اتفاق "جنيف": خلفيته التاريخية وأبعاده السياسية

ماجد كيالي

لم يكن اتفاق "جنيف" المتضمن صيغ عامة لتسوية نهائية لقضايا الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، والذي تم الإعلان عنه في عمان مؤخّرا، فريد نوعه في مسار التفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

إذ عرفت هذه الساحة التفاوضية، قبل سنوات، تفاهمات عباس ـ بيلين، التي تم التوصل إليها بين أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وواحد من أهم زعماء اليسار الإسرائيلي، كما عرفت تفاهمات بيريز ـ أبو علاء (أحمد قريع) في مطلع العام 2002، وشهدت إعلان نسيبة ـ أيالون (أواخر العام 2002)، الذي تم التوصل إليه بين ساري نسيبه المسؤول السابق عن ملف القدس وعامي أيالون رئيس جهاز الشاباك (سابقا). أما الاتفاق الحالي فقد جرت بلورته في عملية طويلة استغرقت بضع سنوات، بين طواقم عمل ترأسها من الجانب الفلسطيني ياسر عبد ربه وزير الإعلام، ويوسي بيلين رئيس حركة "شاحر"، والقيادي السابق في حزب العمل.

وعدا عن التفاهمات الثنائية، فقد شهدت الساحة الإسرائيلية مبادرات فردية وجماعية، أطلقت من قبل أحزاب أو سياسيين ومفكرين، لوضع حد للصراع مع الفلسطينيين. ولعل واقع التعددية السياسية والثقافية في إسرائيل، وتقاليد الحياة الديمقراطية، والصراعات السياسية والحزبية، ساهم في إتاحة المجال للإسرائيليين، بصورة أكثر من الفلسطينيين، لإطلاق المبادرات في هذا الشأن.

وللإنصاف فإن السبب الأساسي في ذلك إنما يكمن في التمايز بين اعتبارات ومكانة الطرفين المعنيين، إزاء القضايا المطروحة، فالإسرائيليين يقدمون مقترحات التسوية من موقع القوة والسيطرة ومن فائض الأراضي التي احتلوها، في حين أن الفلسطينيين يقدمون على ذلك وكأنهم يقتطعون من لحمهم الحي، أي من حقوقهم وتاريخهم وهويتهم.

على ذلك فمن الطبيعي أن تبدو الساحة الفلسطينية وكأنها خالية، إلى حد ما، من هكذا مبادرات للتسوية، اللهم إلا تلك المبادرات أو الإعلانات التي تصدر عن شخصيات فلسطينية تحظى على تغطية أو على دعم، مباشر أو غير مباشر من القيادة الفلسطينية الرسمية، والتي تتوخّى بدورها إرسال إشارات معينة للجانب الإسرائيلي، بين الحين والأخر.

وما يفسّر خلو الساحة الفلسطينية من أي مبادرة فردية أو جماعية، للتسوية مع إسرائيل، سيطرة الفصائل الفلسطينية على المجال السياسي وغياب تقاليد الحياة الديمقراطية وتدني مستوى الثقافة السياسية وانعدام شعبية ثقافة التسوية أو التعايش مع إسرائيل، باعتبارها من المحرمات، في المجتمع الفلسطيني، الذي عانى ومازال الأمرّين جراء المظالم والاجحافات التي ارتكبت بحقه، من قبل الدولة التي اصطنعت على خرابه ونكبته، في وجوده وأرضه وحقوقه.

أما أهم مبادرة رسمية فلسطينية (أحادية) بشأن التصورات التفصيلية المتعلقة بعملية التسوية مع إسرائيل، فهي تتمثل بالوثيقة التي قدمها الوزير الفلسطيني نبيل شعث إلى إدارة الرئيس بوش، ممثلة بوزير الخارجية كولن باول ومستشارة الأمن القومي كونداليزا رايس (أواخر مايو 2002). وفي الحقيقة فإن هذه الوثيقة، بدورها، كانت بمثابة خطوط عامة موسعة للنقاط التي كان طرحها الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، في مقالة نشرها، تحت عنوان: "هذه رؤيتي للسلام"، في صحيفة نيويورك تايمز في فبراير من العام 2002.

وجدير بالذكر أن هذه المقالة نشرت في مناخات الحرب الأمريكية ضد الإرهاب (بعد حدث 11 سبتمبر 2001)، وبعد إسقاط نظام طالبان في أفغانستان، وفي ظروف اتهام القيادة الفلسطينية بأنها تدعم الإرهاب (إثر الكشف عن باخرة السلاح كارين أي)، وفي بداية السعي الإسرائيلي لعزل القيادة الفلسطينية وتدمير مؤسساتها، وأيضا في سياق محاولات الإدارة الأمريكية لطرح تصورات خاصة بها لحل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي؛ وهو ما نتج عنه القرار 1397 الصادر عن مجلس الأمن (مارس 2002) وخطاب الرئيس بوش (يونيو 2002) وكلاهما أكد على حق الفلسطينيين في إقامة دولة لهم في الأراضي المحتلة عام 1967.

أما عن رؤية عرفات للسلام، فقد تضمنت النقاط التالية:

1 ـ الإنهاء الكامل للاحتلال وإزالة المستوطنات وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة على الأراضي التي تحتلها إسرائيل منذ 1967..في مقابل اعتراف الفلسطينيين بحق إسرائيل في التواجد على 78 في المئة من فلسطين التاريخية.

