الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي في انتفاضتين

ماجد كيالي

لا يمكن التعاطي مع الانتفاضة الراهنة بوصفها نسخة طبق الأصل عن الانتفاضة الكبرى التي خاضها الشعب الفلسطيني طوال ستة أعوام (1987 ـ 1993)، فثمة فرق واضح في الظروف وأدوات الصراع وأهدافه. ومعلوم أن التجارب أو الأحداث التاريخية الكبرى لا تكرّر نفسها، وإنما تأتي لتختم مسار معين أو لتفتح مسار أخر، وبمعنى أخر فهي تأتي إما لتكمّل أو لتنقض بعضها.

وفي مجال المقاربة، لا بد لنا بداية من تعيين المشترك أو أوجه شبه الأساسية بين الانتفاضتين، وهي تبرز في مجالات عدّة لعل أهمها:

1 ـ  وحدة المكان: فالانتفاضتين اندلعتا في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين، أي في جغرافيا سياسية وبشرية واحدة ومحددة، هي حدود الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1967.

2 ـ  وحدة الهدف: وهو يتمثل بالتخلص من الاستيطان ودحر الاحتلال ونيل الاستقلا، في دولة وطنية مستقلة بحدود الرابع من حزيران.

 3 ـ القاعدة: المخزون الكبير من الاستعداد العالي للتضحية لدى الشعب الفلسطيني، برغم معاناته وظروفه الصعبة والمعقدة.

4 ـ الرهان: البحث عن خيارات أخرى، غير المفاوضة، وهذا الخيار ليس محصورا بين الحرب مع إسرائيل أو الاستسلام لاملاءاتها، فخيار العصيان المدني والانتفاضة والمقاومة بات مطروحا.

 5 ـ ضعف الدعم الخارجي من الناحيتين السياسية والمادية: فمن الناحية السياسية استفردت إسرائيل، في الانتفاضتين، بالفلسطينيين، أما بالنسبة للدعم المادي ففي الحالين ظل الدعم محدودا، وإن تميزت انتفاضة الأقصى، في بدايتها، باندفاعة شعبية عربية داعمة لها.

ومن مفارقات القدر أن الانتفاضة السابقة شهدت حدثين تاريخيين كبيرين (في مطلع التسعينيات)، غيّرا الخارطة السياسية الدولية والإقليمية، هما: انهيار الاتحاد السوفيتي (السابق) واندلاع حرب الخليج الثانية؛ إذ أثر هذان الحدثان عليها تأثيرا سلبيا كبيرا، فقد تغيرت المعادلات الدولية والإقليمية، وبات الأفق السياسي أمامها، إلى حد ما، مغلقا أو محدودا.

وفي هذه المرة شهدت الانتفاضة الهجوم الإرهابي على الولايات المتحدة (سبتمبر2001) وما تبعه من تداعيات خطيرة، تمثلت بالحرب الأمريكية على الإرهاب واحتلال العراق وبتعزّز مركز إسرائيل في السياسة الأمريكية إزاء المنطقة، بما لذلك من تداعيات على الانتفاضة وعلى مستوى الإسناد الدولي والإقليمي للشعب الفلسطيني ولقضيته.

أما التمايز بين الانتفاضتين، فهو  أكبر من أوجه التماثل، ويمكن ملاحظة ذلك في المجالات التالية:

أولا) من ناحية الفلسطينيين: 

1 ـ اندلعت انتفاضة الأقصى في ظل وجود سلطة فلسطينية، تمارس نوعا من السيادة على المجتمع الفلسطيني في الأراضي المحتلة، وهذا وضع جديد بالنسبة للفلسطينيين لم يكن موجودا من قبل.

وبينما كانت اللجان الشعبية، و"القيادة الموحدة"، هي التي تدير فعاليات الانتفاضة الكبرى، أدارت الفصائل الفلسطينية الانتفاضة الحالية، بشكل مباشر، وكان ثمة دور كبير، مباشر وغير مباشر، للسلطة الفلسطينية في هذه العملية، بكل ما لذلك من إشكاليات وسلبيات.

2 ـ في الانتفاضة الكبرى كان الشعب الفلسطيني يصارع من أجل فرض حقيقته على الخريطة السياسية العربية والدولية، بعد أن اعتقدت إسرائيل بأن منظمة التحرير انتهت، إثر اجتياح لبنان (1982). أما هذه المرة فالصراع لا يدور حول مبدأ وجود الكيان الفلسطيني، وإنما على حدود هذا الكيان ومعانيه من النواحي السياسية والثقافية والتاريخية، بعد أن باتت الدولة الفلسطينية من النواحي السياسية والرمزية والمؤسسية، وعلى الصعيدين الدولي والإقليمي، واقعا لا يمكن تجاهله.

