من الخراب إلى التأسيس
منصف المرزوقي
من
المرمر المسنون صاغوا مثاله
وطافوا به كل ناحية زمر
إن كان
حب الفضل للفضل شأنكم
ولم تخطئوا في الحس والسمع
والبصر
فما
بالكم لم تكرموا الليل والضحى
ولم تنصبوا التمثال للشمس والقمر
إيليا أبو ماضي
تقـديـم
شرف كبير ومسؤولية أكبر، تكليفي من الأصدقاء بالإشراف
على هذه السلسلة الجديدة المكرسة لحقوق الإنسان بالتعاون مع اللجنة العربية لحقوق
الإنسان.
قال الأديب الفرنسي أندريه مالرو "سيكون القرن
الواحد والعشرين دينيا أو لن يكون". وقد استعار ملك المغرب محمد السادس هذه
الجملة ليقول: سيكون هذا القرن قرن حقوق الإنسان أو لن يكون. لم يكن أندريه مالرو
متدينا، ومن الصعب الحكم مبكرا على مدى احترام ملك المغرب الشاب لحقوق الإنسان،
إلا أنه من السهل القول أنه إذا كانت الاشتراكية والليبرالية قد وصمتا قرابة قرنين
من الوجود البشري بصراعهما، فإن حقوق الإنسان قد جاءت لتنصب نفسها لكل فرد في كل
مجتمع مهما كان جنسه أو لونه أو دينه أو طبقته. وبهذا المعنى، فقد أعادت صياغة
العديد من الأسئلة الفلسفية والسياسية والثقافية وفق فكرة مركزية هي احترام الحقوق
الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية والبيئية باعتبار هذا
الاحترام مقياس مركزي لاحترام النظام السياسي الاجتماعي السائد والمنظومة
الاقتصادية الاجتماعية المهيمنة على الصعيدين المحلي والعالمي.
ستقاوم هذه السلسلة كل المحاولات القصيرة النظر
لتحويل حقوق الإنسان إلى إيديولوجية أو دين، كما ستقاوم النظرة التقديسية لها. وهي
تنظر لمشروع الحقوق الإنسانية باعتباره غير منجز ويحتاج باستمرار لنظرة نقدية
تعطيه القوة الدافعة ليتقدم. وترفض التعامل مع الشرعة الدولية لحقوق الإنسان كنصوص
حقوقية جامدة بل وتسعى لاستقراء معالمها في دراسات حية ذات صلة مباشرة بالمجتمع
والثقافة في العالم العربي.
وهذه السلسلة ملك لكل عمل إبداعي خلاق يسعى لإغناء
ثقافة حقوق الإنسان. وهي تعتمد على القارئ كسند معنوي ومادي لها. وتحاول تناول
قضايا الإصلاح السياسي والحقوقي والأخلاقي كما تحاول قراءة احترام الحقوق
الإنسانية في الخطاب السائد وعلى كل الأصعدة الرسمية والشعبية.
معرفة
الصديق منصف المرزوقي، توضح حجم الصعوبة التي واجهها في إعداد نص يسترجع عدة مراحل
من النمو الثقافي والفكري والنضالي للكاتب المناضل. فأحسن تعريف لما يكتبه منصف،
هو أن يكون الإنسان بالقيم والمبادئ التي يتبناها ابن الزمن الذي يعيش فيه،
باستعارة مأثورة هيجل. والزمن، ليس فقط بمعنى الحقبة السياسية أو التغيرات
الشخصية، وإنما بتقسيم الفيلسوف الطبيب أبو بكر الرازي للزمن المطلق والنسبي. كل
لحظة تحمل جديدا ومثيرا وفي غناها يمكن أن يتشّبع الأشخاص أفكارا جديدة. ليس
بالإمكان توقيف نص صديقنا إلا بوضعه في المطبعة. لأن النص يختصر تصورا ما للعالم
والأفكار والسلوك يتلخص بالبحث اللانهائي عن الأمثل والأجمل، لهذا الكائن الذي
كرمته الفلسفات والأديان.
لم
يكن انخراط منصف في الشأن العام، بالمعنى المباشر للكلمة، إلا وليد مجموعة من
المشاهد الأليمة في حقبة أليمة، لم يكن فيها للطبيب الباحث والمثقف غير النمطي
الحق في تفجير طاقات ومواهب تصب في خدمة الإنسان في هذه البقعة من العالم دون أن يصطدم
ذلك بالحاكم. كان الالتزام النضالي في عالم حقوق الإنسان هو ابن هذه المعادلة
المؤلمة التي يبصر من خلالها الجامعي كيف تحول السياسي المعارض في العالم العربي
إلى شبه كائن محروم من الصورة والشرعية والبرنامج والتجمع والتكلم .. بكلمة، من
الحد الأدنى الضروري لتعريف السياسي. وذلك لمجرد كونه مشروعا يقع خارج الاسمنت
المسلح الذي يحمي الحاكم من "المارقين والمخالفين والخونة".
عندما يكون الخروج على القانون هو التمرد على هالة التأليه التي تحول الجنرال
العربي إلى المهدي المخلص بقدرة أجهزة الأمن وبطانتي الفساد وتدنيس الوعي. يصبح
الحياد جبنا والصمت تواطئا.
من الضروري للقارئ أن يعتاد على تعبيرات جديدة يعرفها
جيدا في حياته اليومية مثل الدشقمية (الدولة الشمولية القطرية المتخلفة) في تشخيص
ثوب السلطان وثنائية (عقدة التفوق القديمة وعقدة النقص الجديدة) في تشخيص العقلية
الرد فعلية على الاستبداد الداخلي والاستعباد الخارجي. كذلك من الضروري التذكير
بأن هناك مجموعة أعمال سياسية متداخلة مع هذا العمل لمنصف يجمعها هاجس تفكيك
الاستبداد في العقليات وفي المؤسسات مثل "الاستقلال الثاني" و "هل
نحن أهل للديمقراطية".
لا
بد لهذا العمل من أن يطرح علينا تساؤلات كثيرة: ما هو مثلا مدى صحة الفكرة القائلة
بأن الديمقراطية ليست ضرورة أخلاقية بقدر ما هي ضرورة تقنية لإدارة المجتمع؟ هل
يمكن الحديث عن الديمقراطية كمشروع سياسي في غياب الإصلاح الثقافي والأخلاقي في
صفوف المجتمع وفي صفوف النخب؟ هل تحكم العلاقات الديمقراطية حركة حقوق الإنسان
والتنظيمات السياسية في العالم العربي؟ ألم تنتشر عدوى الاستئصال للآخر في بعض
البلدان العربية في صفوف المعارضة الاجتماعية والسياسية بحيث أصبح التخلص لأسباب
شخصية أو مادية أو سلطوية من الآخر شرطا للمكاسب السريعة السهلة؟ أليس نقد
الممارسات غير الديمقراطية في نويات المجتمع المدني جزءا أساسيا من عملية نقد
الاستبداد وعقابيله. ألم نسمع أحاديث عن تصفية واستبعاد تنظيمات وأشخاص في أوساط
حقوق الإنسان؟ كيف تمكنت كلمات مخيفة مثل "كسر العظم"
و"التصفية" و "force de nuisance " من الدخول لمعسكر
الديمقراطية وحقوق الإنسان؟
هذه
الأسئلة، تقودنا إلى الانتقال من الشعبية المرافقة لوضعنا كضحية إلى اليقظة
العقلانية والنقدية الضرورية لكل انتقال من التسلط إلى الديمقراطية. فالديمقراطية
ليست قرارا فوقيا بل ممارسة يومية وامتحانا دائما للعلاقة بين الذات والآخر.
هناك
جانب آخر لم يأخذ حقه بشكل كاف في كتابات منصف حول الديمقراطية، وأتمنى أن يكون
هذا هو الحال في كتابات مقبلة. هذا الجانب هو العلاقة بين الاستبداد والمجتمع
العضوي أو العصبوي. وعندما أتحدث عن المجتمع العضوي، أتحدث عن واحدة من أهم نتائج
اغتيال التعبيرات والعلاقات المدنية في المجتمع وضرب أشكال الألفة الأهلية التي
تسمح للنسيج المجتمعي بالتماسك وتزرع الأسس السليمة لاقتصاد العنف وكسب طاقات
الأشخاص. لقد أعادنا هذا التحطيم المتعمد للنسيج المجتمعي أولا مع ولوج الرأسمالية
الغربية وثانيا مع نشوء الأشكال الإستبدادية "الحديثة"، أعادنا هذا
التحطيم إلى تعزيز الروابط العضوية العشائرية والجهوية والطائفية على حساب
الانتماء المواطني المشترك.
