الساحة الفلسطينية بين ردود الفعل والحسابات السياسية

ماجد كيالي

لم يكن مقدرا للهدنة التي أعلنها الفلسطينيون، في أواخر يونيو الماضي، الاستمرار بل على العكس من ذلك، إذ أن هذه الهدنة استمرت أكثر بقليل مما يجب، بحسب التوقعات. واللافت أن هذه الهدنة تم الإعلان عنها بعد محاولة الاغتيال الفاشلة لعبد العزيز الرنتيسي، القائد في حماس، وانتهت بعيد اغتيال إسرائيل لإسماعيل أبو شنب، أحد قياديي حماس، في غزة.

وفي الواقع فإن هذه الهدنة كانت مجرد إعلان من طرف واحد، هو الطرف الفلسطيني، الذي ابتغى منها تحقيق نوع من التفاهمات الداخلية، في حين أن إسرائيل أعلنت منذ البداية تنكرها لها، وامتعاضها منها، داعية السلطة إلى شن حرب أهلية لتفكيك البني التحتية لمنظمات المقاومة، أو "الإرهاب" بمصلحاتها.

ومن المعروف أن إسرائيل لم تكتف بهذا الموقف، إذ دأبت على القيام بكل ما من شأنه استفزاز الفلسطينيين، وتسعير التناقضات بينهم، بتلاعبها بالاستحقاقات المطلوبة منها في خطة "خريطة الطريق"، والمتمثلة بتفكيك النقاط الاستيطانية ورفع الحواجز والأطواق، وفك الحصار عن المدن الفلسطينية، والإفراج عن المعتقلين. لكن إسرائيل، عوضا عن ذلك، قامت بمسرحيات، عبرت عن استهتارها بكرامة الفلسطينيين وحقوقهم، بإفراجها عن 5 بالمئة من المعتقلين، وبتفكيكها بضع نقاط استيطانية، وبمحاولاتها فرض الأمر الواقع في القدس، وإصرارها على بناء "السور الفاصل"، وقيامها باقتحام المدن واغتيال الكادرات الفلسطينية.

ومن الأصل فإن الحكومة الإسرائيلية التي يتزعمها شارون، وهي حكومة يمينية متطرفة ومعادية لعملية التسوية، ظلت ترفض العودة إلى المسار السياسي، لإبقاء الصراع مع الفلسطينيين في المربع الأمني، إدراكا منها أن المسار السياسي يكشف حقيقتها أمام العالم، ويضعها أمام الاستحقاقات المطلوبة منها، في حين أن البعد العسكري، يظهر الصراع مع الفلسطينيين، وكأنه صراع بين طرفين متكافئين! ما يتيح لها الربط بين الحرب الدولية ضد الإرهاب وبين حربها ضد المقاومة الفلسطينية، وبالتالي، فإن ذلك يتيح لها، أيضا، تحقيق غايتها بالتحرّر من عملية التسوية وتغطية استفرادها بالفلسطينيين وبطشها بهم، في إطار محاولاتها كسر إرادتهم وفرض املاءاتها السياسية عليهم.

اللافت للانتباه، في هذا المجال، أن الفلسطينيين وفي كل مراحل الانتفاضة سهّلوا، من حيث يقصدون أو لا يقصدون، على حكومة شارون تحقيق هذه السياسة بقبولهم الاستدراجات الإسرائيلية، المتمثلة بعمليات الاغتيال لبعض قيادييهم، بمسارعتهم إلى نقل الصراع إلى دائرة المواجهات العسكرية العنيفة.

ومعروف أن هذا الأمر، حصل مرارا وتكرارا، مثلا، بعد الهدنة التي تحققت أواخر العام الأول من الانتفاضة، والتي جرى إنهاؤها بعيد اغتيال إسرائيل لرائد الكرمي، القائد في كتائب الأقصى (يناير 2001)، كما حصل ذلك بعد اغتيال كل من صلاح شحادة، القائد في كتائب عز الدين القسام (يوليو 2002)، وإبراهيم المقادمة، من قادة حماس (مارس 2003)، مرورا بمحاولة الاغتيال الفاشلة لمحمد ضيف القيادي في حماس (سبتمبر2002).

وللأسف فقد حصل ذلك، مجددا، عبر عملية تفجير الحافلة في القدس (19/8) التي جاءت ردا على اغتيال محمد سدر، القيادي في الجهاد الإسلامي، برغم من معرفة الفلسطينيين أن عمليات الاغتيال هذه هي ضمن خطة إسرائيلية مبيتة لاستفزازهم للخروج من المسار السياسي، إلى دائرة الصراع العسكري، الذي ترى إسرائيل فيه مهربا من الاستحقاقات السياسية ووسيلة لإخضاع الفلسطينيين لاملاءاتها.

وفي كل الأحوال فإن عملية التفجير في القدس لا بد ستؤثر كثيرا على مكانة السلطة الفلسطينية، في العالم وفي المجتمع الفلسطيني، كما ستوتّر العلاقات بين السلطة والمعارضة، وستضفي نوعا من الصدقية على مطالب إسرائيل المتعلقة بتفكيك بنية المقاومة ورفض التقدم في أي مسار سياسي.

وعلى سبيل المثال، فقط، فقد استغلت إسرائيل عملية تفجير مطعم سبارو في القدس (أغسطس 2001) للقيام باحتلال "بيت الشرق" وحظر نشاطات مؤسسات السلطة في القدس، ومنع الفلسطينيين من التوجه للمسجد الأقصى، بحيث أخرجت مدينة القدس من الانتفاضة. وبعد عمليات تفجيرية في حيفا والقدس (سبتمبر 2001) قامت إسرائيل بتدمير مؤسسات السلطة ومنها مطار غزة، وفرضت منذ حينها الحصار على الرئيس الفلسطيني. أما بعد عملية التفجير في نتانيا (أواخر مارس 2002) فقد قامت إسرائيل بشن حملة "السور الواقي"، التي أعادت فيها احتلال المدن الفلسطينية، وأمعنت فيها قتلا وتدميرا.

