذا الوضع البائس والمستقبل المجهول؟
هناك عدة
مترتبات قانونية تنجم عن الحرمان من الجنسية بعضها عام وبعضها خاص بالجماعة
المستهدفة، هذا القسم سيحاول استقراء جملة المترتبات القانونية لكل جماعة. نذكر
على سيبل المثل لا الحصر
1-الحرمان من كافة الحقوق المدنية (كحق العمل، حق
التملك، حق الانتخاب والترشيح، حق الانتساب إلى النقابات..).
2-الحرمان من الانتفاع من قانون الإصلاح الزراعي الذي
وزعت بموجبه الأراضي على الفلاحين وتم توزيع أراضيهم على آخرين من مناطق أخرى.
3-الحرمان
من حق الاستفادة من البطاقة التموينية. فالأسرة التي عدد أفرادها عشرة عليها أن
تدفع /900/ ليرة سورية لشراء المواد التموينية شهريا، في حين أن المواطن الذي يملك
بطاقة تموينية لا يدفع أكثر من /100/ ليرة سورية لشراء تلك المواد.
4-الحرمان
من تسجيل زوجاتهم وأولادهم باسمهم وحتى البيت الذي يقطنوه ليس بإمكانهم أن يسجلوه
باسمهم.
إضافة
لمشكلات يومية عديدة خاصة وأن المحرومين من الأكراد يطلق عليهم اسم
"الأجانب". في هذا القسم سيتم التطرق باسهاب لحق الجنسية وتجسده في
الدستور والقوانين السورية ومدى الارتباط أو الفصام بين النص القانوني والواقع
خاصة في ظل حالة الطوارئ.
ليس هناك
حتمية اسمها البدون، وإن كان الحرمان من الجنسية يرتبط أحيانا بتوازنات تؤثر على
الخارطة السياسية طائفيا أو اثنيا أو قوميا، فهناك أوضاع ليس لها تأثير يذكر وإنما
نجمت عن حقب التعبئة الإيديولوجية أو الرؤية الأحادية الرافضة للمشاركة حتى في حق
أساسي هو حق الجنسية. ما هي أفضل السبل لوضع حد لمأساة البدون في سورية؟ هذا القسم يسعى لاستقراء إجابات محتملة
على هذا السؤال.
كانت أولى
القوانين السورية بعد الاستقلال تقر بالتعددية السياسية وتسمح للقوى الشيوعية
والقومية والوطنية والإسلامية بالعمل العلني. وقد حاول الدكتاتور أديب الشيشكلي
وقف العمل بالتعددية السياسية والسماح لحركته وحسب بالعمل إلا أن انقلابا عسكريا
وضع حدا لمحاولته وأعاد لسورية الحياة الدستورية والبرلمانية في 1954. وإثر
الاستفتاء الذي وافق فيه الشعب على الوحدة بين سورية وممصر (1958) صدر قرار بحل
الأحزاب السياسية وتشكيل الاتحاد القومي. شكل من الحزب الواحد المبني من فوق، وكان
هذا الخيار من أسباب فشل تجربة الوحدة حيث عادت الحياة الحزبية لما كانت عليه بعد
انقلاب 28/9/1961. إلا أن انقلابا آخر قامت به القوى الوحدوية من بعثية وناصرية في
8/3/1963 وضع حدا للحياة السياسية العادية بإعلان حالة الطوارئ ومنع الأحزاب
السياسية من العمل باستثناء حزب البعث العربي الاشتراكي. وقد تبع تطبيق قانون حالة
الطوارئ(9) صدور قانون تعسفي يعرف بقانون حماية الثورة (المرسوم 6 تاريخ
17/1/1965). ثم قانون إحداث محاكم الميدان العسكرية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم
109 تاريخ 17/8/1967. وقانون إحداث محكمة أمن الدولة الصادر بالمرسوم التشريعي رقم
39 تاريخ 28/3/1968 وقد تبعه قانون
إحداث إدارة أمن الدولة بالمرسوم التشريعي رقم 14 تاريخ 14/1/1969. وقد حظرت هذه
القوانين، وبشكل خاص قانون حماية الثورة النشاط العام المستقل عن السلطة التنفيذية
وعاقبت عليه بأحكام قاسية تتراوح بين الأحكام الشاقة المؤقتة والإعدام. وإثر
الصراع المسلح بين الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين والسلطة السورية بين
1978-1982، أصدر مجلس الشعب نص القانون 49 في جلسة 7/7/1980 الذي ينص في مادته
الأولى: "يعتبر مجرما ويعاقب بالإعدام كل منتسب لتنظيم جماعة الإخوان
المسلمين".
كان أولى
المترتبات على هذه القوانين التعسفية تهميش دور القضاء وإلغاء أشكاله المستقلة
وجعل أشكال الدفاع في الجنح والجرائم السياسية غير فاعلة. الأمر الذي ترتب عليه
لجوء عدد كبير من المعاضين السياسيين إلى الخارج هربا من العسف والسجن بل وعقوبة
الإعدام بالنسبة لحركة الإخوان ومناصريها.