إن
أي مجتمع عضوي، يقوم بالضرورة على تغليب للبعض على الكل وللطرف على الوسط وللجزء
على الكيان وللخاص على العام وهو يعزز مبدأ تهميش الأغلبية الذي تعتمده السلطة
التسلطية بتذريرها إلى وحدات لها مرجعها الخاص على حساب الوصول إلى تكوين مجتمع
مدني يحكمه قانون عام أساسه الفلسفي والحقوقي، كرامة الإنسان، وليس "التشريع للظلم والتغطية عليه" باستعارة تعبير منصف.
لن
يجد من ينتظر من هذا التقديم تلخيصا لهذا العمل مبتغاه، فالعديد من أفكار هذا
الكتاب تشكل نويات لمؤلفات ضرورية. ومن الصعب اختزال كلمات معجونة بالألم
والمعاناة اليومية. إن صداقتنا التي كانت وتبقى ابنة شفافية منهجية عالية ونقد
متطلب للذات ومراجعة مستمرة للممارسة تقسو على الكائن الرقيق المختبئ وراء المقاوم
الكبير والمناضل العنيد، وتحصنا جميعا للتفاعل النقدي والخلاق مع هذا الكائن الذي
لا يقف بضعف إلا أمام نقد موضوعي يطالب به أو بسمة طفل. فخارج البعد الذي فرضته
السلطة التعسفية على منصف المرزوقي أثناء كتابة هذه النصوص، لا مكان البتة للتعامل
مع آرائه كضحية، بل كطرف أساسي في مقاومة العسف ووضع عضاضات التغيير الديمقراطي في
تونس والعالم العربي.
في
ظل وضع عربي مأساوي، وهوس أمريكي-صهيوني لم يكن في هذه الدرجة من العنجهية
والغطرسة يوما، يبدو لنا أن محاولة عدم إضاعة الدفة التي تمسك بحبل المقاومة بيد
وكرامة الإنسان باليد الأخرى هي الكفيل بشق الطريق الفكري لعودة إنسانية المضمون
عربية المحتوى، تجمع بين القيم الروحية الكبرى وعقلانية قادرة على إدراك أن الإنسان
ليس مجرد رقم وجسد وموازين قوى، وأن من حقنا اعتبار خروجه من البربرية واجبا
مشتركا على أبناء البشرية اليوم.
هيثم
مناع
مقدمة
الحصاد المرّ
لا أشقّ
على نفس الكاتب من إعادة قراءة كتاباته خاصة تلك التي مرّ عليها زمن طويل . وإنها
آنذاك المفاجأة المزعجة تتبع مفاجأة
غير سارّة وقلما يخرج المرء بانطباع إيجابي عن مثل هذه ''المغامرة '' إذ تغمره
مشاعر مضطربة من الحنق (كل هذه الأخطاء التي لم انتبه إليها) ومن الاستياء (هل من
الممكن أنني أنا الذي كتبت مثل هذه الرداءات) ومن الحسرة الغبية (آه لو كنت أعرف آنذاك ما أعرفه
اليوم ) .
ومن منا
لم يجرّب مشاعر الخجل والحرج وهو يراجع كتابات المراهقة والشباب وحتى أحيانا فروض
الإنشاء في الثانوي .
وهذا
بالضبط ما عانيت منه وأنا أراجع
نصوص كتبي التي وضعت على موقع الإنترنت إذ لم يكن هناك من مفرّ . فهذه كتب أعيد
رقنها بما يتضمنه الأمر من إضافة أخطاء مطبعية جديدة إلى تلك التي كانت النصوص
القديمة تزخر بها . وهذه بعض نصوص متفرقة كان لا بدّ من
جمعها وتبويبها هكذا غصت طوال الصيف
في هذه الكتابات ازفر من الضيق وأنا تجاه الأخطاء المطبعية كمن يصطاد القمل على جلد كلب قذر الواحدة بعد الأخرى
ولا نهاية لأفواج القمل .
لم أتخلص لحظة واحدة من شعور الإشفاق على هذا المسكين الذي قضى عمره
في كتابة هذه السخافات ومن سخرية
مرّة تطفو على بحر
عميق من نقمة على دهر ظالم لم
يتكرّم بتحقيق ولا واحدة من تنبؤاتي مثل وصول العرب إلى مريخ الديمقراطية أو ولادة
الجامعة العربية للعلوم المستقبلية الخ
ومما زاد
في الطين بلّة أن اغلب هذه الكتب
شهادات على حقبة من تاريخ تونس والأمّة وأن صاحبها جعلها دوما استشرافا للمستقبل بل وإرادة المساهمة في
صنعه ومن ثمة جاءت حافلة بالتحاليل والتكهنات والبرامج والمراهنات
وكنت أسوقها جزافا وها هي الآن
مكتوبة ابيض على اسود تترصدني منذ ذلك الزمان لأواجهها وأواجه نفسي بما اقدر عليه
من الاعتذار والتبرير .
هكذا
تواجهك نواقص اللغة والأسلوب
وجمالية النص وتواجهك نواقص التفكير فتأتيك حالة من الإحباط تجعلك تفكّر بجدّ في
نشر اعتذار رسمي لكلّ من ضيّعوا وقتهم في قراءتك وإعلان سحب كل كتبك من الأسواق
على فرض أن لك كتب في الأسواق مع
إعلام العموم بإقلاعك التام
عن ممارسة الكتابة والتعبير عن التوبة نهائيا.
كلّ هذا صحيح لأنّك تشعر بحدّة هذه المشاعر
ومع ذلك فإن الأمر أيضا نفاق في
نفاق فهناك جزء من الذات على قناعة
بأنك العبقري الملهم الذي أتى بما لم تستطعه الأوائل وأن الخطأ من اللغة
التي لم تتكيف بالقواعد الجديدة التي سننتها لها ومن الأحداث الظالمة التي أبت إلا
معا بثتك .
يبقى
الرقاص يتأرجح والذات بين إحباط وغرور ولا مخرج لك من هذه الأزمة غير التقرير بأنك
حكم غير
منصف لا
في هذا الاتجاه ولا في نقيضه وأن عليك أن تسلّم هذه النصوص لمن يستطيع الحكم لها
أو عليها أي القارئ الذي من اجله
تكتب الكتب .
ولأن
الكتابة دوما وليدة اللحظة فإنها
شهادة على حالة الذات وحالة العالم
في تلك اللحظة وعبر تتابعها في الزمان تشكل
علامات تمكننا من رسم تعرجات نهر الزمان بما هو التطور المستمر
لحالتيهما .
و
بالعودة إلى نصوص بدأت نشرها في منتصف السبعينيات يمكنني اليوم أن افهم بأكثر عمق
الماضي وان ازداد وعيا بأسباب الحاضر الذي نعيش .
أبدأ في
محاولة وضع شيء من النظام على الأفكار المضطربة التي ما انفكت تتابع وأنا أعدّ هذه
النصوص للموقع
وأول
فكرة تأتيني هي عبثية الاستشراف المستقبلي فآخر ما كان يخطر ببالي في بداية
الثمانيات ونحن نعايش في تونس موجة من الحرية الفكرية أنني لن أجد ملجأ
لكتبي إلا في فضاء افتراضي موجود داخل وخارج وفوق كل الحدود هو فضاء
الإنترنت.
ولا أدري
كيف اصف هذه الحالة . أهي نصر مبين
على الدكتاتورية أم هزيمة نكراء أمام فشل كل محاولة لاجتثاثها ورميها في سلة
مهملات التاريخ العزيزة على الماركسيين .
وهي
موضوعيا هزيمة نكراء فقد أحلت سنة 1987 ثلاث مرات على المحاكمة من
أجل ''دع وطني يستيقظ'' وتفضل
النظام الجديد في بدايته بإطلاق سراح الكتاب ووقف التتبعات ضدّي لكنه لم يلبث أن
منع كل كتبي فحجز بعضها في المطبعة
مثل ''الرؤيا الجديدة '' وحتى
''المدخل إلى الطب'' اختفى من دار النشر التي اختفت بدورها ، وتقدم الأمن اللبناني –بتحريض من السلطة
التونسية –إلى الناشر ليسأله
عن ''الاستقلال الثاني ''الذي نشر لي ببيروت سنة 1996بفضل جهود هيثم مناع وفيوليت
داغر صديقي الأيام بدون خبز والأصدقاء في الكنوز الأدبية. كذلك صدر الإنسان الحرام
في المغرب ولم تدخل منه إلا بضع النسخ المهربة ومات لحظة ولادته بالإهمال وسوء
التوزيع
ومع ذلك
فإنه يمكن القول أن الحالة شكلت نصرا كبيرا فرغم كل المحاولات فشلت الدكتاتورية في
إخماد أصوات الحرية ومنهم صوتي بل يمكن القول أننا الآن في مرحلة الهجوم المضادّ
واكتساح كل المواقع الإعلامية التي
احتلها نظام لم يعد له خطاب أو فكر وفقد بالضربة القاضية معركة العقول .كل هذا
بفضل التقنيات الحديثة التي فقد الاستبداد نظرا لمحليته كل سيطرة عليها نظرا
لعالميتها
ولا
أستطيع أن اخفي زهوا طفلانيا لأنني كنت من الأوائل الذين نبهوا في ''دع وطني
يستيقظ'‘ إلى الترتبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية للثورة المعلوماتية التي
كانت على أوج قلب العالم رأسا على عقب ويومها تقبل القراء والنقاد بالأمم الأكثر
قراءة نظرية الحضارة الرابعة وفحواها أن الإنسانية لم تعرف إلى الآن إلا أربع
حضارات بالمعنى الواسع للمصطلح وهي الحضارة الأولى التي دامت آلاف القرون (الصيد
والالتقاط) والحضارة الثانية التي دامت عشرات القرون (الزراعة ) والحضارة الثالثة
التي دامت ثلاثة قرون فقط (الصناعة) والرابعة التي انطلقت لتوها (الاتصالات و
المعلومات).وكان الكتاب محاولة لفهم الارتباط الوثيق بين التكنولوجيا
والأيديولوجيا ومحاولة لاستنباط ملامح العالم الجديد الذي فرضته علينا الثورة
التكنولوجية الجديدة وكنت أرى آذاك ولا أزال في هذه الثورة الجديدة فرصتنا الذهبية
للحاق بركب الأمم الأكثر تطورا لأننا لن نكون بحاجة للمرور بكل مراحل الحضارة
الصناعية. وكانت الفكرة المحورية للكتاب أن الديمقراطية هي افرازة طبيعية وضرورية
للحضارة الجديدة وبالتالي فإن حظوظ الاستبداد العربي بما هو السبب الرئيسي في تخلف
الوطن و الأمة شبه منعدمة.
