بعد رسالة الطيارين الاسرائيليين..

هل ثمة مجال لأرضية مشتركة ضد الأحتلال؟

 

ماجد كيالي

     ليست رسالة الطيارين الإسرائيليين (27 ضابط) الذين يرفضون القيام بمهمات في الأراضي المحتلة، الأولى من نوعها في المجتمع والجيش الإسرائيليين، ومع ذلك فهي فاجأت الكثيرين من جانبنا، ممن ينكرون على المجتمع الإسرائيلي وجود مدنيين أو أبرياء فيه، ويتعاملون معه باعتباره نسيج وحده، أو كتلة صماء، وكمجتمع يخلو من التناقضات والخلافات والتحولات.

وطبيعي أن هذه الرؤية تركز على الحرب الافنائية والعنف كوسيلة لحل مت يسمى بالصراع الوجودي، وهي لا تلقي بالا للوسيلة المستخدمة، ومدى اخلاقيتها ولا مدى ضررها على الطرفين.

أيضا، ثمة نوع أخر من المشتغلين بالسياسة والصحافة، لا تنكر وجود هذه الظاهرة (شكليا)، ولكنها تستخدمها في دعايتها، باعتبارها إياها مجرد نتاج لفعل المقاومة، وتعبيرا عن الهروب وبدايات الانهيار في المجتمع الصهيوني. وهذا النوع من التحليل ينكر هذه الظاهرة من زاوية تشويهه لسياقاتها الداخلية، بإنكاره أي نزعة أخلاقية ـ نبيلة، ولو كانت محدودة، قد ينتجها المجتمع الإسرائيلي.

ولا شك بأن وجهات النظر هذه، معطوفا عليها العمليات الاستشهادية، التي تكرس مبدأ الحرب الوجودية الذي يروّج له شارون، ساهمت، بغض النظر عن نواياها ودوافعها، في إظهار المجتمع الإسرائيلي صلابة غير متوقعة، طوال الأعوام الثلاثة من الانتفاضة والمقاومة، وفي أن يحوز شارون على شعبية لم يحظ على مثلها أي رئيس وزراء من قبله (عدا بن غوريون)، وفي انحسار معسكر السلام الإسرائيلي.

وعودة إلى رسالة طياري سلاح الجو، وهو سلاح النخبة للجيش الإسرائيلي، فهؤلاء يقولون أنهم مستعدون للدفاع عن دولة إسرائيل، ولكنهم يعارضون الهجوم على مراكز سكانية مدنية في الضفة والقطاع ويعارضون قتل مدنيين أبرياء. ومصدر اعتراضهم، بالضبط، أسباب أخلاقية وقانونية وسياسية؛ بحسب رسالتهم، إلى رئيس سلاح الجو الإسرائيلي، والتي نشرتها الصحف الإسرائيلية، يوم 25/9. ويرى هؤلاء الضباط، بأن "هذه الأعمال كنتيجة مباشرة للاحتلال المستنزف للمجتمع الإسرائيلي جميعه..استمرار الاحتلال يلحق أضرارا فتاكة بأمن دولة إسرائيل وبحصانتها الأخلاقية.." (يديع وت أحرونوت25/9)

وكما قدمنا فهذه ليست الظاهرة الأولى من نوعها. ففي مطلع عام 2002 وجه عشرات الضباط وجنود الاحتياط رسالة مماثلة إلى قيادة الجيش، رفضوا فيها الخدمة في المناطق، وقال هؤلاء: "الخدمة في هذه الأراضي لا تمت لأمن الدولة بأي صلة..المناطق ليست إسرائيل..نعلن بهذا أننا لن نشارك في حرب سلامة المستوطنات. لن نواصل القتال خلف الخط الأخضر، بهدف السيطرة والطرد والهدم والإغلاق والتصفية والتجويع والإهانة لشعب بأكمله..ثمن الاحتلال هو فقدان الطابع الإنساني للجيش الإسرائيلي وإفساد المجتمع الإسرائيلي برمته..رأينا بأعيننا ثمن الدم والنار الذي يجبيه الاحتلال..سنواصل الخدمة في الجيش الإسرائيلي، في كل مهمة تخدم الدفاع عن دولة إسرائيل. أما مهمة الاحتلال والقمع فلا تخدم هذا الهدف ولن نشارك فيها."(يديعوت أحرونوت 30/1)