وقد بدأ
النزيف في الطبقة السياسية السورية مبكرا منذ انقلاب 1963 وطال الأحزاب التاريخية
كالكتلة الوطنية وحزب الشعب كذلك القوى الناصرية والاشتراكيين العرب وحركة
القوميين العرب وحزب البعث اليساري وحزب البعث الموالي للقيادة القومية التاريخية
وحزب البعث جماعة 23 شباط/فبراير والحزب الشيوعي-المكتب السياسي والحلقات
الماركسية وحزب العمل الشيوعي والأحزاب السياسية الكردية المعارضة وحزب التحرير
الإسلامي وحركة الإخوان المسلمين والجبهة الإسلامية والمنظمة الشيوعية العربية
والرابطة السورية لحقوق الإنسان ولجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق
الإنسان. ولدى اللجنة العربية لحقوق الإنسان قوائم بحوالي 18700 شخص دخلوا السجن
وبقوا فيه أكثر من عام لأسباب سياسية، وقائمة بأسماء 3100 شخص غيرهم مازالوا غير
معروفي المصير. ويقدر المهندس فاتح جاموس القيادي في حزب العمل الشيوعي والذي أمضى
في السجن 18 عاما الذين قتلوا في سجن تدمر بين 1980-1985 خمسة آلاف إلى ستة آلاف
شخص (10).
ضمن هذه
الظروف التي جعلت من مقدمة الدستور السوري مقدمة إيديولوجية مقتبسة من مبادئ حزب
البعث ونصبت الحزب قائدا للمجتمع والدولة وأعطت صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية حتى
في الأوضاع العادية. تم ضرب الطبقة السياسية المستقلة عن السلطة التنفيذية وانحصر
خيار كوادرها بين الملاحقة والصمت والسجن والمنفى. وقد غادر البلاد عدد كبير من
السياسيين وأقربائهم وأصدقائهم يصعب حصره. فالمتهمين بالانتماء لحركة الإخوان
المسلمين مثلا تجاوزوا بكثير المؤطرين تنظيميا في الحركة. وحتى اليوم لا تستطيع
قيادة الإخوان رصد كل من غادر البلاد خوفا من القمع لأسباب تتعلق بها بشكل مباشر
أو غير مباشر. ولا تسهل عمليات الإعدام الميدانية لعدد كبير من قيادة الحركة معرفة
خريطة الانتماء أو طبيعة الصلة بالأشخاص(11). وقد شملت حالات النفي الأحزاب التي
كانت موضوعا لأحكام قاسية أو سجن طويل كحزب البعث الموالي للعراق وحزب البعث جناح
23 شباط والحزب الشيوعي- المكتب السياسي وحزب العمل الشيوعي ولو كان ذلك بأعداد
أقل نسبيا بالنسبة للحركة الإسلامية السياسية. وعبر تتبع ملفات الأشخاص في الأردن
والعراق واليمن وأوربة وغيرها توصلنا قبل سبع سنوات إلى تقدير عدد المنفيين الذين
لم يعد بوسعهم تجديد أوراقهم الثبوتية ويعاملون معاملة المحروم من الجنسية إلى رقم
27 ألف شخص. هذا إذا لم نأخذ بعين الاعتبار الجيل الثاني والثالث أي الأبناء
والأحفاد.
لأخذ فكرة
عن مشكلة المحرومين لأسباب سياسية فيما يلي موجز لأربعة قصص حية تم الإدلاء بها
لنا:
ولد في أسرة عربية سورية في محافظة درعا عام 1944،
انتسب لحزب البعث العربي الاشتراكي عام 1962، لعب دورا قياديا في التنظيم الطلابي
للحزب بعد انقلاب آذار 1963. وقف ضد حركة 23 شباط/فبراير1966 وبدأت ملاحقته من هذا
التاريخ. غادر سورية عام 1970 إلى العراق سرا كلاجئ سياسي مع زوجته. درس الحقوق
وكان له ثلاثة أطفال من مواليد بغداد. قدمت السلطات العراقية لهم أوراق الجنسية
العراقية في حين رفضت السلطات السورية تسجيل الأطفال عن طريق العائلة. ولم يقبل
أحد من المحامين الدفاع عن ملف تسجيل الأطفال.
إثر مشاكل
حزبية غادر العراق للدراسة في فرنسا في 1977 وبقي بوثائق سفر عراقية قرابة عشر
سنوات. رفض طلبه للجنسية واللجوء السياسي كمعارض سوري فقرر بعد عشر سنوات ونيل
دكتوراه دولة في الحقوق العودة إلى بغداد للتدريس (1990). رفض أطفاله الذين كبروا
العودة إلى بغداد وكذلك زوجته وكان ذلك سببا في الطلاق. اندلعت حرب الخليج بعد
عودته بأشهر وانقطع تماما عن عائلته خمس سنوات لعدم التمكن من السفر ماديا وصعوبة
الحصول على فيزا. حاولت زوجته بعد الطلاق الحصول على أوراق سورية فرفضت السلطات
السورية إعطاءها ذلك وقد أصيبت بالسرطان وتوفيت في فرنسا. مازال أولاده بأوراق
عراقية وفرنسية محرومين من الجنسية السورية. أما هو فيتنقل للتدريس بين أكثر من
جامعة عربية مستعملا أوراقه العراقية ولم ينجح بعد في الحصول على أية أوراق سورية.