2 ـ تقاسم القدس واعتبارها مدينة مفتوحة وعاصمة لفلسطين وإسرائيل.

3 ـ الدولة الفلسطينية تتمتع باستقلال حقيقي وسيادة كاملة في السيطرة على مجالها الجوي، ومصادر المياه والحدود، وتطوير الاقتصاد وإقامة علاقات تجارية طبيعية مع الجيران، والسفر بحرية.

4 ـ السعي إلى حل عادل ومنصف لمشكلة معاناة اللاجئين الفلسطينيين، مع تفهم مخاوف إسرائيل الديموغرافية، وتفهم أن حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وهو حق يضمنه القانون الدولي وقرار الأمم المتحدة الرقم 194، يجب أن ينفذ في أسلوب يأخذ في الحسبان هذه المخاوف.

5 ـ إدانة الإرهاب الذي يستهدف المدنيين الإسرائيليين، والاستعداد للتعاون مع إسرائيل في مختلف المجالات، على أساس التكافؤ في المنافع والاحترام المتبادل.

وللتذكير فإن التصورات الفلسطينية التي قدمت لإدارة الرئيس بوش، كما ذكرنا، كانت أكدت على الخطوط التالية للتسوية النهائية:

     1 ـ الاستناد إلى خطة السلام العربية، والتي تم تبنيها في القمة العربية في بيروت (مارس 2002)، إلى جانب تصور الرئيس بوش وخطاب كولين باول في نوفمبر 2001 وقرارات مجلس الأمن رقم 338 و242 و1397، باعتبارها أساس التصور الفلسطيني للتسوية الدائمة بين فلسطين وإسرائيل.

2- الحدود بين الدولة الفلسطينية ودولة إسرائيل ستتحدد حسب خط الهدنة الذي كان ساريا في الرابع من يونيو 1967 رغم أن الطرفين مخولين بالموافقة على تعديلات طفيفة متبادلة ومتكافئة. ولا تؤثر في سياقها على التواصل الإقليمي. على أن لا تكون للإسرائيليين والفلسطينيين مطالب إقليمية تتجاوز حدود الرابع من حزيران 1967. وأن هذه الحدود ستكون الحدود الدائمة بين الدولتين مع ممر إقليمي ثابت يربط في الضفة الغربية وقطاع غزة.

3- شرقي القدس عاصمة للدولة الفلسطينية وغربيها عاصمة لدولة إسرائيل. أما القدس المقدسة للأديان الثلاث فستبقى مفتوحة. مع تسليم إسرائيل السيادة على الحي اليهودي ومنطقة حائط المبكى التابعة للجدار الغربي في شرقي القدس.

4- فلسطين وإسرائيل تتوصلان إلى ترتيبات تعاون امني مع الحفاظ على وحدة وسيادة كل دولة، مع وجود قوات دولية تلعب دورا مركزيا في هذه الترتيبات.

5- وفقا لمبادرة السلام العربية سيكون الحل العادل والمتفق عليه لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين مرتكزا على قرار الجمعية العمومية رقم 194.

6- الاتفاق الشامل يحدد نهاية الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين ويضع نهاية لمطالبهما. (عكيفا الدار ـ هآرتس 2/7/2002)

من ذلك يمكن الاستنتاج بأن اتفاق "جنيف" يتطابق إلى حد كبير مع هذه التصورات الفلسطينية، وأنه لذلك يحظى على دعم ولو غير مباشر من القيادة الفلسطينية الرسمية. أما الجديد في هذا الاتفاق فيتمثل بكونه أول وثيقة إسرائيلية تعترف بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم في الأراضي المحتلة عام 1967، وأنه اتفاق شامل وليس اتفاقا مرحليا، كما أنه اتفاق يتضمن جدولا زمنيا واضحا؛ هذا بالإضافة إلى كونه يشكل محاولة، من حزب العمل واليسار الإسرائيلي، لإعادة الاعتبار للقيادة الفلسطينية، على الصعيدين الدولي والإسرائيلي.

أما مكانة اتفاق "جنيف" التاريخية أو السياسية، فهي تنبع من القوى التي تقف خلفه في المجتمع الإسرائيلي، ومن محاولاتها إسقاط شارون وحكومته المتطرفة، بعد أن ثبت فشله في جلب الأمن والسلام والرخاء للإسرائيليين، وبعد أن اخفق في إخضاع الفلسطينيين بوسائل القوة والإرهاب. وخصوصا بعد أن بات كمن يضع إسرائيل على عتبة الانتحار، كما يقول بيلين وبورغ وعمستناع وساريد، بوضعها أمام خيارين: إما الدولة ثنائية القومية أو دولة "الابارثايد". وهنا يريد اليسار الإسرائيلي أن يقول أنه ثمة طريق أخر يتمثل بإقامة دولة فلسطينية وأنه ثمة شريك لإسرائيل في عملية السلام، وليس كما يدعي شارون، بأن القيادة الفلسطينية إنما تناور بعملية التسوية من أجل تدمير إسرائيل.

ولكن ما يجب إدراكه هنا هو أن هذا الاتفاق وبرغم كل ما تقدم إنما يشكّل مرحلة جديدة من الصراع التفاوضي، بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وليس ختاما لها.