الدولة ثنائية القومية كعنوان للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي

ماجد كيالي

باتت فكرة الدولة "ثنائية القومية" تحظى بحيّز أكبر، في المساجلات والتجاذبات السياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، في الآونة الأخيرة، وذلك على خلفية إخفاق عملية التسوية، بانهيار اتفاقات "أوسلو"، وتعثّر تنفيذ خطة "خريطة الطريق"، كنتيجة طبيعية لمحاولات إسرائيل تغييب الفلسطينيين وفرض املاءاتها السياسية عليهم، وممانعتها إقامة دولة فلسطينية مستقلة؛ برغم من أن هذا الأمر بات مفروغا منه في الوعي السياسي الإسرائيلي، بعد أن كان من المحرمات.

وبغض النظر عن الخلفية التاريخية لنشوء فكرة "الدولة ثنائية القومية"، قبيل قيام إسرائيل، فقد كان ساري نسيبه أول مبادر لطرحها مجددا، في إطار التداول السياسي (في أواخر الثمانينات)، وعلى خلفية الدفع الذي شكّلته الانتفاضة الفلسطينية، آنذاك. ثم نضجت هذه الفكرة بفضل الأطروحات الأكاديمية الغنية التي قدمها كل من أسعد غانم ونديم روحانا وسعيد زيداني وكمال الخالدي، ولكنها أخذت شرعيتها وزخمها، في النقاش الفلسطيني، بتبني عزمي بشارة وإدوارد سعيد لها، بحكم مكانتهما السياسية والفكرية المتميزة في الساحتين الفلسطينية والعربية، وعلى الصعيدين الإسرائيلي والدولي، وتعاملهما مع وسائل الإعلام.

واللافت للانتباه أن معظم المشتغلين على هذه الفكرة هم إما من مثقفي الداخل(1948 و1967)، الذين يعكسون هموم مجتمعهم وقلقهم على هويته ومصيره، متأثرين بتجربة التعايش السلمي والصراعي مع الإسرائيليين، بالوسائل الديمقراطية والمدنية؛ أو من المثقفين الذين يعيشون في الغرب متأثرين بالعقلية الليبرالية وبالأنظمة الديمقراطية، خصوصا، أنهم أكثر إطلاعا على مدى قوة الغرب واحتضانه لإسرائيل، في تحسسهم لمأساة شعبهم وإدراكهم لهشاشة الوضع العربي.

ويكتسب طرح هذه الفكرة أهميته من واقع أن الفلسطينيين، حتى الآن، لا يقبلون بأقل من انسحاب إسرائيل من كامل الضفة والقطاع، مقرونا باعترافها بحق العودة للاجئين إلى ديارهم وأراضيهم، التي شردوا منها عام 1948. أما إسرائيل فهي ترفض تفكيك المستوطنات وحق العودة والانسحاب إلى حدود 4 يونيو، وتتمسّك بطابعها كدولة يهودية؛ ما سيفضي، في حال بقاء الاحتلال، إلى قيام دولة "أبارثيد"، بالنظر لرفض إسرائيل إعطاء المواطنة الإسرائيلية للفلسطينيين في الضفة والقطاع.

وفي مقابل هذا الاستعصاء على الجانبين فإن مشروع الدولة "ثنائية القومية"، المفترض قيامها في فلسطين التاريخية، يبدو أكثر تلبية لطموحات الفلسطينيين، وأكثر استجابة لمخاوف (أو بالأحرى) لادعاءات الإسرائيليين.

والحل المتعلق بالدولة "الثنائية القومية"، يمكن اعتباره بمثابة حلا وسطا، فهو يتجاوب، في آن معا، مع طروحات الانفصال والطموحات القومية للطرفين المتصارعين ومع تعقيدات الصراع بينهما. وبمعنى أخر فإن هذه الدولة تشكل حلا وسطا، بين فكرتي الدولتين، والدولة "الديمقراطية العلمانية" في فلسطين.

وتنطلق هذه الفكرة من عدم جدوى الصراع الدامي والمرير بين الفلسطينيين والإسرائيليين، إذ لا يستطيع الفلسطينيون بقواهم الخاصة هزيمة إسرائيل وفرض الانسحاب عليها من أراضيهم، ولا تستطيع إسرائيل فرض الاحتلال على الفلسطينيين إلى الأبد. ومن أن الواقع الديمغرافي المتداخل وشبكة الاعتمادية والمصالح المتبادلة تحتم على الطرفين إيجاد صيغة من التعايش المشترك بدلا من الانفصال. وعلى أساس أن الحل التوحيدي (الديمقراطي وثنائي القومية) يمكن أن يشكل مدخلا لتذويب مختلف عناصر الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي وبالخصوص من ذلك قضايا: اللاجئين والقدس والاستيطان والحدود والموارد المشتركة، كما أنه يلبي مصالح الطرفين وتطلعاتهما القومية.

وعلى هذا فإن مشروع الدولة "ثنائية القومية"، كما قدمنا، يتيح للفلسطينيين، تجسيد حقوقهم المشروعة في العودة وتقرير المصير والاستقلال (النسبي)، وفوق ذلك فهو يصون وحدة أرضهم ويمكنهم من استعادة وحدة شعبهم، وتنمية ثقافتهم وهويتهم القومية. أما من ناحية اليهود في إسرائيل، فإن هذه الدولة تتيح لهم الحفاظ على هويتهم الثقافية والقومية، والحفاظ على طبيعة نظامهم الديمقراطي، والتعايش مع الفلسطينيين في نطاق إقليمي واحد، ثنائي القومية.