ولد في دمشق
عام 1950. خرج من سورية لإكمال شهادته الجامعية عام 1976. مع ولادة التجمع الوطني
الديمقراطي عام 1980 انتقل حزبه للمواجهة مع السلطات السورية وقد رفضت السفارة
السورية تجديد جواز سفره بسبب نشاطه في صفوف المعارضة في الخارج. تزوج في هذه
الفترة ولم يسجل زواجه في سورية لرفض دائرة الأحوال الشخصية التسجيل بطلب من
الأمن. عاش وأولاده كلاجئ سياسي حتى حصلت العائلة على الجنسية. مع التسهيلات التي
صدرت بالسماح للسوريين بالعودة لأقل من ثلاثين يوما بأوراقهم غير السورية دون
تحقيق اتصل بالسفارة وطلب منهم إن كان بالإمكان العودة لتسجيل أولاده وزيارة وطنه.
طلب منه كتابة ما حدث معه خلال هذه الفترة وتوضيح أنه قد أخطأ السبيل ثم استدرك
ذلك وأصلح ذات البين وهو يعتذر لوطنه. غادر السفارة ولم يعد حتى اليوم. مازال كل
ما يتعلق به من إرث وسجل عائلي معلق ولم يتغير شئ به. عمل في الخارج 23 سنة بسبب
الهجرة القسرية في حين أنه لم يعمل في سورية قبل سفره سوى عامين. واحد فقط من
أبنائه يتكلم العربية بشكل جيد واثنان يعملان في مؤسسات فرنسية ولم يزوروا سورية
حتى بأوراقهم الفرنسية خوفا من المضايقات.
من مواليد
جنوب سورية عام 1951. جرت ملاحقته عام 1976 في السنة الأخيرة من دراسته الجامعية
بسبب نشاطه في صفوف الحلقات الماركسية ورابطة العمل الشيوعي. بقي قرابة 30 شهرا
متواريا عن الأنظار قبل أن يتوجه إلى لبنان. هناك كانت إقامته صعبة بسبب الوجود
العسكري السوري فغادر لأوربة بأوراق مزورة. حصل على اللجوء السياسي عام 1978 وتزوج
عام 1980 من زميلة لبنانية. رفضت السلطات السورية تسجيل زواجه ولم يجرؤ أحد في
لبنان على تسجيل زواج زوجته اللبنانية من: لاجئ سياسي سوري. وبذلك لم يكن عند
الأهل خيارا لجنسية الأبناء سوى الجنسية الفرنسية أو أوراق اللجوء السياسي. جرت
عدة محاولات من قبل محام سوري لتسجيل الزواج أو متابعة وضع الخدمة الإلزامية
للمعني ولكن لم يكن هناك هيئة إدارية تقبل بمناقشة الموضوع بسبب الملاحقة السياسية
من أجهزة الأمن. حتى اليوم لا يوجد أية أوراق سورية للأب والأبناء والزوجة. مازالت
الزوجة عازبة في السجلات اللبنانية. ولا يمكنها تسجيل أولادها وإعطائهم الجنسية
اللبنانية لأن لبنان لا يسمح للمرأة بهذا الحق إلا إن كان الأب مجهول الهوية. لم
يحدث أي عفو سياسي عام يشمل حالات المعرضة السياسية في الخارج وبالتالي مازال
الوضع معلقا حتى لحظة استلام الشهادة.
من مواليد حماه 1956. دخل في أوساط حرك الإخوان المسلمين منذ سن السادسة عشرة. وعندما احتد الصراع بين الحركة والسلطة السورية كان ضد العنف وحمل السلاح. الأمر الذي أدى لخلاف بينه وبين إخوانه في التنظيم. ابتعد فعلا عن أية علاقة تنظيمية في 1979. رغم ذلك دوهم منزله عام 1980 وهو غائب عنه واعتقل شقيقه ووالده للتحقيق وقد عانيا من تعذيب شديد قبل أن يفرج عن الأب ويبقى الأخ في المعتقل. هرب صاحب الشهادة وقتئذ إلى الأردن وهناك حصل على أوراق سمحت له بالتوجه لألمانيا حيث تقدم بطلب لجوء سياسي كنقابي كان له دور في آخر انتخابات شبه حرة في نقابة الأطباء وليس كعضو في حركة الإخوان المسلمين خوفا من الرفض والإبعاد. تزوج من طبيبة أوربية من أسرة مسيحية وبقي معتدل الممارسة الدينية وبعيدا عن أي نشاط سياسي خاصة بعد صدمة مجزرة حماه. لم يسجل زواجه داخل سورية أو في السفارة وأولاده لا يتمتعون بالجنسية السورية. من الجدير بالذكر أن محاولات من محامي سوري صديق له قد جرت لتسوية وضعه ولم تنجح. يعاود المحاولة منذ الإفراج عن 600 معتقل سوري و