وبالمقارنة
لما توقعت وما حصل يمكن القول بأنني كنت مغاليا في التفاؤل. حقا اكتسحت الثورة
التكنولوجية العالم ووضعت الأنظمة الاستبدادية بكسر المونوبول (الاحتكار)
الإيديولوجي في مأزق تاريخي وانحسرت الدكتاتوريات من أوروبا الشرقية وروسيا
وأمريكا اللاتينية وآسيا وأجزاء كبيرة من إفريقيا ولم تجد لها موقع قدم صلب إلا في
بلاد العرب والمسلمين.
تطرح هنا
القضية المركزية حول وضع المشروع الديمقراطي الذي تجنّدت له النصوص منذ بداية
الثمانينات. هل كانت الكتابة مجرد صرخة في واد أم زرع في أرض خصبة ؟
وثمة
النظرة المتشائمة التي تلاحظ أن الأقدام العربية لم تطأ إلى الآن ارض المريخ، أنّ الاستبداد متواصل ومستفحل ولا أدلّ
على ذلك من ضرورة اللجوء إلى فضاء الإنترنت التي لجأت إليه النصوص.
وثمة
النظرة المتفائلة التي تلاحظ أننا لم نصل ولكننا في الطريق وكم من إشارات تدلّ على
أننا قطعنا شوطا هاما فها هي الدكتاتورية العربية في مأزق واهتراء وتعفّن في كلّ
مكان ولا بدّ لها من بديل.
ولا شكّ
أن تعثر المشروع الديمقراطي في الوطن العربي عموما وفي تونس بالخصوص ثم توقفه ثم
عودته إلى واقع الستينات هو هاجس جلّ النصوص الفكرية والسياسية فهي في بداية
الثمانيات دعوة ونضال وشهادة على تطور المعركة من اجل حقوق الإنسان بما فيها
الديمقراطية ثم هي ردّ فعل متصاعد العنف على عملية النصب والتزييف التي صادر
بموجبها النظام البوليسي أفكارنا وشعاراتنا وأحلامنا لضرب المشروع الديمقراطي وفي
الأخير هي محاولة لاسترداد المواقع المخسورة وتنظيم الهجوم المضادّ ضدّ أنظمة من
مخلفات ماض ليس فيه نخب كثيرة متعلمة متعطشة للمشاركة في اخذ القرار تتعامل مع
الهوائيات وإنترنت وتربطها شبكات تحالف مع اكبر فاعل في الساحة السياسية الجديدة:
المجتمعات المدنية في العالم أسره. وهكذا جاءت نصوص '' لماذا ستطأ الأقدام العربية
ارض المريخ '' و''دع وطني يستيقظ'' و ''الاستقلال الثاني من اجل الدولة
الديمقراطية العربية الحديثة '' و ''هل نحن أهل للديمقراطية '' و''المقالات
السياسية '' كمراحل في تطور المعركة ضدّ الاستبداد. بشتى أصنافه.
وبالعودة
إلى النصوص يكتشف المرء بغبطة أن هناك معركة على الأقل ربحت بالضربة القاضية وهي
المعركة ضدّ الأيدلوجيا.
ففي
السبعينيات قل من كان يجرؤ على التعرّض لهذه البعابع الفكرية التي اسمها الماركسية
أو الفرويدية أو الإسلام السياسي أو العلمانية (بمفهومها غير الديني ) فقد كانت
قلاعا محكمة الإغلاق يتقوقع داخلها أناس يؤمنون أن لهم منظومة فكرية سياسية شاملة
جامعة قادرة على تحليل كل مشاكل الإنسانية شعارهم ''كلامنا صواب قد يحتمل بعض
الخطأ وكلام الآخرين خطأ قد يصاحبه أحيانا بعض الصواب ''. وكانت هذه الأدمغة تتصف
بوقاحة منقطعة النظير في التعامل مع الخصم (المتهم دوما بالخيانة أو الإلحاد أو
الغباء )وبوقاحة اعمق مع تعقيد العالم المطالب بالتقولب في البوتقة التي صهرتها
مقولات الأيديولوجيا. وكان وجود الاتحاد السوفيتي ولم يكن ممكنا في تلك الفترة أن
تبدو ذكيا مثقفا عن لم تكن ماركسيا فرويديا علمانيا ملحدا وأنت تتحرك في رحاب
الثقافة الغربية أو قوميا (على طراز ذلك الزمن ) ثم إسلاميا وأنت تتحرك في رحاب
الثقافة العربية الإسلامية.
وأذكر أن
نشر كتاب ''في سجن العقل ، من حلم التحرّر إلى كابوس الاستبداد'' في نهاية
الثمانيات أثار حفيظة كل الأطراف المعنية بهجوم واسع النطاق على آليات التفكير
الأيدلوجي من توهم امتلاك الحقيقة وتوهم قدرة الأيدلوجيا على تغيير واقع لا تعطي
عنه سوى صورة مخيلة بل ومهووسة أحيانا . ودافعت في هذا الكتاب عن فكرة
اشتراك كل الأيديولوجيين في نسق فكري واحد بمسلمات مشابهة ونهايات مشابهة أهمها
الاستبداد فمن يملك الحقيقة لا يملك مناقشتها ولا يسمح لأحد بذلك ومن ثمة انتهاء
كل برامج التحرّر إلى كابوس الاستبداد ودافعت عن فكر مفتوح له آليات التغيير من
الداخل يقبل بان الواقع غير قابل للاحتواء في أي منظومة قارة و أننا كلنا كعميان
الأسطورة الذين طلب منهم وصف الفيل فبدءوا يتحسسونه وقال أحدهم أنه خرطوم طويل
والآخر أنه دعامة عالية والثالث أنه دائرة سميكة الجلد وقلت أن علينا أن نبني
تصورنا معا على تخوم قناعاتنا فتكون الحقيقة ما نصنعه سويا وقد قبلنا موقع الرؤية
الذي يتخذه كل واحد منا.
وآنذاك
ثارت ثائرة العقائديين ضدي ووضعت في منطقة فكرية عازلة تضطرب فيها مشاعر الألم
والعزلة لكن تتوهج فيها مشاعر الكبرياء حيث تزيد العزلة من توهمي بالتفوق الفكري
لأنني تعلمت مثلكم جميعا أن كل نفيس غريب.
كم يثلج
الصدر اليوم أن أرى الماركسيين والفرويديين وقدامى القوميين –الذين ما زالوا على اعتقاداتهم
القديمة –يحدثونك بكثير من الحرج وتواضع يثير ابتسامة الشماتة المؤدبة. ولا يختلف
الأمر كثيرا بالنسبة لمن اعرف من الإسلاميين وربما تشكل حالة ابن أخت لي احسن
دلالة على التغير الجذري الذي حصل في سيكولوجية العقائديين وقد ارتطموا مثل الجميع
بتعقيد العالم وثورة التكنولوجيا وتسارع التغييرات وعمقها وضرورة التأقلم
السريع.فقد بدأ بإهدار دمي في الثمانينات منبها إياي أن علاقة القربى لن تمنعه من
الحسم في عدو من أعداء الله مثلي – وهذه خاصية سيكولوجية من أهم خصائص العقائديين تلعب
عليها كل الأنظمة الاستبدادية وبموجبها يصبح العقائدي جاسوسا على أمه وأبيه
ويقدمهما للمقصلة حبا وخدمة للحقيقة – وها هو الآن من الطف خلق الله لا يبحث عن شيء قدر
بحثه عن نقط الالتقاء مع الخصم العقائدي. وما من شكّ أن هذه التحولات الجذرية ليست
نتيجة تعقل نبع من داخل الفكر وإنما نتيجة الصفع والركل والدش البارد وسائر أصناف
"البهذلة" التي يقدر عليها عالم يشبه يوما بعد يوما بركانا لا قبل لأحد
بفهم نزواته فما بالك بالتحكّم فيه كما يدّعي هؤلاء المساكين.