ولعل هذه الفكرة باتت، أيضا، موضع اهتمام متزايد لمجموعة من المفكرين والمثقفين الديمقراطيين والعلمانيين والحداثيين في إسرائيل. حيث نشر آري شبيط تقريرا، في ملحق هآرتس (9/8)، تحدث فيه عن تحول شخصيتين كبيرتين من الوسط الثقافي والأكاديمي، هما ميرون بنفنستي، الباحث ونائب رئيس بلدية القدس سابقا، وحاييم هنغبي من نشطاء "ماتسبن" سابقا ومن قادة كتلة السلام حاليا، إلى تبني فكرة إنشاء دولة واحدة "ثنائية القومية"، تمتد بين النهر والبحر.

يقول هنغبي: دولة واحدة للشعبين. دولة مشتركة ثنائية القومية.. لا يوجد بديل آخر لتسوية النزاع..عندما تبنيت في الثمانينات حل الدولتين أقدمت على ذلك بصعوبة..في السنوات الأخيرة أدركت أنني ارتكبت خطأ. فقد تعاملت بجدية مع الأقوال الإسرائيلية ولم أعر انتباهي للأفعال الإسرائيلية. وعندما تبين أن المستوطنات اليهودية قد ازدادت، أيقنت أن إسرائيل فوتت الفرصة التي اتيحت لها، عندئذ توصلت إلى استنتاج بأن إسرائيل لا تستطيع التخلص من طبيعتها التوسعية، وأنها مشدودة من رأسها حتى قدميها إلى إيديولوجيتها وممارستها المؤسسة على الظلم والاضطهاد.. لا يمكن التعايش مع ظلم كبير إلى هذا الحد..أنا لا اعتقد أن هناك إمكانية في الوقت الراهن لحشد الجماهير وراء فكرة دولة ثنائية القومية..أنني افعل ذلك بدون أوهام، صحيح أن ما نقوم به حاليا يقتصر على نفر قليل، لكن يبدو لي أن من الجدير تسجيل هذا الخيار منذ الآن..من يريد ضمان وجود تجمع يهودي في هذه البلاد لا بد له من التحرر من النمط الصهيوني. لا بد من الانفتاح.. لا مفر من التخلي عن محاولة تحقيق سيادة يهودية مغلقة ومحاطة بالأسوار.

أما بنفنستي فيقول: "لا جديد في الأمر. قلت منذ مطلع الثمانينات أن تقسيم البلاد أصبح مستحيلا وان عملية بناء المستوطنات والاستيلاء على الأراضي خلقت واقعا لا رجعة عنه.. فلا اوسلو ولا جدار الفصل ولا الحديث عن دولة فلسطينية باستطاعتها تغيير الوضع. الواقع الذي نعيش فيه اليوم أضحى واقعا ثنائي القومية، لم يعد بالامكان تجاهله أو التنكر له..ينبغي ملاءمة تفكيرنا ومفاهيمنا مع هذا الواقع..يجب طرح الأسئلة الصحيحة حتى لو كانت تولد شعورا بأنك تخون الصهيونية، وتتخلى عن الحلم بإقامة دولة قومية يهودية في ارض إسرائيل..لن ننجح في الوصول إلى وضع يتخلى فيه الفلسطينيون حقا عن حق العودة ويتخلى فيه المستوطنون حقا عن "بيت ايل". ووضع يتخلى فيه عرب إسرائيل عن مطالبتهم بحقوق جماعية. وهكذا الحل العقلاني ظاهريا، والداعي إلى دولتين لشعبين، لا يملك فرصة التحقق أو النجاح..ينبغي محاولة التوصل إلى وضع يقوم على المساواة الفردية والجماعية في إطار نظام واحد شامل في كل أجزاء البلاد..آن الأوان للاعتراف بان "الثورة الصهيونية" انتهت..لقد كانت الفكرة الصهيونية مشوهة سلفا. فهي لم تأخذ بنظر الاعتبار وجود مجموعة قومية أخرى في البلاد..لقد تحولت (الصهيونية) إلى ضحية لانتصارها، ضحية لتاريخ فظيع من الفرص الضائعة.

وبغض النظر عن مدى عمق هذا النقاش الإسرائيلي فإن توجه الفلسطينيين لتبنّي مطلب إقامة دولة "ثنائية القومية" (عربية ـ يهودية)، على كامل أرض فلسطين التاريخية، هو بمثابة تحدٍ سياسي وأخلاقي، لإسرائيل، التي تدعي الحداثة والديمقراطية والتي تطرح قيام دولة فلسطينية وفق محدداتها وقيوداتها العنصرية والاستعمارية. أما إسرائيل، فهي إزاء هذا التحدي، ستكون معنية بتوضيح ما تريده، حيث لا يمكنها الحفاظ على الجغرافيا والديمغرافيا، في آن معا، إذ أن هذا الوضع سيضعها في تناقض إما مع حدود ديمقراطيتها أو مع حدود يهوديتها.

وإزاء هذا التحدي ستجد إسرائيل نفسها مضطرة للاختيار بين الانسحاب من الأراضي المحتلة، للحفاظ على طابعها كدولة الأكثرية اليهودية (في حدود إسرائيل)، أو البقاء في هذه الاراضي والتخلي عن طابعها، مقرونا بالضرورة بالتخلي نظامها الديمقراطي، والتحول إلى دولة أبارثايد في كل إسرائيل/ فلسطين، كونها لابد ستقاوم (ولو إلى حين)، واقع كونها باتت دولة "ثنائية القومية".

من المهم وضع إسرائيل أمام خيارات وتحديات حقيقية، سواء أمام نفسها أو أمام العالم، طالما أنها تمانع قيام دولة فلسطينية على 22 بالمئة من الأرض الفلسطينية.