أزمة القيادة والسياسة في الساحة الفلسطينية

ماجد كيالي

ليست الأزمة في الساحة الفلسطينية نتاج أزمة ثقة بين أشخاص أو أجهزة وهي لا تقتصر على مجرد كونها أزمة في القيادة، فهي قبل كل ذلك أزمة في السياسة، باعتبارها محصلة تفاعل بنى وأفكار وعلاقات: سياسية واجتماعية واقتصادية.

وإذا تعاطينا مع أزمة الساحة الفلسطينية، باعتبارها أزمة في القيادة، مثلا، فإنه يمكن التأريخ لهذه الأزمة ببدء التحضير لمؤتمر مدريد للسلام، في مطلع عقد التسعينيات، ففي هذه الفترة عكفت الإدارة الأمريكية، ومعها بعض الإطراف في العالم العربي، لإيجاد مفاوض فلسطيني مقبول للمشاركة في هذا المؤتمر، الذي عقد في أواخر العام 1991.

وكما هو معروف، ففي حينه تم اختيار وفد فلسطيني من مواطني الضفة والقطاع، ترأسه د. حيدر عبد الشافي، لحضور المؤتمر ضمن وفد مشترك أردني ـ فلسطيني. وقد رضخت قيادة منظمة التحرير لهذا الأمر بحكم الضغوط التي مورست عليها، على خلفية التداعيات والتحولات الدولية والإقليمية، التي تأثرت بها، والناجمة عن انهيار الاتحاد السوفييتي (السابق) وحرب الخليج الثانية.

ولكن قيادة المنظمة ما لبثت أن التفّت على الوفد المفاوض، بفتحها قناة تفاوضية سرية مع إسرائيل وتوقيعها معها اتفاق "أوسلو" للتسوية(سبتمبر 1993)؛ مستعيدة بذلك اعتبارها ومكانتها التمثيلية كقيادة وحيدة للشعب الفلسطيني، ولو بثمن الإجحاف الذي لحق بالفلسطينيين في الاتفاق المذكور.

أما المحطة الثانية التي تجلّت فيها أزمة القيادة فكانت بعد دخول قيادات وكوادر منظمة التحرير إلى الضفة والقطاع وإقامة السلطة الوطنية، ففي هذه المرحلة جرى تغييب دور المنظمة ومؤسساتها القيادية والتمثيلية، لصالح السلطة الناشئة. وقد تطور الأمر حين اندمجت المنظمة بالسلطة، بعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي جرت في مطلع العام 1996، والتي انتخب فيها ياسر عرفات، وهو رئيس المنظمة وزعيم حركة فتح، كرئيس للسلطة.

وفي هاتين المحطتين استطاعت القيادة الفلسطينية تجاوز الأزمة الحاصلة، ففي المرة الأولى، لم يكن عود الوفد المفاوض قد اشتدّ، أصلا، وفي المرة الثانية جدّدت القيادة الفلسطينية شرعيتها التاريخية النضالية بشرعية قانونية مستمدة من صناديق الاقتراع.

ولكن المحطة الثالثة في أزمة القيادة والتي بدأت بالبروز مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية، قبل ثلاثة أعوام، بلغت درجة غاية في الخطورة، مع انهيار العملية التفاوضية وسلوك طريق المقاومة المسلحة وغياب التوافق على استراتيجية سياسية وكفاحية مشتركة؛ وخصوصا بعد ازدياد وتيرة العمليات الاستشهادية والتضارب في الخطابات بشأن هدف الانتفاضة.

وطبيعي أن القيادة الفلسطينية الرسمية، في هذه المرحلة، وجدت نفسها أمام مأزق معقّد، فهي لا تستطيع التخلي عن موقعها كسلطة ولا عن اعتمادها طريق المفاوضات، وهي أيضا لا ترغب في التخلي عن دورها الحاضن للانتفاضة والمقاومة، برغم محاولاتها التلاعب بهذا الأمر بإرسالها إشارات سياسية مختلفة.

وكانت النتيجة أن السلطة الفلسطينية دفعت ثمنا كبيرا لهذه الأزمة، ولهذا التضارب في المواقع والاستحقاقات، وهو ما تمثل بانهيار مسار المفاوضات وتدمير مؤسسات السلطة وفرض الحصار على رئيسها ياسر عرفات، في مقره في رام الله منذ أكثر من عامين.

وقد بدأت المحطّة الرابعة لأزمة القيادة مع خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش (يونيو 2002)، الذي طرح فيه رؤيته للسلام، الذي يتأسس على قيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، في الأراضي المحتلة عام 1967. ولكن بوش اشترط لذلك قيام الفلسطينيين بتغيير قيادتهم ووقف ما أسماه "الإرهاب".

وفيما بعد تمت ترجمة رؤية بوش في "خريطة الطريق"، التي كررّت نفس الشروط لقيام الدولة الفلسطينية، والتي استحدثت منصب رئيس الوزراء في السلطة الفلسطينية، في محاولة للالتفاف على عدم قبول الطرفين الأمريكي والإسرائيلي التعامل مع الرئيس عرفات، وفي محاولة لإضعافه وإيجاد بديل له.