اللافت أنه كما فاجأت رسالة الطيارين الأوساط، السياسية والصحفية، لدينا فاجأهم أيضا أبراهام بورغ بمقالته التي نعى فيها الصهيونية، حيث نشرتها معظم الصحف العربية، يقول بورغ: "الدولة الإسرائيلية تختنق تحت وطأة الفساد والظلم.ننا نشهد نهاية للمشروع الصهيوني..ستظل هناك دولة يهودية في الشرق الأوسط، لكنها ستكون غريبة وقبيحة..نضال الألفي عام من أجل الدولة، انتهى بأن تكون لنا دولة مستوطنات تديرها عصابة..الدولة التي تنقصها العدالة لا تستطيع الاستمرار..هذا لا يمكن أن ينجح..إن مجتمعاً يُبنى على بؤس الناس الآخرين سينهار بالضرورة".(يديعوت أحرونوت 12/9)

والمعروف أن بورغ ذاته، وحين كان رئيسا للكنيست، أثار عاصفة سياسية حين ألقى (في 28/1/2002) كلمة بمناسبة مرور 53 عاما على تأسيس الكنيست، انتقد فيها "الاحتلال" بقوله: "الشعب المحتل يحتل من الداخل على يد الاحتلال ومساوئه، إذ تتغير صفاته ويتشوه طابعه، فالاحتلال يفسد وللدقة أكثر، لقد أفسد..نحن لم نعد أمة عدل، والمجتمع المثالي كما كنا..الظلم تحول إلى قدوة والانغلاق إلى نمط حياة. كل يد للعدو، حتى وإن كانت يد سلام، تذهلنا وتردعنا".

المهم أننا، في تعاملنا مع ظاهرة الطيارين ومقالة بورغ، بدا وكأننا أخذنا على حين غرة، أو كأن هذه الظاهرة نبت شيطاني، غير متوقع، في حين أن إسرائيل تعج بهذه الظواهر، من مثل: "كتلة السلام"، وحركة "السلام"، وحركة "تعايش" و"هناك حد"..الخ. وثمة إسرائيليون يقومون بالتظاهر مع الفلسطينيين ضد الحواجز الإسرائيلية والنقاط الاستيطانية ومحاولات تجريف الأراضي الزراعية. وهناك أسماء إسرائيلية لامعة في مجال الدفاع عن حق الفلسطينيين وإدانة الصهيونية وإسرائيل، مثل: ايلان بابه وجدعون ليفي وعميرة هس ويوري أفنيري وميرون بنفنستي وغيرهم كثيرون.

وقبل أيام وجه زئيف شطرنهيل( أستاذ التاريخ المعاصر في الجامعة العبرية) نداءً إلى المعارضة السياسية في إسرائيل وقوى السلام داخل المجتمع الإسرائيلي، داعيا إياهم إلى التحرك والاحتجاج على حرب الابادة التي تشنها إسرائيل لإخضاع الفلسطينيين للإرادة الإسرائيلية. وجاء في النداء: "اليوم هو الوقت الملائم للمجتمع المدني، وللحركات الشعبية الكبيرة..ليضربوا عن الطعام أمام منزل رئيس الحكومة، وحان الوقت لينزل المثقفون إلى الساحة..اليوم حان دور المعارضة البرلمانية ولاقتراحاتها بحجب الثقة وللأصوات العالية التي يمكنها أن تصل ابعد من مبنى الكنيست." (هآرتس"13/9)