وفي تلك
السنوات انخرطت بحماس في التنظير لحقوق الإنسان فصدر في القاهرة سنة 1995 '' حقوق
الإنسان الرؤيا الجديدة '' وهو الكتاب الذي سرق البوليس أفلامه من المطبعة في تونس
سنة 1993 ثم أرفقته بعد سنة بكتاب ''الإنسان الحرام قراءة في الإعلان العالمي
لحقوق الإنسان'' و صدر في المغرب سنة 1998 بتمويل من الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي
مشكورا و كنت زميله في مكتب المنظمة العربية لحقوق الإنسان.
وبالمراجعة
فإنني لا أجد'' لكتاب حقوق الإنسان الرؤيا الجديدة '' عيبا جديا واكتشف بسرور أنني
في هذا الميدان على الأقل لا زلت متفقا مع نفسي ففي هذا النص حاولت أن أرد على بعض
المتحذلقين الذين يجعلون حقوق الإنسان في واد المقدّس والسياسة في واد المدنّس
ولقد كان رأيي ولا يزال أن حقوق الإنسان سياسة من الألف إلى الياء إنما هي سياسة
لها مرجعية خاصة (الإعلان) ووسائل خاصة (النضال السلمي ) واهداف معينة (الحريات
الفردية والعامة ) وأنه يمكن أن تمارس من ساحة السلطة المضادة مثلما تمارس من ساحة
السلطة بل وأن على مناضلي حقوق الإنسان أن يتوزعوا داخل السلطة وخارجها لتحقيق
أهدافهم والفيصل الحقيقي بين من يواصل النضال داخل السلطة من أجل المبادئ ومن
يتنكر لها إذا وصل إليها وليس بين المناضل السياسي أي الحزبي والمناضل الحقوقي.
وبقدر ما
اثلج صدري عدم ظهور اعتراضات جدية على ما كتبت منذ عشر سنوات خلت في هذا
الكتاب، بقدر ما تسببت لي مراجعة
''الإنسان الحرام في حالة نفسية بالغة الإزعاج. أتراني أنفقت كل هذا الوقت والجهد
لمحاربة الفكر العقائدي لأعيد صنعه فهذا نص ينضج بشبه إيمان ديني بحقوق الإنسان
كوصفة خلاص وبالمشرع العالمي كنوع من ''السوبرمان ''إن لم يكن نوعا من النبي
الجديد لبشرية هي الإله الذي ''يجب'' على الإنسان الجديد أن يؤمن به. وكم في هذا
النص من حماس وإطلاقية وثقة بالنفس وبالمستقبل السعيد الذي سيرى ''حتما '' ولادة
الإنسانية الجديدة وقد تقدّس فيها الفرد فأصبح إنسانا حراما لأنه الممثل الشرعي
والوحيد للجنس برمته إذ تتبلور في كلّ لحظة كل قداسة الحياة والبشرية.
وما من
شكّ أن هذا التصوّر لا يخلو من أرستقراطية فكرية وربما من بعض الصواب ولكنه يبدو
لي على بعد اقل من خمس سنوات من كتابته مشبعا بهذه الروح العقائدية التي جددت بدون
وعي كل طرق تفكيرها. وهنا راودتني الفكرة بتشذيب الكتاب من بعض المصطلحات
والتشابيه وإدخال بعض النسبية على الأفكار الاطلاقية فهذه العمليات السريعة كافية
لجعله متماشيا مع ما اعتقده اليوم ثم رفضت الفكرة فمن يضمن لي أنني ساكون متفقا مع
هذه الإصلاحات بعد خمس سنوات أخرى ثم لا بدّ للنص أن يكون شاهدا على تطور الذات
وأفكارها وان يبقى وفيا لنفسه لا يغالط القارئ.
لا غرابة
أن اكتب كتابا عقائديا وأنا أحارب الفكر العقائدي منذ ربع قرن وقد تفطن فرويد
للظاهرة بقوله '' لا يمكنك أن تحارب أحدا فترة طويلة دون أن تشبهه ''.وهذه قاعدة
ذهبية وضعتها دوما نصب عينيّ حتى لا أنسى أنني أنا أيضا متشبّع بهذا الذي أحاربه
بكل تصميم : النرجسية
والشخصانية والتعصب والدغمائية والاستبداد .
ولا مجال للسيطرة على كل هذه الضباع ( ولا
أقول التخلص منها ) أي لا مجال للخروج من الهذيان والهوس والضعف والأخطاء التي
تولدها إن لم ننتبه دوما أننا نحمل كل هذا داخلنا وانه ما نتنفس وما نزدرد وان
السيطرة عليها تبدأ بوضعها دوما تحت أضواء الوعي وفصل التصرفات عن المواقف التي
تتحكم فيها.
وأيا
كانت قيمة الكتابات السياسية التي تشكل الجزء الكبر من النصوص فإنها شهادة صادقة
على ما أطنّ على الحالة الفكرية للنخبة التونسية والعربية وموازين القوى أحيانا
على أحداث بالغة الدقة أرجو أن يجد فيها مؤرخو هذه الحقبة من تاريخنا الوطني
والقومي بعض الإرشادات الضرورية لتكوين صورة واضحة عن أخصب وأدقّ مراحل تاريخنا
المعاصر.
فخاصية هذه النصوص أنها لم تكن لمنظّر يتابع
الأحداث عن بعد ولكن لفاعل سياسي عاش كل لحظات المعركة من اجل الاستقلال الثاني
على امتداد هذين العقدين الأخيرين،
عربيا كعضو مجلس أمناء المنظمة العربية لحقوق الإنسان( 1989-1995 )وكرئيس
اللجنة العربية لحقوق الإنسان (1998- 2000 )وتونسيا كرئيس رابطة حقوق الإنسان
(1989 - 1994 ) وبصفتي الناطق الرسمي باسم المجلس الوطني للحريات( 1998-2000).
لقد كانت
محاولة تنظير لفاعل سياسي و أداة فعل سياسي لمنظر ومن ثمة جاءت صبغتها الخاصة
ككتابة تحاول تربيع الدائرة أي الجمع
بين العمق النظري وبين تحفيز الخطاب المشحون عاطفة ليكون العمل وتكون
التضحية
وما من
شكّ أن هاته المنهجية مطبوعة بالطابع المهني الذي نشأت عليه فالطب لا يفصل بين
البحث النظري وبين العمل والطبيب الناجح من لا يقضي العمر بين تحسين عمله بالبحث
النظري وتحسين بحثه النظري بالانغماس في الواقع.
وكانت
تلك القاعدة الذهبية التي اتبعتها داخل الطب نفسه طيلة عقدين وأنا اشرف على تجربة
الطب الجماعي في الضواحي الفقيرة لمدينة سوسة.
ومن بحث
نظري مكثف تدعمه وتصلحه التجربة الميدانية ولد بعد عشر سنوات ''المدخل إلى الطب
المندمج '' أردته مشبعا بأحدث النظريات والمعلومات ومكتوبا في نفس الوقت بلغة
الضادّ وجاءت جائزة المؤتمر الطبي العربي سنة 1989 لتدفع بي إلى تصور مشروع طموح
أسميته المكتبة الرازية في الطب وهدفه إثراء المكتبة الطبية بعشرة كتب تثبت جدارة
العربية في التعامل مع كل ميادين الطب الاجتماعي وفي جلسة مهيبة في القسم سنة 1991
وزّعت على مساعدي عناوين وموضوعات الكتب مع تحديد مهلة زمنية لا تتجاوز الخمس
سنوات وبدأ العمل في المشروع الجماعي الضخم..
لكن
النظام البوليسي الذي لا يرضى بغير التصحر العلمي والثقافي كان له برنامج آخر.
فقد اختفت الألف نسخة من المدخل وحل
وزير الصحة الهادي مهنّي القسم نفس
السنة وفرق مساعدي ثم تمّ طردي نهائيا من الكلية سنة 2000.
