ماذا لو غيّر الفلسطينيون مطلبهم
من دولة مستقلة إلى دولة ثنائية القومية؟

ماجد كيالي

برغم من أن الاعتراف بحق الفلسطينيين بإقامة دولتهم المستقلة، في الضفة والقطاع المحتلين، بات أمرا مفروغا منه في الوعي السياسي الإسرائيلي، من اليسار إلى اليمين، ومن يوسي بيلين إلى أريئيل شارون، بعد أن كانت من المحرمات تقريبا، فإن إسرائيل ما زالت مترددة أو غير قادرة على الحسم بهذه المسألة على أرض الواقع.

والحديث هنا لا يدور فقط عن الثمن الباهظ الذي تطالب إسرائيل الفلسطينيين بدفعه، مقابل موافقتها على تجسيد حقهم في دولة مستقلة، والذي يهدر حقوقهم في الحدود والقدس واللاجئين، ولا عن محاولة إسرائيل فرض املاءاتها بوسائل القوة والإرهاب، ولا حتى عن التسلّي ببدعة "إنهاء الصراع"، إذ أن الحديث هنا يدور عن انشغال الإسرائيليين بتبرير هذه "الصفقة"، المفترضة، وتجريدها ليس فقط من القيم الأخلاقية، التي تستند إلى مفاهيم الحق والعدالة، وإنما حتى من المفاهيم السياسية المتعلقة بالمصالحة أو بالمساومة التاريخية.

فالخطاب السياسي لدى الإسرائيليين، ينظر إلى عملية التسوية، المتمثلة بقيام دولة فلسطينية، على الأغلب، وكأنها تسوية بين الإسرائيليين أنفسهم، أكثر مما ينظر إليها باعتبارها تسوية مع الفلسطينيين. وتفسير ذلك أن التسوية، بالنسبة لهم تمسّ، مباشرة أو مداورة، تعريفهم لدولتهم ولهويتهم ولحدودهم: الجغرافية والبشرية والسياسية، كما لدورهم في هذه المنطقة، من جانب؛ وهي من جانب ثان تفرض عليهم مراجعة المرتكزات التقليدية للأيدلوجية الصهيونية، التي تأسست على مقولات من نوع:"أرض الميعاد"، و"أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، ما يمس مبررات قيام إسرائيل ويشكك في أخلاقية قيامها.

في هذا الإطار شاع في الخطاب الإسرائيلي مؤخرا استخدام مفهوم "الفصل" ولو من طرف واحد "نحن هنا وهم هناك"، إلى جانب مفهوم الدولة الفلسطينية، وذلك بالتوازي مع بدء بناء "السور العازل"، في تعبير عن يأس الإسرائيليين من قدرتهم على فرض السيطرة على الفلسطينيين، ولكن هذا المفهوم، من ناحية أخرى، يظهر وكأنه تغطية لخطة إسرائيلية للانتقام من الفلسطينيين بعزلهم، في كانتونات، أكثر من الرغبة بعقد تسوية معهم.

المهم أن التعبيرات الإسرائيلية، سواء جاءت على شكل الموافقة على منح الفلسطينيين دولة أو الانفصال عنهم( باتفاق أو من دونه)، فإن تبريراتها ليس لها علاقة بالاعتراف بحقوق الفلسطينيين ولا بمصالحهم ولا حتى بإنسانيتهم. وفي الواقع فإن الإسرائيليين، يتعاملون، في هذا الأمر، انطلاقا من اعتبارات أهمها:

 أولا،  أنهم يرون في التسوية مصلحة لهم، لأنه سينتج عنها التخلّص من الخطر الديمغرافي، والحفاظ على الطابع اليهودي لإسرائيل.

ثانيا، أن التسوية ستتيح لهم التخلص من العبء الأمني والسياسي والاقتصادي والأخلاقي، الذي أنتجه واقع الاحتلال وواقع صمود الفلسطينيين ومقاومتهم العنيدة له.

ثالثا، أن مصلحة إسرائيل باتت تفترض التكيف مع المتغيرات الدولية ومسارات العولمة، التي جعلت العلم والتكنولوجيا والقوة الاقتصادية والمالية، الأساس في تحديد مكانة الدول على حساب العناصر التقليدية التي تستند إلى المساحة وعدد السكان والقدرة العسكرية.

رابعا، أن الانفصال عن الفلسطينيين والتخلص من الاحتلال بات في نظر إسرائيل خطوة ضرورية للحفاظ على صدقية النظام الديمقراطي المخصص لليهود. فالعرب زائدون عن الحاجة ومجرد ديكور؛ ومن ناحية ثانية فإن هذا الأمر بات ضرورة لها لتجنيب الإسرائيليين التشويهات الأخلاقية التي يلحقها بهم "احتلالهم" وعنفهم ضد الفلسطينيين! أما التشويهات أو الدمار التي تلحق بالفلسطينيين، فهذه ليست واردة كثيرا في حسبانهم!

بناء على ذلك يبدو طبيعيا أن تتجاهل التسوية الإسرائيلية مصالح الشعب الأخر وحقوقه، وأن لا تبالي بصوغ أية عناصر مستقبلية تتعلق بالعيش المشترك معه، بحكم الجغرافيا والديمغرافيا. فالأخر، بالنسبة للإسرائيليين، لا يظهر إلا في السياق، وليس على اعتباره شعبا أو حتى شريكا؛ فإسرائيل والشعب اليهودي هما المطلق والقيمة العليا.