وفي الحقيقة، وعلى ضوء ذلك، فقد آن للفلسطينيين أن يدركوا أن الصراعات السياسية لا تتعلق بردود الفعل، وأنها تخضع لحسابات عقلانية واستراتيجية، خصوصا في صراع معقد ومتداخل مثل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.

والأحرى أن الفلسطينيين باتوا بحاجة للإدراك بأنهم، أصلا، لم يعودوا بحاجة لإثبات قدرتهم على الصمود والمقاومة، أو للإثبات بأنهم شعب شجاع ومضحّي وصاحب كرامة. ولذلك فهم لم يكونوا بحاجة لتأكيد قدرتهم على توجيه ضربات موجعة لإسرائيل، ردا على إمعانها في أعمال القتل والتدمير ضدهم، فقد أثبتوا ذلك مرارا وتكرارا، برغم الاختلال في موازين القوى لصالح إسرائيل، وبرغم الحصار والأطواق والتنكيل، الذي يعانون منه، على مدار ثلاثة أعوام تقريبا.

 ولعل الشيء الأهم للفلسطينيين، بعد كل التجارب والأزمات التي مروا بها، أن يثبتوا لأنفسهم ولغيرهم، بأنهم شعب قادر على تحويل بطولاته وتضحياته ومعاناته، إلى إنجازات سياسية، أي إلى وقائع على الأرض، سواء في مواجهة عدوهم أو في أطار بناء المجتمع الفلسطيني؛ وهو الأمر الذي يعجزون عنه.

المعنى من ذلك أن الفلسطينيين معنيين، وأكثر من أي وقت مضى، بمواجهة ومعالجة هذه المعضلة المزمنة، التي تحيط بكفاحهم، والتي تتمثل بتأزّم أو باستعصاء عملية التحويل والبناء، إلى درجة باتت معها كلفة نضال الفلسطينيين ومعاناتهم وتضحياتهم، البشرية والمادية والمعنوية، لا تتناسب على الإطلاق مع العوائد المرجوة منها، على كافة الأصعدة، هذا إذا لم تكن على الضدّ من ذلك.

في هذا الإطار لعله من المفيد عرض جردة لحساب الخسائر الفلسطينية، من الناحية البشرية، من دون أن ننسى الخسائر المعنوية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي تكبدها الشعب الفلسطيني، خلال بعض مراحل كفاحه العنيد والمديد والمرير ضد المشروع الصهيوني وإسرائيل.

مثلا، في ثورة الأعوام 1936 ـ1939 قدرت خسائر الفلسطينيين بحوالي سبعة آلاف شهيد و عشرين ألف جريح، (وحوالي خمسين ألف معتقل)، بمجموع قدره 77 ألفا من سكان لا يتجاوز عددهم المليون. وفي انتفاضة الأعوام 1987 ـ 1993، بلغت خسائر الفلسطينيين، حوالي 1600 من الشهداء، و135 ألفا من الجرحى، و 112 ألفا من المعتقلين، بمجموع قدره ربع مليون فلسطيني، من حوالي 3 مليون فلسطيني، في الضفة والقطاع. وفي ما يقارب الثلاثة أعوام من الانتفاضة الحالية، بلغت خسائر الفلسطينيين، حوالي 3300 شهيد و40 ألف جريح وعشرات الألوف من المعتقلين، بقي منهم في السجون، حتى الآن، حوالي 6 آلاف معتقل، من ثلاثة ملايين ونصف مليون فلسطيني.

وللعلم فإن مجموع ما تكبده الإسرائيليون، منذ بداية المشروع الصهيوني،  حتى مايو الماضي، بلغ 21.540 قتيلا، و 88 ألف من الجرحى؛ 19 ألفا، فقط، لقوا مصرعهم بعد قيام إسرائيل.(معاريف 4/5/2003) ومن ضمن هؤلاء حوالي 800 إسرائيلي، قتلوا في عمليات المقاومة الوطنية اللبنانية، خلال 18 عاما (1982 ـ 2000) بمعدل 4 إسرائيليين في الشهر، وثمة 383 إسرائيلي، قتلوا خلال الانتفاضة الفلسطينية(1987 ـ 1993) بمعدل 5 إسرائيليين في الشهر، وثمة حوالي 850 إسرائيليا، قتلوا خلال الانتفاضة الحالية.

طبعا ليس المقصود تحميل الفلسطينيين، لوحدهم، مسؤولية الإخفاق في هذه المعركة الممتدة، فثمة قسط كبير من المسؤولية يقع على عاتق الظروف الموضوعية (الدولية والإقليمية). ولكن المقصود لفت انتباههم إلى هذا الواقع غير الطبيعي ووضع حد له، بتغيير المعادلات السياسية التي يتشبثون بها، ويشتغلون عليها، منذ حوالي نصف قرن. ليس، فقط، بسبب الإخفاقات التي أدت إليها، وإنما بسبب التغيرات التي باتت تحيط بأوضاعهم وبقضيتهم، على مختلف الأصعدة، الفلسطينية والعربية والدولية، وأيضا الإسرائيلية.

لقد بيّنت التجربة أن الفلسطينيين بحاجة ماسة إلى الخروج من نطاق الأيدلوجية إلى الواقعية ومن المطلقات إلى النسبيات ومن أسر العواطف إلى العقلانية.