وثمة شيء لا يمكن أن اغفره للنظام
البوليسي بصفة عامة و لهذا الوزير بصفة خاصّة. ففي سنة 1995 استطعت أن احصل للكلية
بوسائلي الخاصّة على ما يقارب المائتي ألف دينار من السوق الأوروبية لبحث ميداني بالغ
الأهمية عن عوامل تسبب الإصابة بالأمراض الشريانية وكنت من الأوائل الذين نبهوا في
بداية الثمانينات إلى خطورة هذه الأمراض في البلدان الناشئة بينما كان الاعتقاد
سائدا أنها من مميزات البلدان الغنية. وتقدّم العمل شوطا بعيدا بالتعاون مع زملائي
في جامعة'' انفرز'' ببلجيكا لكن الوزير فضّل إلغاء المشروع برمّته حتى لا يقال
أنني المسؤول عنه. فكتبت للرجل رسالة سأنشرها يوما لأقول له أنني انسحب من
البرنامج ولا اطلب شيئا لكنني أترجاه أن لا يلغي المشروع ففيه منفعة كبيرة لتونس
لأنه سيمكننا من إرساء سياسة وقائية على قواعد علمية متينة فنوفر على البلاد آلاف حالات الذبحة الصدرية والشلل
النصفي وعلى العباد والعائلات ما لا يحصى من الكوارث . لكن الرجل تجاهل رسالتي
وألغي المشروع ويقال أن البلجيكيين اخذوا الفكرة والمشروع ونفذوه بنفس الاعتمادات
في بلد آخر. فهل من وصف لعمل كهذا وكيف لا يأتيني الإحباط وأنا أرى الوزارة تطردني
بعد سنوات متواصلة من اضطهاد بالغ الخساسة فلا يحرك زميل أو تلميذ ساكنا.
وان يقيم
تلميذ بلجيكي الدنيا ويقعدها تعريفا بما أتعرض إليه من اضطهاد وأن يجمع زملاء
فرنسيين كتاباتي الطبية
الصادرة بالفرنسية ليدرسوها في أقسامهم وينشرونها قريبا في كتاب وأخيرا أن
تستضيفني كلية الطب بباريس للتدريس بانتظار يوم تعود فيه الحرية لتونس وأعود فيها
لجامعتي.
وقد تكون
قصتي عينة عمّا يعانيه المثقفون والعلماء العرب وهم بين استقالة وهجرة في ظلّ
أنظمة تسلطية ثمن بقائها القمع والرقابة أي التصحّر الفكري والعلمي والفني.
وربما
يجد فيها البعض نموذجا كاريكاتوريا يفسر عقم الأمة وهي تكفل بمصيرها إلى أناس لا
هم لهم سوى لجم طاقاتها وتبذير ثراواتها وتهجير أدمغتها لأن كل هذا ثمن بقائهم في
سدة السلطة.
ونحن في
عصر التخصص ولا يمكن لأطباء أن يحملوك على محمل الجد وأنت تكتب الأدب والفلسفة.
ولا يمكن لرجال سياسة أن يحملوك على محمل الجدّ وأنت تفكر في مواضيع فلسفية وتبحث
في الطب.
ولا زال
خوف أصدقائي أن يحملني الجميع على أنني إنسان مذبذب غير مستقرّ على حال لا يعرف ما
يريد ويخبط خبط عشواء في كل ميدان
وثمة خيط رفيع يعطي لمساري الفكري وحدة
صماء وهو أنني لم اكتب يوما حرفا حتى في الطب إلا وكان تفاعلا مع إشكاليات ملحة و
بحثا لها عن حلول. وكانت المشاكل بحكم مهنتي وظروفي من مستويات مختلفة ولم يكن
بإمكان تفكير منطقي يرى الترابط في مختلف المستويات أن يكتفي بالتفكير أو التعامل
مع الظواهر المعزولة أو مع جزء من معادلة.
ولا شكّ أنني حاولت أن أكون نقيض التقني
المتخصّص ونقيض مثقف البرج العاجي.فقد أدرت الظهر باكرا للنموذجين السائدين محاولا بلورة نموذج آخر لمثقف مختص في
ميدان وملتزم بقضايا محيطه ومتفتح على كل ميادين الثقافة من فكر وأدب وموسيقى لا
كترف وإنما كجزء لا يتجزّأ من تفعيل مهارته كمختص و كملتزم .
وكم يكلف هذا النموذج من كفاح مرير وأنا
اليوم كسباح يجاهد حتى لا يغرق في خضم بحر متلاطم الأمواج من الإشكاليات
والمنهجيات ومعارف تتطور كخلايا السرطان.
*
وفي آخر
المطاف يطرح السؤال عن قيمة كل هذا الجهد وهل هو عبث في عبث وهل كان من الأجدى
تمضية أجمل سنوات الحياة في ما هو أنفع للفتى. وبالطبع فإن فحوى هذا الشدّ والجذب
داخل الذات هو سؤال يتعلق بقرار بالغ الخطورة: أواصل أو لا أواصل.
وربما أكون قد تجاوزت كل الخطوط الحمر
التي تجعل من عدم المواصلة عملية انتحارية واخطر بكثير من المواصلة.
ومن ثمة يجب إعادة التساؤل كالتالي: ترى
هل كنت أقدم على الكتابة لو علمت أنها ستبقى بعد ربع قرن لاجئة، مشردة، أن السوق العربية للكتاب ستكون
مجزّأة، مغلقة ومحاصرة، أن القراءة ستصبح ظاهرة
فولكلورية، أن الدكتاتورية ستبقى
مهيمنة، أن البوليس السري سيواصل تتبعي حتى وأنا أتمشى على الشاطئ لاستنشق نسيم
البحر، أنني سأحرم حق العمل وحق السفر وحق الاتصال ناهيك عن
كل حقوقي السياسية وأخيرا أنني سأضطر إلى ما حاولت جاهدا تفاديه على امتداد ربع
قرن : المنفى.
وثمة
طريقة ملتوية لطرح نفس السؤال:هل تنصح شابا يتوهج حماسا بأن يقبل بربع قرن من
التضحيات قربانا للكتابة ؟
وهنا
اشعر بقوّة خارقة تدفعني للصراخ في هذا الشاب الذي كنته وهذا الشاب الذي أتصور له
آلاف الوجوه في وطننا المنكوب: نعم نعم إن الكتابة تستأهل كل التضحيات.
ولم هذا
؟ وثمة بالطبع الأسباب المبتذلة التي تتحدث عن الشهرة وعن المال وعن الخلود لكن
الكتابة ضرورية لسبب أعمق وأخطر .
أنظر إلى تونس. وقد لا يوجد بلد يتطلب منا
الكتابة قدر هذا البلد ففيه جعل
نظام الحكم من تزييف
المصطلحات واللغة والمفاهيم وقلبها رأسا على عقب خطّا سياسيا ثابتا.
هكذا اصبح كل مواطن يفهم كلمة
الديمقراطية على أنها تعني
الدكتاتورية ودولة القانون دولة الأشخاص
واستقلال القضاء استغلاله الخ . ومعنى هذا أن الدكتاتورية بما هي تغطية على
الواقع ومسخ له قد خطت خطوة جديدة في تدنيس الوعي بتنظيم البلبلة وبث الفوضى
الفكرية والأخلاقية من ثمة تصبح الكتابة ضرورة وطنية لفضح التزييف وإعادة الاعتبار
للكلمات والمفاهيم واللغة لتنضيب معالم الطريق أمام الناس.
وهنا تبرز الوظيفة الأساسية للكتابة بما
هي حرب متواصلة لبناء ما تدمره قوى الهدم.
إن هذه
المقالات التي كتبت على امتداد العشرية الأخيرة للقرن الراحل وفي بداية القرن
الجديد شهادات على واقع الصراع المرير ضدّ الاستبداد العربي المتواصل منذ بداية
تاريخنا وهي محاولة لفهمه وإصرار عنيد على محاربته واستشراف البدائل.
هي ككل
الكتابات التي تصدر على امتداد الوطن العربي، جزء من وعي أمة وصلت إلى مفترق طريق
من أهم ما اعترضها طوال مسيرتها من تقاطعات الطرق. هي وليدة الأزمة والمعاناة التي
أصبحت شعوبها ونخبها
تضج بها.
هي أيضا محاولة من بين المحاولات لإضاءة الطريق.
وقد لا أجانب الصواب كثيرا إن قلت أنها
تكتبني أكثر مما أكتبها لشدة شعوري بأنني لا أعبر عن آراء شخصية وأحلام ذاتية بقدر
ما أنا صدى لصراخ أمة تريد نهاية الاستبداد وتخطط لاحتلال مكانها الطبيعي بين
الأمم الحرة التي نجحت ما أخفقت إلى حدّ الآن في تحقيقه.
وأيّا
كان الفضاء الذي تتحرّك فيه الكتابة فإنها تبقى في آخر المطاف واحدة في مضمونها.
إنها
الشكل الأسمى للمقاومة سواء قاومت الاستبداد السياسي أو المرض أو شبح الموت. إن
لها وظيفة أعمق من هذا كله فهي التي تقاوم ما يسميه الغربيون ''الكاووس '' وهو
مصطلح لا نملك له إلا مرادفا ضعيفا بالعربية هو الفوضى لكننا هنا أمام فوضى ما قبل
الفوضى أو الفوضى الأصلية التي تنطلق منها كل عمليات إضفاء الشكل والنظام والمعنى.
