مشرف ومبارك رفيقان في معركة واحدة ....

باتريك سيل ....الاتحاد

هناك الكثير من الأشياء المشتركة بين كل من الرئيس الباكستاني برويز مشرف والرئيس المصري حسني مبارك.. ليس أقلها تلك المشكلات العويصة التي يواجهانها.
فكل منهما زعيم لدولة إسلامية كبيرة، مكتظة بالسكان، وذات ثقل سياسي كبير، وتقع في منطقة تمزقها كوارث دائمة. والدولتان أيضاً حليفتان للولايات المتحدة، وتعتمدان اعتماداً أساسياً على الأسلحة والمعونات الأميركية، وتنخرطان على نحو نشط فيما يطلق عليه "الحرب على الإرهاب"- هي في الحقيقة حرب ضد النشطاء الإسلاميين الغاضبين- كما أنهما تواجهان موقفاً محرجاً عندما تجدان نفسيهما مضطرتين للجدل مع رأي عام متململ يكره سياساتهما، وعلى وجه الخصوص تحالفهما مع الولايات المتحدة.
ولعلى أضيف هناك أن كلا الرجلين كان عسكرياً تحول إلى السياسة، وإن كان الفرق بينهما أن مبارك خلع زي قائد القوات الجوية منذ ما يزيد على ربع قرن من الزمان، عندما تولى منصب رئيس جمهورية مصر العربية عام 1981 خلفاً للرئيس السادات الذي اغتيل في شهر أكتوبر من ذلك العام. أما مشرف فلا يزال يصر على لعب دور مزدوج كرئيس للجمهورية وكقائد عام للقوات المسلحة الباكستانية في نفس الوقت.
وهناك نواحي شبه أخرى بين الرجلين: فمشرف كان ولا يزال يحاول نزع الفتيل عن صراع بلاده المضني مع الهند على ولاية كشمير المقسمة، وهو الصراع الذي يعود إلى عام تقسيم شبه القارة الهندية (1947). أما مبارك فباعتباره رئيساً لأكبر دولة عربية، يحاول أن يقنع كلاً من الإسرائيليين وإخوانه العرب على صنع السلام. ومن المعروف أن الصراعين، صراع باكستان مع الهند على كشمير، وصراع العرب مع إسرائيل، كانا سبباً في حروب كثيرة اندلعت بين طرفي الصراع.. ومع ذلك لا يزالان بعيدين عن الحل. ولكن الرجلين مازالا مع ذلك يقومان بمحاولات للسير قدماً نحو التسوية وهو ما يحسب لهما.

وأوجه الشبه لا تقتصر على ما سبق. فالرئيس برويز مشرف أكمل تواً زيارة قام بها لواشنطن ولندن وباريس، ويحاول الآن تحقيق إنجاز كبير على المسرح العالمي. ورسالة مشرف- المرحب بها في أوروبا أكثر من الولايات المتحدة الأميركية- هي أن الإرهاب لا يمكن هزيمته من خلال الوسائل العسكرية وحدها. ومشرف يريد من خلال هذه الرسالة أن يقول إن الإرهاب مثل الشجرة وإن انتزاع بعض الأوراق من تلك الشجرة، لا يؤدي بنا إلى شيء، لأن تلك الأوراق ستنمو ثانية، وأن المهم هو اجتثاث جذور تلك الشجرة. يشرح مشرف الأمر بالقول إن الإرهابيين الذين قاموا بمهاجمة الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر لم يفعلوا ذلك بدوافع دينية، وإنما كان هدفهم سياسياً في الأساس، وبالتالي فإنه يجب وضع نهاية للصراعات التي تؤدي إلى الإحباطات التي تصيب الشعوب الإسلامية وعلى رأسها الصراع العربي – الإسرائيلي، الذي يعتبر المنبع الرئيسي للغضب الشعبي، والسبب الأساسي للزيادة الكبيرة في درجة المشاعر المعادية لأميركا في كافة أنحاء العالم.

ومشرف يسعده بالطبع أن يعدد ما يعتبره نجاحات قام بتحقيقها في الحرب على الإرهاب وهي: القضاء على تسعين في المئة من الشبكات السرية لتنظيم القاعدة في باكستان، وتطهير معظم المدن الباكستانية من مخاطر الإرهاب، والقبض على 60 ناشطاً من نشطاء التنظيم والزج بهم في السجون، ومشاركة ما يزيد على 20 ألف جندي باكستاني في مطاردة الإرهابيين في الجبال الواقعة في منطقة الحدود الباكستانية الأفغانية. أما أسامة بن لادن فهو لا يزال حراً طليقاً مراوغاً لا مرئياً .. ولم يتم القبض عليه حتى الآن.

