بعد ثلاثة أعوام على الانتفاضة

نحو رؤية نقدية لمشكلات الساحة الفلسطينية

ماجد كيالي

لم تستطع إسرائيل أن تفرض إرادتها على الفلسطينيين أو أن تحدّ من مقاومتهم للاحتلال، رغم قوتها وسيطرتها على أحوالهم ورغم وسائل العقاب الجماعي والحصارات والاغتيالات والاعتقالات، التي انتهجتها ضدهم.

وبالإجمال، فقد أدت عمليات المقاومة خلال الأعوام الثلاثة الماضية، إلى مصرع 863 إسرائيليا، ضمنهم 256 من العسكريين و606 من المدنيين، أقل من نصفهم من المستوطنين، في الضفة والقطاع المحتلين. وثمة حوالي 360 من هؤلاء قضوا بنتيجة العمليات الاستشهادية في المدن الإسرائيلية، وهم يشكلون حوالي 40 بالمئة من حجم الخسائر البشرية الإسرائيلية.

وللمقارنة، فقد أدت عمليات المقاومة خلال العام الماضي، أي الثالث للانتفاضة، إلى مصرع 225 إسرائيليا مقابل 164 إسرائيليا في العام الأول، رغم سيطرة إسرائيل على المدن ورغم الحواجز والحصارات والجدار الفاصل؛ ما يبين عقم الإجراءات الأمنية والعقابية الإسرائيلية. وهكذا احتفظ العام الثاني للانتفاضة باعتباره شهد مصرع أكبر عدد من الإسرائيليين (حوالي 460).

في المقابل شهدت الأعوام الثلاثة الماضية استشهاد 2700 من الفلسطينيين، 703 في العام الأول و1292 في العام الثاني و725 في العام الثالث، ما يعني بأن عدد الشهداء في العام الثالث يقارب عددهم في العام الأول، في حين ظل العام الثاني الأكثر من حيث عدد الشهداء، بسبب حدّة المواجهات مع الإسرائيليين.

وهكذا ظلّ التناسب بين الخسائر البشرية الإسرائيلية والفلسطينية 1/3، لصالح الإسرائيليين، وهي نسبة كبيرة لهم، قياسا بموازين القوى. أما الخسائر الاقتصادية، فكانت جد باهظة بالنسبة للفلسطينيين، بسبب الفجوة الهائلة في هذا المجال في إمكانيات الطرفين، برغم الحديث عن التدهور الاقتصادي في إسرائيل.

وبقيت المشكلة الأساسية للفلسطينيين أنهم يدشنون العام الرابع للانتفاضة وهم مازالوا يفتقدون للحد الأدنى من التوافق الاستراتيجي: السياسي والتنظيمي والإداري، ما يجعلهم دون مستوى القدرة على تثمير كفاحهم إلى منجزات.

فمن الجانب السياسي، مثلا، أدى غياب التوافق على استراتيجية سياسية إلى خلق نوع من التناقض بين الحدود البشرية والجغرافية للانتفاضة، وحدودها أو أهدافها السياسية. فالانتفاضة، بما هي عليه من حالة فعل في الأراضي المحتلة عام 1967، كانت بحاجة إلى توضيح ذاتها، كحركة تحرر تستهدف دحر الاستيطان والاحتلال من هذه الأراضي، وتمكين الفلسطينيين من تقرير مصيرهم.

وكان من شأن ذلك، أولا، فضح إسرائيل، على الصعيد الدولي، باعتبارها دولة مستعمرة تمارس القوة الغاشمة والتمييز العنصري ضد الفلسطينيين لفرض احتلالها؛ ثانيا، تعزيز الشرخ في المجتمع الإسرائيلي بين القوى المؤيدة للتسوية وفك الاستيطان وإنشاء دولة فلسطينية، وبين القوى المتطرفة، بدلا من التسهيل على شارون تحشيد المجتمع الإسرائيلي من ورائه، بادعاء أن حربه ضد الفلسطينيين هي حرب دفاع عن الوجود؛ ثالثا، تمكين الفلسطينيين من تعزيز موقفهم كحركة تحرر، باعتبارهم ضحية للاحتلال وللإرهاب الإسرائيليين، لا سيما في هذه الظروف الصعبة والمعقدة، وفي ظل التداعيات الناجمة عن الحرب ضد الإرهاب واحتلال العراق؛ رابعا، الحؤول دون تحميل الانتفاضة، وشعبها أكثر مما يحتمل، مثلا هدف تحرير فلسطين أو تقويض إسرائيل، في هذه الظروف.

أما من الجانب الميداني، فقد كان من شأن عدم تمييز بعض القوى، في خطاباتها وعملياتها، بين الأراضي المغتصبة عام 48 والمحتلة عام 67، التسهيل على حكومة شارون توحيد المجتمع الإسرائيلي وراءها، ونزع شرعية المقاومة المسلحة، والتشكيك بعدالة القضية الفلسطينية، على الصعيد الدولي، والتغطية على حملات البطش والتدمير التي دأبت عليها لكسر إرادة المجتمع الفلسطيني.

وبالمحصلة فإن العمليات الاستشهادية ضد المدنيين، في مناطق 48، حمّلت الانتفاضة أكثر من طاقتها، ووضعت الفلسطينيين في دائرة مواجهات عسكرية ساخنة، وفي مستوى عال من التوتير استنزف قواهم، في صراع يفترض أنه طويل ومعقد، وبحاجة إلى تنظيم النفس وترشيد القوى. والأنكى من ذلك فقد كان من شأن قبول الفلسطينيين للاستدراج الإسرائيلي، إلى دائرة المواجهات العسكرية، كما حصل مرارا، إظهار الصراع وكأنه بين قوتين عسكريتين، متكافأتين! وهو ما مكّن شارون من تبرير تملصه من المسار السياسي والبقاء في المربع الأمني.