ويستنتج من كل ذلك بأن أزمة القيادة الفلسطينية هي أزمة سياسية وبنيوية بامتياز، ولها معطيات تاريخية، وثمة تبسيط في إبرازها على أنها مجرد أزمة شخصية، فهذه الأزمة لم تبدأ مع تعيين محمود عباس (أبو مازن)، رئيسا للوزراء ولم تنته باستقالته، مثلا، وهي لم تبدأ مع استنكاف أحمد قريع رئيس الوزراء المكلف عن مهمته، بنتيجة خلافه مع رئيس السلطة، ولا مع رفض نصر يوسف أداء القسم الدستوري أمام الرئيس عرفات؛ وللمفارقة فإن هؤلاء الثلاثة أعضاء في اللجنة المركزية لحركة فتح!

وبشكل أدق فإن أزمة القيادة في الساحة الفلسطينية هي أزمة سياسة أيضا، فهي أزمة مجتمع تقليدي، في علاقاته وبناه وطرق عمله، وهي أزمة نظام الزعيم والأب وشيخ العشيرة. وبمعنى أخر فإن أزمة النظام السياسي الفلسطيني هي نتاج هلامية الهياكل وغياب المؤسسات التمثيلية ومصادرة العلاقات الديمقراطية وانعدام تقاليد القيادة الجماعية والإدارة الحديثة. وفي وضع مثل هذا من الطبيعي أن تبرز مشاكل وخلافات بشأن كيفية صوغ المؤسسات القيادية، وبشأن توزيع الأدوار على الشخصيات العاملة فيها، وفي طريقة صنع القرارات المصيرية.

ففي ظروف الساحة الفلسطينية، المعقدة، ظل الرئيس ياسر عرفات هو المقرّر الأساس، في صياغة أوضاعها وتوجهاتها، أولا،  لكونه رئيسا لمنظمة التحرير، الكيان السياسي للشعب الفلسطيني وممثله الشرعي الوحيد؛ وثانيا، لكونه زعيما لحركة فتح، كبرى المنظمات الفلسطينية وأكثرها نفوذا بين الشعب الفلسطيني وهي حزب السلطة؛ وثالثا، لكونه رئيسا منتخبا للسلطة الوطنية؛ ورابعا، والأهم من كل ما تقدم لكون عرفات الزعيم بغير منازع للشعب الفلسطيني بكافة أماكن تواجده، بفضل امكاناته ومرونته ورمزيته ودوره التاريخي.

وكغيره من قيادات العالم الثالث، فإن ياسر عرفات، في ظروف المجتمع التقليدي الفلسطيني، عمد إلى اختزال القضية والأطر القيادية بشخصه ودعّم سلطته السياسية والرمزية والأبوية، بسلطات مادية، إن بما يتعلق بمنح النفوذ أو المناصب أو المال، مستغلا غياب المؤسسات وظروف الشتات وتعقيدات العمل الفلسطيني.

وعلى مدى عدة عقود استمرأ عرفات تقريب الموالين له، وتنصيبهم في المواقع القيادية الحساسة، من دون أي تفحّص لمدى مصداقيتهم من الناحيتين المسلكية أو الوطنية، مع استبعاد ذوي الصدقية من القياديين والكوادر، بسبب مواقفهم النقدية، ومن ضمن ذلك نقدهم لكيفية إدارة الرئيس لأوضاع الساحة الفلسطينية.

وبديهي أن ذلك أدى إلى نشوء طبقة قيادية، تحوم حولها شبهات الفساد بالموقع وبالمال وبالسياسة، على الضد من مصالح الشعب الفلسطيني وحقوقه، وقد تفاقم أمر هذه الطبقة قبل الانتفاضة، ما أضعف من مصداقية السلطة والرئيس عرفات ذاته.

ومعروف أن موقف عرفات الرافض للاملاءات الأمريكية والإسرائيلية في كامب ديفيد (يوليو 2000)، ثم احتضان فتح للانتفاضة والمقاومة فاجأ هذه الطبقة الطفيلية وأحرجها وأعاد الاعتبار للرئيس ولفتح في الشارع الفلسطيني.

وهنا ظهرت مقولة: "عرفات هو المشكلة وهو الضمانة"، وهذا طبيعي ففي هذه البنية المترهلة والمتهافتة التي قرّبها عرفات، جعلت منه الضمانة الوطنية الوحيدة، بعد أن كان المشكلة بوصفه مسؤولا عن وجودها! ولكن هذا لم ينف حقيقة أن القيادة الجماعية بوصفها مؤسسة، أو المؤسسات التمثيلية، هي التي ينبغي أن تكون الضمانة، لأن الفرد مهما عظم شأنه قد لا يستطيع ذلك.

والمشكلة الآن أن الرئيس الفلسطيني بات، بمعنى ما، معزولا عن "حوارييه" الذين اصطفاهم في المراحل السابقة، فمستشاره المالي (خالد سلام) بات خارج سيطرته مع ماله، ومسؤولي الأمن الوقائي دحلان والرجوب باتا، إلى حد ما، خارج معادلاته، ومعهم نصر يوسف، أما عرفات فيبدو أنه لم يعد يستطيع، أو هو لم يعد يملك الوقت، لا ذاتيا ولا موضوعيا، لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني.

المهم أن الساحة الفلسطينية تمر بمرحلة مخاض تاريخي وعلى ما يفعله عرفات أو ما لا يفعله، الآن، يتوقف الكثير، فهل يستطيع عرفات أن يبادر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لحماية القضية الفلسطينية، وعلى الأقل لحماية إرثه الوطني.