والرئيس حسنى مبارك يسعى هو أيضاً إلى تحقيق إنجاز كبير. فهو يسعى – واضعاً عينيه في ذلك على الرأي العام الأميركي، إلى لعب دور دولي باعتباره وسيط السلام الوحيد القادر على تحقيق تسوية فلسطينية- إسرائيلية. وفي هذا السياق صعد مبارك من وتيرة جهوده الدبلوماسية إلى الحد الأقصى، من خلال تطور جديد لافت للنظر، هو تحقيق تحسين مفاجئ في علاقات مصر مع إسرائيل.

ففي الثاني من شهر ديسمبر الجاري دعا الرئيس مبارك الفلسطينيين إلى التخلي عن الكفاح المسلح، وحثهم على السعي للتوصل إلى صفقة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إرييل شارون لأنه- أي شارون "قادر على العمل من أجل السلام وإيجاد حل إذا ما رغب في ذلك". وفي الحقيقة أن ما يقوله مبارك في هذا الشأن يرن كلحن شجي في آذان الإسرائيليين والأميركيين، وهو ما تبدى في قيام شارون بتوجيه الشكر إلى الرئيس مبارك على كلماته الرقيقة من خلال محادثة هاتفية قال له فيها :"نستطيع معاً يا سيادة الرئيس أن نحقق نتائج عظيمة لأجيال المستقبل".

علاوة على ذلك قام كل من وزير الخارجية أحمد أبو الغيط ورئيس جهاز الاستخبارات اللواء عمر سليمان بزيارة سريعة إلى إسرائيل، كما أن هناك أقاويل عن عودة السفير المصري إلى تل أبيب ،بعد أن كان قد تم سحبه عقب اندلاع الانتفاضة الثانية منذ أربع سنوات خلت.

كما قامت مصر أيضاً بالإفراج عن الجاسوس الإسرائيلي عزام عزام، بعد أن قضى ثماني سنوات من مدة محكوميته البالغة 15 عاماً في السجون المصرية، وذلك مقابل الإفراج عن ستة طلاب مصريين كانوا قد تسللوا عبر الحدود إلى إسرائيل منذ عدة شهور. علاوة على ذلك تناقش مصر مع إسرائيل وأميركا في الوقت الحالي مسألة إقامة علاقات تجارية وثيقة - وفي الحقيقة منطقة تجارة حرة بين الدول الثلاث- في نفس الوقت الذي تقوم فيه مصر بكل ما هو ممكن لإعادة اجتذاب السياح الإسرائيليين إلى منتجعات البحر الأحمر، بعد خروجهم الجماعي منها عقب الهجوم الذي تم على فندق طابا في السابع من شهر أكتوبر الماضي.

بيد أن أهم ما تتركز عليه الأذهان في كل من إسرائيل ومصر في الوقت الراهن، هو خطة شارون الرامية إلى سحب المستوطنين الإسرائيليين من قطاع غزة عام 2005. وكي يتمكن من القيام بذلك في وجه معارضة عنيفة من جانب العناصر المتشددة في إسرائيل، حصل شارون على موافقة اللجنة المركزية لحزب الليكود الذي يرأسه، تسمح له بالدخول مع حزب العمل الذي يقوده شمعون بيريز، في ائتلاف جديد. وسيؤدي ذلك إلى ضمان شارون لأغلبية مريحة في الكنيست تساهم في دفع خطته للانسحاب من غزة قدماً إلى الأمام.

من جانبها، ستقوم مصر بمد يد المساعدة من خلال تدريب قوات الشرطة الفلسطينية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان عدم حدوث عمليات تهريب أسلحة ومتفجرات إلى قطاع غزة، عبر الحدود المصرية.

هل يعني كل ما سبق أن التوصل إلى اتفاقية سلام عربية إسرائيلية قد أصبح يلوح أخيراً في الأفق؟ لو قلنا ذلك فإننا سنكون قد ذهبنا بعيداً للغاية.. لأن آراء شارون بشأن إنشاء دولة فلسطينية، وبشأن إعادة هضبة الجولان إلى سوريا، لا تزال سلبية إلى حد كبير.

هناك نوع من ذوبان الجليد يتم الآن. ولكن الرئيس بوش - إذا ما أراد أن يحجز له مكاناً في التاريخ باعتباره مهندس السلام العربي الإسرائيلي- قد يكون بحاجة إلى انتظار تحقق معجزة.