طبعا ليس المقصود هنا التشكيك بشرعية المقاومة المسلحة، باعتبارها، شكلا من أشكال الكفاح لدحر الاحتلال، ولكن المطلوب عدم حصر المقاومة بالعمليات الاستشهادية، والتمييز أيضا، بين المقاومة، باعتبارها وسيلة تستهدف لوصول إلى أهداف سياسية معينة، وبين الفوضى.  

ويمكن للمتابع أن يتساءل هل كان نزع شرعية المقاومة المسلحة، سيكون بهذه السهولة، فيما لو كانت متركزة على التواجد الإسرائيلي العسكري والاستيطاني، في الأراضي المحتلة عام 1967؟ ثم إذا كان الفلسطينيون يدركون محدودية قدرتهم في الصراع العسكري حتى لو كان معهم الجيوش العربية (على فرض!)، يحكم تفوق إسرائيل وضمان أمنها من قبل الولايات المتحدة والدول الكبرى، في العالم، فما الفرق بين عدد قتلى أكثر أو أقل قليلا، في عمليات المقاومة المسلّحة؟

المهم الآن، أنه وبسبب مشكلاتها البنيوية وقضاياها الصعبة والمعقدة، فإن الساحة الفلسطينية ستظلّ، على الأرجح، عرضة للاضطرابات والخلافات، ما لم تحزم أمرها، وتتّجه لحسم عدة قضايا وإشكاليات يقع في المقدمة منها:

1ـ حسم الازدواجية في طابع القيادة، فليس من المعقول أن تكون قيادة السلطة (الكيان) هي ذاتها قيادة منظمة التحرير (حركة التحرر)، أو أن تكون هي نفسها التي تدير الانتفاضة والمفاوضة. فلكل من هذين الأمرين استحقاقاته ومتطلباته.

ولا شكّ بأن إنشاء منصب رئيس للوزراء هو خطوة على الطريق، ولكنها بحاجة إلى استكمال، باستقلالية السلطة في شؤون بناء الكيان، وتفعيل دور المجلس التشريعي، والشروع بتنظيم انتخابات جديدة، وبإعادة الاعتبار لدور المنظمة ومؤسساتها. كما أن الرئيس الفلسطيني، وعلى ما يتعرض له من مخاطر، معني بتحقيق نقلة في القيادة وفي طريقة صنع القرار، ترسّخ شكلا مؤسسيا للقيادة الجماعية وتحول دون الاختراقات والتدخلات وتشكل ضمانة للقرار الوطني.

2 ـ تحديد مآل الانتفاضة، فليس خافيا أن الانتفاضة، ببعدها الشعبي، تآكلت عمليا منذ زمن، لصالح المقاومة، وهذه الظاهرة بدورها تعرضت لضربات قاسية ولامتحانات صعبة. لذلك لم يعد مقبولا الاكتفاء بالحديث العام عن ضرورة الصمود واستمرار الانتفاضة والمقاومة. فالمصارحة واجبة وضرورية، بغض النظر عن الرغبات والطموحات. فليس معقولا تجاهل التقرير بمصير الانتفاضة وكأنها ظاهرة عفوية يمكن أن تستمر إلى الأبد، أو لكأنّها غاية في حد ذاتها.

3 ـ التوافق على استراتيجية سياسية موحدة، على ضوء المعطيات والإمكانيات الراهنة، غايتها تركيز الجهود لإقامة دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1967، لتحقيق التطابق بين الحدود السياسية والجغرافية والبشرية للانتفاضة. ورغم الإجحاف بالحق التاريخي للشعب الفلسطيني في هذا الحل، إلا أنه الأقرب منالا في هذه المرحلة، ويستجيب لمطالب شعب الانتفاضة المتمثلة بالتخلص من الاستيطان والاحتلال. وهذا الحل، قد يفتح المجال مستقبلا، أمام تفاعلات تتيح تقويض الطابع العنصري والاستعماري لإسرائيل لصالح دولة ثنائية القومية أو دولة ديمقراطية علمانية في كامل فلسطين.

4 ـ إدراك حقيقة أن المقاومة لا يمكن اختصارها بالعمل المسلح، فثمة مجال لمختلف أشكال الصراع السياسي المدني والشعبي ضد العدو الصهيوني. ولا شك بأن الفلسطينيين بحاجة إلى التوافق على أشكال المقاومة المسلحة ومستوياتها وغاياتها، لتحقيق الانسجام والتكامل بين الاستراتيجيتين السياسية والميدانية.

5 ـ المواءمة بين الكفاح لدحر الاحتلال وبناء الكيان السياسي، نظراً للطابع المزدوج لحركة التحرر الفلسطيني. فالمقاومة في الحالة الفلسطينية، لا تقتصر على الصراع ضد العدو وإنما تشتمل، أيضا، على متطلبات بناء المجتمع والكيان، وترسيخ وحدته وبناء مؤسساته وتطوير إمكانياته؛ باعتبارها تعزّز وجود الشعب الفلسطيني السياسي والاجتماعي وتقوّض ركنا أساسيا من أركان العقيدة الصهيونية، التي تأسست على تغييبه.

من كل ذلك يمكن الاستنتاج بأن الانتفاضة والمقاومة والمفاوضة (وأي شكل نضالي)، ينبغي أن تخضع، في كل مرحلة، للدراسة والمراجعة والنقد وتقييم العوائد، وبالأخص فهي ينبغي أن تخضع لاستراتيجية سياسية واضحة وواقعية. وهذا ما ينبغي تربية الشعب عليه وتكريسه في الثقافة السياسية الفلسطينية.