بعد ثلاثة أعوام من المواجهات بين الفلسطينيين والإسرائيليين

غياب القدرة على الحسم العسكري والسياسي

ماجد كيالي

بعد ثلاثة أعوام من المواجهات الدامية، بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لم يستطع أي من هذين الطرفين حسم نتيجة الصراع لصالحه، ولا يبدو في الأفق، أيضا، ما يشير إلى أي إمكانية في هذا الاتجاه.

وتؤكد المعطيات الراهنة بأن احتمال توصّل الإسرائيليين والفلسطينيين، لوحدهما، حتى لمجرد اتفاق تهدئة، يمهّد لأرضية سياسية مشتركة، يبدو احتمالا ضعيفا جدا، على رغم ما يتكبده هذان الطرفان من خسائر بشرية باهظة، مضافا إليها تدهور الأحوال الأمنية والاقتصادية واضطراب الحياة الاجتماعية والسياسية.

ويعتقد الفلسطينيون، وهم يدشنون العام الرابع لانتفاضتهم، بأنهم حققوا نصرا على إسرائيل، بمعنى ما، من عدّة زوايا، أهمها: أولا، قدرتهم على الصمود في مواجهة وسائل العقاب الجماعي الحصار وعمليات التقتيل والتدمير، التي انتهجتها إسرائيل ضدهم؛ ثانيا، حفاظهم على وحدتهم الوطنية وتفويتهم الاستهدافات الإسرائيلية الرامية إلى زرع الفتنة في صفوفهم؛ ثالثا، عجز إسرائيل، برغم كل قوتها، عن كسر إرادتهم وفرض املاءاتها السياسية عليهم، في عملية التسوية؛ رابعا، إحساسهم بقدرتهم على زعزعة استقرار إسرائيل وتكبيدها خسائر فادحة في مختلف المجالات؛ برغم من إدراكهم لعدم قدرتهم على هزيمتها تماما.

أما إسرائيل بقيادة شارون، فهي تعتقد بأنها تخوض حربا وجودية ضد الفلسطينيين: إما نحن أو هم! مستغلة الظرف الدولي (بعد 11 سبتمبر 2001) والإقليمي (لا سيما بعد احتلال العراق)، للتخلص من استحقاقات "اوسلو"، وتابعه السلطة الفلسطينية ورئيسها ياسر عرفات، وللتحرر من عملية التسوية نهائيا.

ومشكلة إسرائيل، هنا، أنها استطاعت توجيه ضربات مدمرة للفلسطينيين، لبنيتهم الاقتصادية والسياسية ولمؤسساتهم ولحياتهم الاجتماعية، ولكنها برغم كل هذه "الانتصارات"، أخفقت في مجالين أساسيين: 1) عجزها عن ترجمة هذه "الانتصارات"، في واقع سياسي، سواء عبر فرض املاءاتها السياسية على الفلسطينيين، أو عبر إدخال الهزيمة إلى وعيهم، على حد تعبير وزير الدفاع شاؤول موفاز؛ 2) أنها لم تستطع أن تكبح مقاومة الفلسطينيين، وبالتالي فهي لم تؤمن الاستقرار والأمن للإسرائيليين؛ برغم الحواجز والاعتقالات والاغتيالات والحصارات والجدار الفاصل.

وهكذا فإنه وطوال العام الثالث للانتفاضة واصلت إسرائيل سياستها التقليدية إزاء الشعب الفلسطيني، المتمثلة بتصعيب أوضاعه الحياتية وتدمير مؤسساته وتقويض سلطته ومحاصرة قيادته وعزلها. وقد استغلت إسرائيل الأوضاع الدولية والإقليمية، لاسيما بعد احتلال العراق، للاستفراد بالفلسطينيين وكسر إرادتهم. أما أهم ملامح المواجهة الفلسطينية ـ الإسرائيلية، من الناحيتين السياسية والعسكرية، خلال هذا العام، فيمكن تلخيصها في التطورات التالية:

أولاً: انتهاء اتفاق "أوسلو"، كآلية لعملية التسوية، بين الفلسطينيين والإسرائيليين، واستبداله بخطة "خريطة الطريق"، منذ أواخر أبريل الماضي.