على ذلك تبدو الدعوة لإقامة دولة فلسطينية، أو للفصل ولو من طرف واحد، عند عامي أيالون (الرئيس السابق للشاباك) كضرورة لتجنيب إسرائيل الخطر الديمغرافي الزاحف، الذي يمكن أن يكون (برأيه) كفيلا باختفاء إسرائيل ككيان صهيوني. ويؤكد على ذلك شمعون بيريز بقوله:"نحن نخلّص أنفسنا..يعتبر استمرار وضع الّلا حل بالنسبة للفلسطينيين حلا بحدّ ذاته: الخط الأخضر يختفي والديمغرافيا وحدها هي التي ستحسم الأمر..نحن لا نتمتع بمثل هذا الامتياز، فإما أن نحافظ على أغلبية يهودية هنا وإما إن تضيّع الدولة. ليس لدينا الوقت، وضعنا يصبح أسوأ من عام لآخر".(هآرتس 1/10/2002) وحتى أن الرئيس جورج بوش ضمن خطابه (يوم 24/6/2002) المتعلق برؤيته للتسوية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، اعتباره لقيام الدولة الفلسطينية مصلحة خاصة لإسرائيل.

واللافت أن إسرائيل لم تأخذ بخيار ضم الضفة الغربية، برغم اعتبارها في الرواية الصهيونية "أرض الميعاد"، ما يقوض هذه الرواية الخرافية، ويؤكد أن الاعتبارات السياسية والبرغماتية هي التي توجه دفة السفينة الإسرائيلية. ومؤخرا وصل شارون إلى هذه القناعة، باعترافه أنه لا يمكن لإسرائيل أن تتحمّل الاحتلال، لأنه مضر لها ولاقتصادها ولأمنها، وأنه لا يمكن لها الاستمرار في السيطرة على 3.5 مليون فلسطيني، برغم كونه زعيم حزب الليكود اليميني القومي المتطرف.

طبعا لسنا بحاجة إلى دعايات أو لوجهات نظر مسبقة للتدليل على عنصرية إسرائيل وطابعها الاستعماري، فهذه الدولة التي تؤكد على أنها حالة شاذة في تكوينها وفي ثقافتها، تصرّح بذلك جهارا، خطابا وممارسة، فهي بنفس الوقت: دولة علمانية ويهودية، وهي دولة حداثية وأيضا تبرر ذاتها بالأساطير والرموز الدينية، وهي دولة ديمقراطية ولكن ذلك لا يشمل مواطنيها العرب، لأنهم بالنسبة لها مجرد "أغيار" أو "غوييم". وبالبداهة فإن الديمقراطية الإسرائيلية تبرر احتلال شعب آخر والسيطرة عليه بوسائل القوة، لأن المصلحة الإسرائيلية(الأمن والمياه على الأقل) تفترض ذل‍‍ك!‍‍

إزاء كل ذلك وإزاء رفض إسرائيل التسليم، من الناحية العملية، بإنهاء الاستيطان والاحتلال، وممانعتها تمكين الفلسطينيين من إقامة دولتهم، المقترن بإصرارها الحفاظ على استمرار سيطرتها على الضفة والقطاع، بدعاوي أمنية وديمغرافية ومائية وأيدلوجية، فإن الفلسطينيين معنيون بتغيير المعادلات السياسية القائمة، طالما ليس في مقدورهم تحقيق مطلبهم بالدولة المستقلة.

وفي هذا الإطار فإن توجه الفلسطينيين للمطالبة بإقامة دولة "ثنائية القومية" (عربية ـ يهودية)، على كامل أرض فلسطين التاريخية، هو التحدي السياسي والأخلاقي، الذي يمكن توجيهه للإسرائيليين، الذين مازالوا يطرحون إمكانية قيام دولة فلسطينية وفق محدداتهم وقيوداتهم العنصرية والاستعمارية.

صحيح أن الفلسطينيين سيخسرون مرحليا حلمهم ومطلبهم بالدولة المفترضة، لكنهم على المدى الاستراتيجي، سيحفظون وحدة أرضهم التاريخية ويحققون وحدة شعبهم. أما من وجهة نظر الصراع ضد المشروع الصهيوني فإن هذا الأمر يمكن أن يشكل هزيمة تاريخية له، فالدولة "ثنائية القومية"، ربما، تقوض مشروع الدولة اليهودية ـ الصهيونية، وقد تخلق المجال، لاحقا، لفتح مسارات تحول الدولة الثنائية إلى دولة لكل مواطنيها، أو إلى دولة ديمقراطية علمانية.

المهم أن الحل المتعلق بالدولة "الثنائية القومية"، يمكن اعتباره بمثابة حلا وسطا يتجاوب، في آن معا، مع طروحات الانفصال والطموحات القومية للطرفين المتصارعين ومع تعقيدات الصراع بينهما، التي تجعل من الانفصال شيئا مستحيلا أو تعبيرا، ولو غير مباشر، عن استمرار الاحتلال وسيطرة شعب على شعب أخر.

أما إسرائيل، فهي إزاء هذا التحدي، ستكون معنية بتوضيح ما تريده. إذ لا يمكن لإسرائيل الحفاظ على الجغرافيا والديمغرافيا، في آن معا، لأن هذا الوضع إما سيضعها في تناقض مع حدود الديمقراطية أو مع حدود اليهودية. وعليها حينها أن تختار، إما الحفاظ على طابعها كدولة الأكثرية اليهودية، في حدود إسرائيل، أو التخلي عن هذا الطابع وأيضا عن كونها دولة ديمقراطية، بالتحول إلى دولة أبارثايد في كل إسرائيل/ فلسطين، كونها لابد ستقاوم، ولكن إلى حين، واقع كونها باتت دولة "ثنائية القومية". المهم آن الأوان لوضع إسرائيل أمام خيارات وتحديات حقيقية، سواء أمام نفسها أو أمام العالم.