بالمقابل فإننا لم نبذل من طرفنا أي جهد يذكر لتطوير هذه المواقف الإسرائيلية، ولإيجاد أرضية مشتركة، للنضال ضد المشروع الصهيوني الذي أخذ اليهود والعرب بجريرته، بل أننا، على الأغلب، قمنا بكل ما من شأنه عزل هؤلاء في المجتمع الإسرائيلي، وسهلنا على التيارات المتطرفة، وعلى شارون وحكومته، تحشيد الإسرائيليين من خلفها في ادعاءات الحرب على الوجود.

وفي هذا الإطار لعله من المفيد أخذ طلب الكاتب الإسرائيلي أهارون ميجد، على محمل الجد، فهو كان كتب مقالا على شكل رسالة عنوانها: "طلب من الانتحاريين القادمين"، طلب فيها من منفذي العمليات انتقاء عملياتهم ومعاقبة من يستحقون العقاب فقط..قائلا: "أريد لفت انتباهكم إلى مسألة تتعلق بالعملية التي نفذوها سابقوكم، في مقهى "مومنت" في القدس (آذار 2002). لقد ارتكب خطأ..أنا اعرف من يجلسون في هذا المقهى، منذ سنوات. غالبيتهم الكبرى أناس طيبون من أنصار السلام. بعضهم يعتقدون أنكم صادقون، بشكل عام..لقد شاركت دزينة من الذين جلسوا في مقهى مومنت، قبل ساعات من العملية، في تظاهرة أقيمت أمام منزل رئيس الحكومة، تحت شعارات ضد الاحتلال..وهذا ينطبق، أيضًا، على مقهى "كفيت"، حيث حاول أحدكم الانفجار داخله، ولم ينجح. كذلك، كانت عمليتكم السابقة في القدس خطأ(ضد طلبة مدرسة دينية)..والآن إلى الطلب ذاته: أنا أفهمكم..اذا كان لا بد من ذلك، فأنا أرجوكم! ألحقوا الإصابة بالمسؤولين الحقيقيين عن كل هذا الظلم، وليس بأولئك الذين يتضامنون معكم! الذين يبررون أهدافكم ودوافعكم، شفهيًا وكتابيًا، وفي كل الوسائل الإعلامية..سيكون من الجنون إقدامكم على إصابة عضو من تنظيم "يوجد حد"، أو "كفى للاحتلال"، أو "بتسيلم". ويمكنني تزويدكم بقائمة تضم 20 تنظيما كهذه..ويمكنني أن أضيف إلى ذلك، أولئك الذين يسمون "المؤرخون الجدد"، الذين أثبتوا منذ زمن بعيد أن إسرائيل هي دولة كولونيالية، عنصرية، قامت كي تستغل وتسلب سكان فلسطين الأصليين..يتحتم عليكم الانتقاء في عملياتكم..التفريق بين الأخيار والأشرار..عليكم أن تدرسوا خرائط المدن قبل خروجكم لتنفيذ العمليات الانتحارية..ومنْ منَ المناسب تحطيمه بالانفجار ومنْ لا. وفي النهاية: هل سأكون صفيقا وشديد الأنانية، إذا طلبت منكم عدم الانفجار أمام البيت الواقع في شارع أحيتبول 13، حيث أسكن انا؟ مع جزيل الشكر.."‍!(يديعوت أحرونوت 14/3/2002)

أخيرا لا شك بأنه من حق الطيارين المعترضين، وغيرهم من الإسرائيليين، على الفلسطينيين توضيح أنفسهم، بتركيز هدفهم على انهاء الاستيطان والاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة، حتى يصل الشعبان إلى أرضية مشتركة تحررهم من توظيفات الصهيونية ومن عنصرية إسرائيل وعدوانيتها، وكذلك من دوامة العنف الدامي والصراع الأزلي.