وقد مكّن هذا التحول إسرائيل من التملص من الاستحقاقات المترتبة عليها في الاتفاق المذكور وأدخل عملية التسوية في جدول زمني جديد (إلى أواخر العام 2005 على الأقل). والأخطر أن هذه الخطة، التي تقف وراءها إدارة بوش، تضمنت شروطا قاسية، إذ أن منح الفلسطينيين حقهم بتقرير المصير وإقامة دولة بات يتطلّب منهم تغيير قيادتهم ووقف مقاومتهم! التي باتت إرهابا بالمعايير الأمريكية. والمشكلة أن المجتمع الدولي بات يتعامل مع قضية الفلسطينيين والصراع العربي ـ الإسرائيلي، على هذه الخلفية وإن بتفاوت؛ وهو ما أكدته اللجنة الرباعية المشرفة على الخطة، في اجتماعها في نيويورك يوم 26/9.

ثانياً: انحسار نفوذ اليسار في إسرائيل، ونجاح شارون وحزبه الليكود، بأغلبية ساحقة (40 مقعدا من 120) في الانتخابات التي جرت في مطلع العام 2003، وهو ما رسّخ التحول في السياسة الإسرائيلية باتجاه اليمين والتطرف.

ثالثاً: إطلاق عملية بناء "الجدار الفاصل"، الذي يقتطع أراض واسعة من الضفة الغربية ويضم المستوطنات الكبيرة، لفرض حدود الأمر الواقع التي تتوخّى إسرائيل من خلالها، فرض املاءاتها على الفلسطينيين، في مفاوضات الحل النهائي، وإبقاء أكبر قدر من أراضيهم تحت سيطرتها، وإضعاف كيانهم المفترض.

رابعاً: مواصلة حصار الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، لإضعاف نفوذه وعزله. وقد توّجت هذه المحاولة بخطوتين: أ) إدخال تغييرات على النظام الفلسطيني باستحداث منصب رئيس الوزراء، إلى جانب رئيس السلطة، في محاولة من الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية إحداث شرخ في الصف الفلسطيني. ومن المعروف أن محمود عباس الذي عيّن في هذا المنصب لم يلبث، بعد مئة يوم، أن قدم استقالته. وقد حظيت حكومته بدعم شكلي من قبل الرئيس الأمريكي بوش ومن حكومة إسرائيل، وبلغ هذا الدعم ذروته (الصورية) بلقاء العقبة، في يونيو الماضي، الذي جمع عباس بكل من بوش وشارون. ب) اتخاذ الحكومة الإسرائيلية، مؤخرا، قرارا بطرد عرفات من الأراضي المحتلة. ولا شك بأن الفلسطينيين بالتفافهم مجدّدا حول رئيسهم الشرعي والمنتخب لفتوا انتباه العالم، مثلما حصل في العام الماضي في ليلة 21/9، حين خرجوا، من بيوتهم، متحدّين حظر التجول ودبابات ورصاص قوات الاحتلال للدفاع عن رئيسهم ياسر عرفات، الذي كانت تعمل جرافات الجيش الإسرائيلي على هدم مقره، آنذاك.

خامساً: إمعان إسرائيل في عمليات اغتيال القياديين الفلسطينيين، وكان أبرزهم هذا العام القياديين في حماس: إبراهيم المقادمة (أذار) وعبد الله القواسمي (حزيران) وإسماعيل أبو شنب (آب) ومحمد الحنبلي (أيلول)، بالإضافة إلى محمد سدر من الجهاد (آب). إضافة إلى المحاولات الفاشلة، التي قامت بها إسرائيل، لاغتيال قادة حماس عبد العزيز الرنتيسي (حزيران)، والشيخ أحمد ياسين وإسماعيل أبو هنية ومحمود الزهار(أيلول).