3 ـ في الانتفاضة السابقة بدا البعد الشعبي طاغيا في مواجهة إسرائيل، في حين أن الصراع حاليا بدا وكأنه بين كيانين سياسيين: إسرائيل والسلطة الفلسطينية، على الحدود والسيادة والحقوق، على رغم وجود حيّز للمظاهر الشعبية للانتفاضة، وهذا ما أدى إلى طبع الانتفاضة بطابع مزدوج: رسمي وشعبي انعكس على أشكالها النضالية وعلى مساراتها وتوجهاتها السياسية.

4 ـ تميّزت الانتفاضة الحالية بطغيان طابع المقاومة المسلحة على حساب طابعها الشعبي والمدني، وهذا لم يكن ملاحظا في الانتفاضة الكبرى، التي عرفت بانتفاضة "أطفال الحجارة".

وعلى سبيل المثال فقد أدت المواجهات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، خلال الأعوام الثلاثة الماضية، إلى مصرع 867 إسرائيليا، واستشهاد 2700 من الفلسطينيين. أما الأعوام الستة من الانتفاضة الأولى، فقد أدت إلى مصرع 383 إسرائيليا، واستشهاد 1550 فلسطينيا. وبلغ المتوسط السنوي لعدد الإسرائيليين الذين لقوا مصرعهم بنتيجة عمليات المقاومة خلال الأعوام الثلاثة الماضية 289 إسرائيليا؛ في حين أن عددهم لم يتجاوز 65 إسرائيليا سنويا، إبان الانتفاضة الأولى.

5 ـ فرضت انتفاضة الأقصى معادلة جديدة في العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين تتأسس على المزاوجة بين الانتفاضة والمفاوضة. وتبدو هذه الحالة غريبة وملتبسة فثمة صراع بين طرفين وثمة أيضا إصرار منهما على الاستمرار في عملية المفاوضة والتسوية.

من جهة الفلسطينيين يبدو هذا الواقع الفريد والمعقد نتاجا للضرورات المعيشية، الناجمة عن سيطرة إسرائيل على مقومات الحياة في المجتمع الفلسطيني، كما فرضته الضرورة السياسية لبقاء السلطة الفلسطينية في إطار المعادلات الدولية والإقليمية التي تقف وراء عملية التسوية، وهو أيضا محاولة من الفلسطينيين لإيجاد تكافؤ ولو نسبي بينهم وبين إسرائيل في عملية المفاوضات، لإنهاء سياسة التسويف والإملاء الإسرائيلية.

ثانيا) من ناحية الإسرائيليين:

1 ـ كانت هذه الانتفاضة ذات مطالب ملموسة ومباشرة، فهدفها هو دحر الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية. وقد بيّنت الانتفاضة بحزم استحالة استمرار الاستيطان في الأراضي المحتلة وأكدت بأن المستوطنات هي عائق أساسي أمام استمرار عملية التسوية، وجعلت منها عبئا سياسيا وأمنيا وأخلاقيا على إسرائيل، بدل أن تكون ذخرا سياسيا وأمنيا لها.

2 ـ وبالنسبة لشدّة العنف وأشكال العقاب الجماعي التي انتهجتها إسرائيل ضد الفلسطينيين، فيمكن تفسيرها برؤية الإسرائيليين لواقع أن الصراع بينهم وبين الفلسطينيين بات يدور حول القضايا المصيرية، هذه المرة، التي تشمل قضايا: اللاجئين والقدس والمستوطنات والحدود والترتيبات الأمنية؛ وهي مواضيع تمس برؤية إسرائيل لذاتها وتفرض عليها تحديد حدودها: السياسية والجغرافية والبشرية، وهي أمور لم يتم حسمها في إطار المجتمع الإسرائيلي ونخبه السياسية، بحكم أن هذه القضايا تمس، أيضا، المبررات الأخلاقية والسياسية والأيدلوجية (الدينية) التي قامت على أساسها الحركة الصهيونية وإسرائيل ذاتها، فيما بعد.

ولعل هذا ما يفسّر، أ) انحسار قوى السلام الإسرائيلية، التي برزت في الانتفاضة السابقة؛ ب) رواج مفهوم الدفاع عن الوجود، لدى الإسرائيليين؛ ج) تعمد إسرائيل استخدام كل وسائل العنف والقهر لديها لكسر إرادة الفلسطينيين، لإقناعهم بعدم جدوى المقاومة ولفرض إملاءاتها السياسية عليهم.

المحصلة أنه في كلا المحطتين لم يستطع أي من الطرفين حسم نتيجة الصراع لصالحه، وفرض واقع الهزيمة على الطرف الأخر، فلا الفلسطينيون استطاعوا دحر الاحتلال، ولا الإسرائيليون تمكنوا من كسر إرادة الفلسطينيين، واللافت أنه لا يبدو في الأفق، ما يشير إلى أي إمكانية في هذا الاتجاه. ما يعني أن دوامة الصراع الدامي، والنفي المتبادل، هي التي ستظلّ تحدّد طبيعة العلاقات بين هذين الطرفين، ما لم يتدخّل طرف ثالث، وما لم تستيقظ إسرائيل على الواقع الذي تغرق فيه الفلسطينيين وتغرق فيه نفسها معهم، أيضا.