وليس لنا نحن الآدميين من سلاح أمضى لمحاربة''
الكاووس '' في شتى مستوياته غير
المعنى ولا نعتصره إلا من الكتابة الصادقة نخطئ بها ونصيب نقلل من الفوضى ونضيف إليها أحيانا.
والثابت
أنّ هناك اليوم غليان داخل الوجدان و العقل العربي أمام ''الكاووس'' الذي تعيشه كل
شعوب الأمة والدمار الذي ألحقته أنظمة سياسية فاقدة الهيبة فاقدة الشرعية بكرامتها
وحقوقها ومصالحها.
إنه غليان يبحث في أسباب معاناتنا كأمة
وكشعوب وكبشر ويبحث بالخصوص عن إستراتيجيات التجاوز وتبقى حدّته وتوسعه الضامن
الكبير لتواصل الحياة في عروقنا وقديما قال المؤرخ الكبير توينبي أن التحدّي هو أول
محرّك لنهضة الأمم والحضارات ونحن اليوم على أتم الوعي بخطورة ما نواجه من
تحدّيات.
ولم يعد
هناك اليوم منقذ ونظرية معصومة تنقذنا. نحن مطالبون بأن ننقذ بعضنا من بعض، أن
ننقذ أنفسنا من أنفسنا، أن ننقذ الوطن من المنقذين، أن ننقذ الوطن سويا.
وليس
هناك من مشروع جدي لإنقاذ الوطن والأمة دون محاسبة عسيرة مع النفس لنفهم أين
أخطأنا الطريق، لنقيم نتائج هذه الإيديولوجيات الجميلة التي تعلقنا بها في شبابنا
وقاتلنا من أجلها وكم منا من أضاع في الدفاع عنها عمر قصيرا، كل هذا حتى نستطيع أن
نبني فوق الخراب الحالي صرحا جديدا يستظل به الأبناء والأحفاد لأنه لا خيار لنا
غير أن نحقق التواصل والتجدد حتى لا نبقى الأمة التي ضحكت من جهلها الأمم وبكت من
عجزها الهمم.
المنفى 16/6/2002
الجزء الأول
شعوب بدون سيادة،
دول بدون شرعية ، مواطنون بدون كرامة
جنين أو آخر مراحل تفسّخ الأمة
لا أجزم
بالغيب ولا أقرأ البخت في اليد ولا أعرف ما الذي سيحدث غدا فما بالك بما سيجري
طيلة القرن ولكن ثمة إشارات متعدّدة تصبّ في نفس الاتجاه تجعلني أقول أنه إذا كان
القرن الثامن عشر قرن الثورة الأمريكية والفرنسية والقرن التاسع عشر قرن الثورة
اليابانية والقرن العشرين قرن الثورة الروسية والصينية فإن القرن الواحد والعشرين
سيكون قرن الثورة العربية.
فلو تأملنا في الأسباب التي ولدت كل
الثورات في الماضي لاكتشفنا وراءها قاسما مشتركا هو أن أمة كبيرة وجدت نفسها أسفل
درك ولا خيار أمامها سوى أن تنهض أو أن تنقرض.
وأمتنا
اليوم في مثل هذه المفترق.
هي اليوم
أمة لا حول لها ولا قوّة أبناؤها ''مواطنين'' بلا كرامة و شعوبها فاقدة السيادة في
الداخل والاستقلال في الخارج
فشلت
طوال القرن الماضي كل مشاريعها الكبرى للتحرّر والتقدّم.
هي أمة تدرك أنها تعاني مما تعاني ليس
نتيجة ما تمارسه عليها القوى الكبرى من ضغوطات وإنما لعجزها عن مواجهات هده
التحدّيات بفعل قصور هيكلي دائم لا علاج له إلا البتر لنظامها السياسي.
والقانون
في كل هذه الثورات أنها بدأت بتغيير جذري في النظام السياسي بعد أن أتضح أن البلاء
منه وأن الخيار أصبح بين موت الأمة أو موت نظامها السياسي البالي والمتعفّن.
إنّ جنين
اليوم هي النقطة القصوى في مسار تعمّق أزمتها الاقتصادية والعلمية والسياسية
والنفسية والأخلاقية.
فلو كانت الأمة ذات شأن في كلّ هذه
الميادين لما وقعت المذبحة وكل ما سبقها من تقتيل الشعب الفلسطيني وهي مكتوفة
الأيدي لا تستطيع إلا إظهار عمق عجزها المخزي
وثمة فكرة سطحية عاش جيلي عليها وهي أن
العرب سيحررون فلسطين والحال أن العكس هو الذي سيحصل أي أن فلسطين هي التي ستحرّر
العرب.
وقد يؤرّخ المؤرخون بداية الثورة العربية
بالانتفاضتين الأولى وخاصة الثانية فلأوّل مرّة يتحرّك المارد الذي خلناه قد مات
وانتهى أي الشارع العربي.
ولأوّل
مرّة منذ معارك الاستقلال الأول يخرج الشارع بمثل هذه الكثافة لا للاحتجاج على
المستبدّ الأجنبي لكن للاحتجاج على المستبدّ المحلي وما فعله بكرامة ومصالح الشعوب
والأمة وقد أتضح عمق العجز والتواطؤ مع من يذبحون اخوتنا في فلسطين.
ومن
الشعارات المعبرة التي رفعت ''أسد عليّ وفي الحروب نعامة '' ويا لها من مقولة
بليغة تلخص في جملة الصراع الدائر بين أنظمة استأسدت على شعوبها ونكست أعلامها
أمام غطرسة العدوّ.
وقد
سارعت الأنظمة كما هو معتاد بجيوشها البوليسية لقمع الشارع وأحيانا لامتصاص غضبه
بقيادة مظاهراته فلم تفلح في الحالتين لإخفاء ما أصبح جليا حتى للأعمى ألا وهي أن
الشعوب العربية ربطت لأول مرّة بين عجزها ولا شرعيتها
الانهيار
والحق يقال أن هذه الإشكالية الكبرى كانت
دوما حاضرة في الوعي الجماعي لكنها بقيت محصورة داخل النخب، وها هي أحداث شهري
مارس وأبريل تلعب دور الكاشف لموقف بالغ العمق والقوة داخل الضمير الجماعي يتلخص
في كون الأنظمة الحالية غير جديرة بالتحدث باسمنا وليس لها الحق في قيادة الأمة.
وكيف
تكون الأمور مختلفة والحال عما هو عليه.
لنتصور
الرئيس العربي بصدد التفاوض مع رئيس الإدارة الأمريكية للضغط عليه حتى يجبر
إسرائيل على الانسحاب من الأراضي المحتلة.
لنلاحظ مبدئيا أن هذا أقصى ما يقدر عليه
زعيمنا الهمام فهو ضيع كل فرص التمكن من أسباب القوّة التي كانت تسمح بفرض شروطه
هو على إسرائيل وليس التذلل إلى الرئيس الأمريكي ليتدخل وإنقاذ وضع بالغ التدهور.
السؤال الآن هو: ما وزن هذا الزعيم العربي
وهو بحضرة ''نظيره الأمريكي''؟
إن القضية لا تتلخص فقط في الفارق الهائل
بين دولة هذا ودولة ذاك وإنما تذهب إلى أبعد وأعمق.
فالرئيس الأمريكي يعرف أصدق المعرفة أن
هذا الذي يحدثه عن مصالح شعبه هو في أحسن الأحوال زعيم عصبة وفي أسوأها زعيم
عصابة. وهو يعلم أن الصك الذي يخوله الحديث باسم شعبه مزيف من الألف إلى الياء فهو
قد افتكّ بالضغط والإرهاب والتزييف وهو يعلم كم سرق هذا الزعيم من أموال شعبه لأن
المخابرات تركّز أبحاثها على هذه النقطة التي تسمح لها بالتحكّم فيمن يدّعي
الاستقلالية.
والأخطر من هذا كلّه أن الرئيس الأوروبي
أو الأمريكي الذي يتحدّث من موقع الشرعية- حتى وأن كان التفويض لا يتجاوز 51% من
أصوات الناخبين - يعلم أصدق العلم أن هذا الموجود أمامه مدين بمنصبه له هو لا غير
وللدعم السياسي والعسكري والمالي والمخابراتي الذي يغدقه عليه. فمن أين للرئيس
العربي إذن أن يؤثُر أو أن يضغط؟
وما من شكّ اليوم أن غياب الشرعية لا يضعف
المجتمع العربي داخليا فحسب- بما يستنزف من جهد وطاقات لتثبيت الوضع أو لقلبه-
وإنما هو السبب الأكبر في عجزنا على الساحة الدولية.
