الفلوجة والأرض المحروقة....

دافيد باران....الوطن
إن مدينة الفلوجة كانت على الدوام تشعر، وعن حق، أنها منكودة. ففي أبريل عام 2003، غداة سقوط بغداد، تشكل بصورة عفوية مجلس من الوجهاء الدينيين والقبليين اضطلع بمسؤوليات المرحلة الانتقالية بعد انهيار مؤسسات النظام وأرسل موفداً إلى قوات التحالف للتفاوض على استسلام المدينة. فهناك كما في سائر الأماكن في شمال البلاد كانت القوات الشرعية المزعومة التابعة لصدام حسين قد تبخرت. أما السكان الذين كانوا يحمّلون الطاغية وبمرارة مسؤولية المظالم وأعمال التطهير التي عانت منها كل العائلات، فإنهم كانوا يتوقعون، من منطلق واقعي، أن يروا ما الذي سوف يقدمه الأمريكيون وسرعان ما رأوا رفقاً لا مبرر له في حق النهابين لم يتأخر في ترسيخ أكبر للفكرة الرائجة كثيراً والقائلة بأن الولايات المتحدة نفسها قد جاءت إلى العراق لكي تسلب البلاد وتدمرها. وخصوصاً أن القوات الأمريكية التي انتشرت في المنطقة قد اعتمدت فيها فوراً تدخلاً وعدائية أكثر مما اعتمدته في الجنوب الشيعي، ذلك أن الفلوجة في نظرها لا يمكن إلا أن تكون مدينة عدوة، وهذا ما أصبحت عليه بالفعل.
غير أن هذا المعقل المتهم بالحنين إلى أيام السيد صدام حسين وبأنه يؤوي إرهابيين أجانب لم يكن في الأصل سوى مدينة صغيرة تتمتع ببعض الامتيازات في ظل النظام السابق، بالنسبة إلى المدن المحرومة كلياً مثل مدينة الحلة مثلاً، وخاصة أنها محافظة إلى حد بعيد. وعلى كل حال فإن ميولها الدينية قد عرّضتها إلى أعمال قمعية حادة من الحكم البعثي الذي كان في أوائل سبعينات القرن الماضي قد سحق فيها حركة الأخوان المسلمين المحلية.
المقاتلون أنفسهم ومن ضمنهم أولئك الذين تلقوا إعدادهم العسكري في الحرس الجمهوري أو في المخابرات يثورون لمجرد اعتبارهم على الدوام من أتباع نظام الطاغية! فكيف أمكن أن تتحول الفلوجة "سرطاناً" تتناوب السلطات الأمريكية والعراقية على التذمر منه كما لو أن المدينة مصابة بمرض وكما لو أن علاجاً جديداً بالصدمة يمكن أن يشفيها؟.
وفي الواقع أن ضبابية الاحتلال الأمريكي وعجزه كان لهما إذاك انعكاسا مبالغا فيه حتى بدا كأن المدينة رمزا لظاهرة هي الأوسع والأكثر انتشاراً. وهي تكشف إضافة إلى ذلك عارضاً آخر يتمثل في انزلاق الولايات المتحدة إلى التخبط في النتائج السيئة الناتجة من ارتجال السياسة التي تعتمدها. فأحداث الفلوجة هي النتيجة المعقدة للأحكام المسبقة في الأصل حول النظام ومن يفترض من حلفائه الطبيعيين.
لقد تذرعت الولايات المتحدة والسلطة العراقية بمختلف الحجج من أجل تبرير هذا الهجوم، مثل القول بأن وجود هذا المعقل الديني يساهم في تعزيز القدرات لدى بعض مجموعات المعارضة المسلحة ويمنحها ملاذاً تنسحب إليه للاستراحة ولإعادة تنظيم نفسها بما يسمح لها بالقيام بضربات لافتة في مختلف أرجاء البلاد. ثم إن المدينة بما اكتسبته من قيمة رمزية أثناء مواجهات أبريل قد استقطبت أيضاً العديد من الموارد، المالية والبشرية، التي تغذي أعمال العنف. فبدا إذن أن من الضروري محاولة استعادة وحدة الأراضي العراقية، بحسب ما أكدت من جهة أخرى هذه السلطات وذلك من أجل إنجاز الانتخابات المحلية المرتقبة وبحكم ضرورة ترسيخ سلطة الحكومة المركزية الهشة إلى حد بعيد. أخيراً، ودائماً بحسب التبريرات الرسمية فإن سكان الفلوجة، المعادية بشكل واسع على الأرجح للوجود الأمريكي، يحتاجون إلى الحماية من إرهاب المعارضين المسلحين وهم لا يلتزمون قضيتهم بالضرورة، وإلى التخلص من التفجيرات العقيمة والمستمرة أو أيضاً إلى أن يستفيدوا من الخدمات العامة البديهية التي توقفت منذ أشهر.