 

خامسا: فشل محاولات تهدئة الانتفاضة والمقاومة، بعد انهيار الهدنة التي استمرت زهاء 50 يوما، من أواخر يونيو حتى أواسط أغسطس، والتي أعلنتها الفصائل الفلسطينية من طرفها، وذلك بسبب عدم اعتراف إسرائيل بهذه الهدنة، وتعمدها القيام بعمليات الاغتيال والتوغّل في المدن الفلسطينية، واستمرارها بفرض إجراءات الحصار، وعدم تنفيذها الاستحقاقات المطلوبة منها في خطة خريطة الطريق، وتلاعبها بمسألة الإفراج عن المعتقلين، والتحايل على تفكيك النقاط الاستيطانية، وعدم قيامها بإجراءات التسهيل على تنقّل الفلسطينيين.

وبالمحصلة فإن مواجهات العام الماضي أدت إلى مصرع إلى مصرع 225 إسرائيليا؛ مقابل 164 إسرائيليا في العام الأول، وهو ما يبين عقم الإجراءات الأمنية والعقابية الإسرائيلية. وهكذا بقي العام الثاني للانتفاضة هو العام الذي شهد مصرع أكبر عدد من الإسرائيليين (حوالي 460).

وبالإجمال فقد أدت عمليات المقاومة، خلال الأعوام الثلاثة الماضية، إلى مصرع 863 إسرائيليا من ضمنهم 256 من العسكريين، غالبيتهم العظمى قتلوا في الضفة والقطاع المحتلين، مقابل 606 من المدنيين أقل من نصفهم من المستوطنين في الأراضي المحتلة، وحوالي 350 منهم قضوا بنتيجة العمليات الاستشهادية في المدن الإسرائيلية (40 بالمئة من الخسائر البشرية الإسرائيلية).

في المقابل ومن جهة الفلسطينيين فقد شهدت الأعوام الثلاثة استشهاد 2700 من الفلسطينيين، 703 في العام الأول و1292 في العام الثاني و725 في العام الثالث، ما يعني بأن عدد الشهداء في العام الثالث يقارب عددهم في العام الأول، في حين ظل العام الثاني الأكثر من حيث عدد الشهداء، بسبب حدّة المواجهات مع الإسرائيليين.

والمحصلة فإن التناسب بين الخسائر البشرية الإسرائيلية والفلسطينية بلغ 1/3، لصالح الإسرائيليين، وهي نسبة كبيرة بالنسبة لهم، قياسا بموازين القوى. أما الخسائر من الناحية الاقتصادية، فكانت جد باهظة بالنسبة للفلسطينيين، بسبب الفجوة الهائلة في هذا المجال في الإمكانيات الاقتصادية للطرفين، وهو ما ينطبق على الحياة الاجتماعية، بالنظر إلى سيطرة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية المحتلة. لذلك فإن الصراع، بين الطرفين، يتركز على البعد السياسي وعلى صراع الارادات، وهو الجانب الذي يستثمر فيه الفلسطينيون، تضحياتهم ومعاناتهم وبطولاتهم.

وبرغم معاناة الفلسطينيين وصمودهم وبطولاتهم فإنهم يدخلون العام الرابع للانتفاضة وهم مازالوا يواجهون تحديات، على غاية في الأهمية، تتعلق بإدارة الانتفاضة وتوضيح رسالتها السياسية وترشيد أشكالها النضالية، وهي تحديات تتطلب من القيادة الفلسطينية بشكل خاص، التوجه بشكل جدي وحازم لدراستها والتعامل معها بروح من المسؤولية الوطنية، وذلك عبر حوار وطني عام يؤدي إلى الخروج باستخلاصات تؤمن ركائز الصمود والمقاومة لدى الشعب الفلسطيني.