وما من
شكّ أن قضية شرعية الأنظمة التي تحكمنا هي قضية مركزية في تاريخنا منذ سقيفة بني
ساعدة وأننا لا زلنا إلى اليوم نبحث لها عن حلّ وأننا لم نحده رغم ما كلفنا الأمر
من نزيف هائل للدم والطاقات ووقفها على صراع استهلك جل قوانا ولم يترك لنا إلا
النزر القليل للخلق والإبداع
لنعرف
الشرعية في البداية على أنها علاقة بين الحاكم والمحكوم يقبل من خلالها الثاني بحق
الأول في التحدث باسمه والسهر على الشأن العام وذلك في إطار وفاق سلمي يحترم
الحقوق المشروعة للطرفين.
وثمة قانون يربط عكسيا بين الشرعية والعنف
السياسي داخل المجتمع فكلما تعاظمت الشرعية قلّ العنف وكلما تزايد هذا الأخير كلما
كان دليلا على تناقص الشرعية أو انهيارها،
ومن نافل القول أن العنف ليس فقط الانفجار
في الشارع والركون إلى أشكال التمرّد الأخرى وإنما هو جملة مؤشراته الأخرى التي
يمكننا وصفها بالباردة مثل عدد أفراد الشرطة السياسية وعدد المساجين السياسيين
وعدد المحاكمات الجائرة وعدد الموت تحت التعذيب وعدد اللاجئين السياسيين.
ولو نظرنا للأمر من هذه الزاوية لاكتشفنا
عمق اللاشرعية التي تعاني منها الأنظمة العربية ولا غرابة في هذا فهي اليوم كهرم
موضوع على رأسه أو كشجرة دون جذور.
وثمة
نقاش قديم في الفلسفة والعلوم السياسية حول طبيعة الشرعية التي تحكم الأنظمة
بموجبها. وفي هذا الصدد نجد موقفا كموقف الفيلسوف ''سبينوزا'' الذي يدعي أن
الأنظمة تستقي شرعيتها من مجودها أي من القوّة وليست بحاجة إلى شيء آخر. ولو كان
هذا الموقف صحيحا لما رأينا كل الأنظمة تبحث عبر التاريخ عن غطاء ايدولوجي يسمح
لها بالتواصل في الحكم ذلك أنها تعرف مقولة الفيلسوف الصيني لاوتسو''تستطيع أن
تغزو مملكة من على صهوة الحصان لكنك لا تستطيع أن تدير شؤونها من على هذه الصهوة.
فالقول بأن القوّة تكفي وحدها لإضفاء الشرعية تعني أن السلطة تقرّ مسبقا بحق العنف
في اجتثاثها وتقرّ مسبقا بأنها موجودة بالرغم من الناس وتقبل مسبقا بالعيش في حالة
تأهب دائم واستعداد للحرب.
وإنه
لوضع صعب الاحتمال حتى بالنسبة لأعتى الطغاة لذلك يصبح اكتساب رضا الأغلبية
المشروع الأول لأي نظام سياسي يسعى للدوام.
والإشكالية الكبرى أمام أنظمتنا اليوم
أنها لا تستطيع الاعتماد على أي من مصادر الشرعية المعروفة أو بالأحرى أنها فشلت
فشلا ذريعا في التجذّر في أي منها.
إن أول
هده المصادر هي الشرعية التاريخية وترتكز على الماضي المجيد الذي اكتسبته السلطة
طوال فترة هامة من التاريخ شهدت انتصاب الدولة.
وتستند
بعض الأنظمة الملكية القديمة مثل النظام الأردني أو المغربي على مثل هذه الشرعية غير واعية أنها لم
تعد تكفي وفي نفس السياق يمكن القول أن أنظمة ''جمهورية '' تدعي أيضا هذا النوع من الشرعية مثلما هو
الحال في تونس أو الجزائر وذلك استنادا لما قدّمه حزب الدولة الجديدة من تضحيات
إبان معركة الاستقلال الأول.
إن العيب
في مثل هذا الادعاء هو أن الأجيال التي قدمت مثل هذه التضحيات قد انقرضت أما من
خلفها فهو لم يفي هذا متعة السلطة دون تقديم أي مقابل.
أما
المصدر الثاني للشرعية فهو التفويض الديمقراطي كما تعرفه بلدان عديدة مثل الهند
والسنغال ومالي وجزيرة مويشيوس وأغلب بلدان أمريكا اللاتينية.
ومن نافل
القول أن مثل هذا التفويض يمرّ إجباريا بانتخابات حرة ونزيهة تسبقها حياة
ديمقراطية تتمثل في حرية الرأي والتعبير وحرية التنظم واستقلال القضاء.
إن تاريخ أنظمتنا هو تاريخ التصدي للشرعية
الديمقراطية أو التحايل عليها وتزييفها وأحسن نموذج على هذه الاستراتيجية وفشلها
هو النظام التونسي الذي اعتقد أن بإمكانه إفراغ الديمقراطية من محتواها الحقيقي
بتزييف مظاهرها الخارجية وتقليدها.
والثابت
اليوم أن كل الأنظمة عاجزة عن استصدار تفويض ديمقراطي وبناء شرعيتها عليه لأنها
تدرك أصدق الإدراك أن الشعب سيلفظها في أول انتخاب حرّ لما ارتكبته من مظالم
وأظهرت من عجز ومن فساد.
وثمة
أخيرا ما يمكن تسميته بالشرعية عبر المشروع.
وفي إطار
هذا السيناريو يستولي الحاكم العربي على السلطة من صهوة الدبابة ثم يبدأ بالبحث عن
الشرعية عبر محاولة ترجمة أهداف الأمة ومطامحها آملا في توسع القبول والرضا بنجاحه
المطّرد في تحقيق المشروع.
إن ما تعيشه
الأمة من تمزّق وعجز وإذلال وصل ذروته في جنين أن المشاريع الأربعة التي حاولت
أنظمتنا بناء شرعيتها عليها قد انهارت جملة وتفصيلا.
وفي جنين انهار نهائيا مشروع الشرعية
بالوحدة العربية الإسمية الذي حاولت أنظمة مثل النظام السوري أو العراقي أو الليبي
تبرير وجودها به.
والحق أن هذا المشروع انهار برمته منذ
عقود لكن عمق تفسخه لم يبن للأعين للشارع العربي و إلا هو يرى الأنظمة ومن جملتها
الوحدوية تفضح عجزها وتشتتها وتفاهتها.
أليس من
المعبر أن الجهاز الجماعي الوحيد الذي يعمل بنجاعة هو مجلس وزراء الداخلية العرب
أي أجهزة القمع الموجهة ضدّ الشعوب في حين بقي الدفاع المشترك والقرار السياسي
المشترك والتنمية المشتركة أضغاث أحلام؟
وفي جنين
تبين عمق تفسخ وانهيار مشروع تحرير الأمة من الإمبريالية والصهيونية ومؤتمر الحضيض
المنعقد في بيروت لا يقدم سوى آخر مبادرات الاستسلام بعد أن عجزت الأنظمة طوال نصف
قرن عن فرض السلام العادل.
وفي جنين
تبين عمق تفسخ وانهيار مشروع الديمقراطية والكرامة وحرية الشعب وقد أطلقت الأنظمة
جيوشها البوليسية على المواطنين في الشوارع بعد أن تملكها الرعب من هذا المارد
النائم بعين واحدة التي لا تخشى شيئا قدر خشية صحوته.
وفي جنين
أيضا أتضح فشل مشروع التحديث والتصنيع ورفع مستوى الشعوب والفلسطينيون يبيتون على
الطوى شأنهم في هذا شأن أمة معدل
نموها اليوم صفر في المائة ونسبة البطالة %35 ومعدل المديونية من أكبر معدلات العالم ومئات
الملايير من الدولارات من الأسلحة الصدئة تشهد بعمق التبذير واللامسؤولية وقلة
الخبرة والكفاءة اللهم إلا في ميدان
البوليس والتجسس على المواطنين وقمعهم.
العدوّ
الحقيقي
لو عدنا
للقاسم المشترك بين كل الأنظمة لاكتشفنا أنها لا تتفق إلا على شيء واحد وهو أنها
ترمز للوطن وتمثله دون حاجة لتكليف المغيب الكبير أي المواطن العربي.
وما من شكّ أن هذا التغييب هو العنصر
الأساسي في الفشل حتى بالنسبة لنظام كالذي جاء به جمال عبد الناصر في الخمسينيات
فقد مثلت الناصرية النموذج الأمثل للشرعية عبر المشروع واستطاع خالد الذكر أن يفوز
برضا الشعوب العربية وتعاطفها معه إلى أن أخفق هو الآخر بدوره إذ تلاشت أحلام
الوحدة وذهبت حرب الاستقلال من الإمبريالية والصهيونية أدراج الرياح وتبخر حلم
التصنيع والتقدم الاقتصادي ولم يعد لأي مصري أو عربي أدنى وهم حول خواء شعارات
الحرية والكرامة.