إلا أن الحصار الجديد لمدينة الفلوجة بدا كأنه قبل كل شيء استجابة لرهانات أخرى. فبالرغم من الإخراج الذي تم لتظهير "السيادة" العراقية والذي اتضح عبر "الضوء الأخضر" الذي أعطي بشكل مسرحي من رئيس الوزراء إياد علاوي، فإن الخدعة لم تنطوِ على العراقيين، أليس أن الهدف الحقيقي من "الضوء الأخضر" كان المساعدة في إعادة انتخاب الرئيس بوش؟ وكثيرون رأوا في المفاوضات مع ممثلي الحركات المتمردة قبل الهجوم ذريعة بسيطة من أجل الشروع في العملية في اللحظة الملائمة للأجندة السياسية الأمريكية.
وفي الحقيقة أن لهذه الرؤى فضلا وحيدا هو إبراز حاجة مختلف الفاعليات المذكورة إلى عدو، أو للمزيد من التحديد، الحاجة إلى تجسيد العدو. وليس في هذا ما هو جديد. فقد كان من المفترض بعملية إطاحة السيد صدام حسين أن تكون كافية لإعادة العراق إلى الطريق الصحيح. كما أنه كان من المفترض باعتقاله في ديسمبر عام 2003 أن يكون الضربة القاضية لمعارضة مسلحة كامنة. وبعد ذلك بدا كأن الشر متمثل بالسيد الزرقاوي الذي اكتسى أهمية جعلت من موته وسيلة للقضاء على الكلفة الإعلامية لتصوير الضحايا المدنيين على الكثير من الشاشات التلفزيونية العربية أثناء العديد من الضربات التي كانت تتعرض لها شبكته.
إن إضفاء هذا الطابع الأسطوري على المدينة الضحية قد تكرس في الهجوم الأمريكي - العراقي بحسب ما تم التخطيط له. فمنطق الحصار وانعدام إمكانات الاستسلام والقيمة الرمزية للمدينة في نظر بعض القوات المسلحة المعارضة قد تضافرت من أجل ضمان حصول حمام الدم. وجاء احتلال المستشفى، وهو الأمر المفيد من أجل الحد من إبراز دفق صور المشاهد الدموية، لم يكن من شأنه إلا أن يعزز هذه النظرة إلى الآخر، حتى وإن تكون نسبية وغامضة، من جانب الكثير من العراقيين تجاه المقاتلين المتحصنين، ناهيك عن المدنيين. أما بالنسبة إلى الأضرار التي لحقت بالبنى التحتية فإنها تغذي حتماً التصورات التي تم وضعها بعناية. وخصوصاً أن التعويضات السريعة عن الأضرار الناتجة وبدء تطبيق بعض البنى العملية للحكم المحلي، وهو ما يمثل تحدياً في ذاته، وتحول المدينة فوراً إلى ورشة عمل ضخمة لم يتم لها التخطيط بالشكل الكافي بالرغم من بعض التصريحات المنمقة.
هكذا إذن يمكن للفلوجة أن تصبح رمز وحشية "المحتل" ورمز تبعية من اعتمدهم من الشركاء العراقيين، أكثر منها واجهة لما يمكن للسلطة أن تقدمه في غياب "الإرهابيين". والأمثلة الأخيرة من معارك النجف وسامراء، حيث ظلت الإجراءات الضرورية للمتابعة السياسية والاقتصادية جزئية ومتأخرة، لا تحمل على التفاؤل. لكن ما هم؟ فسيبقى هناك أيضاً ملاحقة الأعداء الذين لم يتأخروا أساساً في الظهور وسط الفراغ الناشئ من تركيز الانتباه والوسائل العسكرية على الفلوجة. فـ"المحافظة على الوجهة" وهي اللازمة التي يرددها الرئيس جورج دبليو بوش باتت تتلخص أكثر فأكثر في الهروب إلى الأمام.

*باحث ومستشار مجموعة الأزمات الدولية (بروكسل)