كل هذا لأن عبد الناصر هو الآخر لم يقبل
بأخطار الحرية وفضل عليها انضباط المجتمع ولو تطلب الأمر أن تحكمه المخابرات، كل
هذا لأن مواطنيته كانت أقلّ بكثير من وطنيته، كلّ هذا لأنه لم يفهم أن الوطن لا
يكون كبيرا بمواطنين صغار، صغرّهم الخوف من المخبر وصغرهم تزييف إرادتهم عبر
انتخابات الزور والبهتان.
يبقى أن
عبد الناصر كان صادق النية وهو ما يجعل الضمير الجماعي للأمة يغفر له أخطاؤه لكننا
لا نستطيع أن نقول نفس الشيء عن الأنظمة التي تعاقبت منذ نصف قرن فهي لم تفعل شيئا
ولم تقدم أدنى تضحية ولم تتكلف حتى عناء إعطاء أدنى صبغة جدية لمشاريعها وإنما
بقيت تجاهد من البداية على النهاية للتشبث بالسلطة وقد أصبح هذا الأمر هاجسها
الأوحد والمبرر الحقيقي لوجودها والمحكّ الرئيسي لسياستها في الداخل والخارج.
ها نحن اليوم نعاني من انهيار المشاريع
التي تكلفت بها. لم تتحقق الوحدة بل تفككت البلدان التي تحكمها الأنظمة الوحدوية
سواء على سطح الأرض أو في العقول والقلوب وكذلك لم يتحقق الاستقلال الثاني وتعمقت
تبعيتنا لا للإمبريالية فقط وإنما للصهيونية ذاتها ولم يتحقق الإقلاع الاقتصادي بل
تعمق الفقر واستشرى بعد أن بذرت مواردنا في سلاح لم يوجه غلا لصدورنا ولم تتحقق
أحلام الكرامة إذ أصبحت أثقل ملفات انتهاك حقوق الإنسان في العالم عند المنظمات
الإنسانية الكبرى مثل منظمة العفو الدولية هي ملفات العرب.
تأتي جنين لتتوج كل هذا الفشل بتلّ من
الأجساد التي تصرخ كلها صامتة بإدانة النظام العربي الفاسد الذي تسبب في المجزرة:
نظام الاستبداد، الاستبداد بالرأي والقرار، الاستبداد بالمواطن، الاستبداد بالوطن.
وثمة قاعدة في التاريخ تجعل الرقاص ينطلق
في اتجاه إلى أن يبلغ أقصاه ثم هو يتوقف لحظة ليعاود الانطلاق في الاتجاه المعاكس
والتاريخ بحر فيه مدّ وجزر والدول تولد في العقول والقلوب سنينا وأحيانا عقودا قبل
أن تولد في الهياكل وفي السلطات.بنفس الكيفية تموت الدول والأنظمة في العقول وفي
القلوب قبل أن تنهار كمؤسسات وكهياكل سلطة وتسلّط.وفي شوارعنا العربية يضرب
البوليس بهراوات ثقيلة شبابنا لتجرح وتقتل لكنها هراوات وبنادق ترفعها'' روبوات ''
وتحركها أشباح ماتت وهي لا تعرف أنها ماتت.
وطيلة هذا الشهر سارت في شوارع المدن
العربية مواكب تشييع جنازة الأشباح بعد أن فقدوا كل شيء وخاصة الشرف وفي نفس الوقت
الذي كانت الأمة تشيع في فلسطين جنازة شهداء تحرر فلسطين من الاحتلال الخارجي
وتحرر العرب من الاحتلال الداخلي.
وفي هذه الأيام التاريخية التي نعيشها
يتزايد نضج البدائل التي ولدت من آلامنا تصنع ملامح مستقبل سيعود فيها للأمة مجدها
وللشعوب سيادتها وللأنظمة شرعيتها وللمواطنين كرامتهم.
رحم الله
شهداء جنين وكل فلسطين وشكرا لهم لأنهم أعطوا لكل حاكم عربي حجمه الحقيقي ووضعوا
كل محكوم عربي أمام مسؤولياته.
***
الجملكية
أو آخر مراحل تفسّخ النظام السياسي العربي
مما أذكره أنني مازحت صديقا لي بعد أولى الانتخابات التاسعة والتسعينية لبن علي
عام 1989 بقولي أنني أصبحت من أنصار الملكية فهذا نظام يوفر علينا على الأقلّ هذه
المهازل التي تصرف فيها أموال الشعب لإهانة ذكائه وتزييف إرادته ومصادرة حقوقه.
ضحك
الرجل وقال لي لو عرضت الفكرة لأصبحت من أقرب المقربين لبن علي فاستعذت بالله وقلت
له أنني أقصد رجوع حكم ''الباي'' محمد الأمين باشا الذي خلعه بورقيبة سنة 1957
واقترحت عليه أن نقصد مطعما شعبيا تديره حفيدة الملك المخلوع وهي آخر ما تبقي من
السلالة الملكية فنخطبها لعرش تونس ونشكل أول حزب ملكي في البلاد.
وبعد يومين عجت المدينة بشائعات كثيفة حول
نية المعارضة بالمطالبة بعودة النظام الملكي فصدق البعض وآثر آخرون أن ينسبوا
لأنفسهم هذه الدعابة المريرة التي تظهر ما آلت إليه أحلام آباؤنا حول نظام يعبر عن
آمال الجماهير ويخدم مصالحها ويستقي وجوده وشرعيته من تجدد الثقة بينه وبينها.
وكانت
هذه الانتخابات مجرد مرحلة في مسار الانحدار المتواصل للأحلام والقيم والمؤسسات
التي بني عليها مشروع الجمهورية في تونس وفي أكثر من قطر عربي وكان الرهان يومها
أننا سنحرر الإنسان العربي يوم نحرره من الملوك الطغاة وأنظمة مهترئة عفا عليها
الزمن فوضعنا أنظمة جعلتنا نتحسر على الملكيات رغم ما فيها من موبقات ونشاهد
استتباب نظام لا علاقة له لا بالجمهورية ولا بالملكية وإنما هو نظام مسخ سماه
البعض الجملكية.
ويوم 26
ماي 2002 عرفت تونس المقموعة انتصاب النظام الجملكي وهو نظام يزحف من الشرق العربي
نحو بلدان المغرب كما تزحف الثعابين والأنواء وسحب الإشعاعات وكما تتوسع الأزمات
السياسية والاقتصادية.
وربما حدّد المؤرخون بداية ا لظاهرة ومكان
انطلاقها الحقيقي أحسن مما أفعل. لكن الفرضية التي أتقدم بها إليهم لينطلقوا منها
نقدا ومراجعة أن الجملكية انتصبت أول مرّة في عراق سبعينيات القرن العشرين مع صدام
حسين ونقلها عنه حافظ الأسد في نفس الفترة في سوريا ثم انتشر الوباء جنوبا حيث
أعلنت في اليمن ثم انتقلت غربا لتنتصب في مصر و ليبيا في الثمانينات وأخيرا ها هي
تعلن في تونس وتتهيأ للانقضاض على موريتانيا بانتظار سقوط الجزائر ولم لا المغرب
يوم تصيبه الأقدار بمنقذ ينقذه من الملكية'' الرجعية'' ليحمله نحو ضفاف الجملكية
التقدمية الثورية الاجتماعية المعادية للصهيونية والإمبريالية والفساد الخ
وحيث أن
يوم انتصاب الجملكية في تونس ما زال قريبا منا وأننا عايشنا لحظة هامة في تاريخ
تفسّخ النظام السياسي العربي القديم، فلا بأس من التوقف عند ما جرى في بلد
الياسمين لاستنباط بعض القوانين العامة التي تحكم ظاهرة عجيبة نستفرد بها من دون
كل أمم الأرض التي ترسّخ، حتى في أفقر بلدان أفريقيا مثل مالي والنيجر والسنغال،
أنظمة ديمقراطية.
إذن صوّت
الشعب لقائده المفدّى بنسبة 99،5% وأعطاه محض رغبته الحصانة مدى الحياة والرئاسة
مدى الحياة وكل السلطات التي لم يكن يتمتع بها ولم تكن هناك سلطات من هذا القبيل،
كما وافق له الشعب على إحدى رغباته أي الحق في تتبع الخونة بوسائل لم يضبطها بعد
القانون ولكن يعتقد أن فيها من سيحرم ''الخونة '' من جنسيتهم التونسية.
وفي مثل
هذه الأمور صدق علي بن أبي طالب عندما قال:
''ما ظفر
من ظفر الإثم به والغالب بالشرّ مغلوب''
ولو
دققنا في الاستفتاء المزعوم الذي أقام الجملكية لرأينا كل الآليات التي تسند قيام
مثل هذا النظام العربي الجديد.
ثمة
الكذب المفضوح والمضحك بخصوص النتائج وثمة استخفاف بذكاء ناس يطلب منهم تصديق
أكاذيب يخجل من التفوّه بها الأطفال، وثمة التزييف كسياسة وخاصية للإدارة وثمة
القمع الشرس المترصّد بالجميع متمثلا في الإكراه والتهديد المبطن وتتبع المخالف في
الرأي.