بعد أن دفنت اتفاق أوسلو

إدارة بوش تقود عملية الإطاحة بعرفات

ماجد كيالي

لا يبدو أن إدارة الرئيس بوش حريصة على ترميم العلاقات العربية ـ الأمريكية، على رغم التخبّطات والمشكلات التي تواجهها في سياستها المعتمدة إزاء العراق، وفي مجال الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولجهة الشبهات التي تحيط محاولاتها إضفاء معنى جديد لسياستها، بادعائها حمل راية الديمقراطية والإصلاح والحرص على الاستقرار والازدهار، في المنطقة العربية.

في هذا الإطار يمكن فهم قيام الولايات المتحدة باستخدام حقها في النقض، للحؤول دون استصدرا قرار عن مجلس الأمن الدولي، غايته تنبيه إسرائيل لعدم المسّ بالرئيس الفلسطيني ياسر عرفات أو طرده؛ ومنحها إسرائيل ضمانات قروض (8 مليارات من الدولارات)، كتعبير عن الدعم الأمريكي اللامحدود لها، في وقت تمعن فيه إسرائيل في عمليات الاستيطان وبناء جدار الفصل العنصري وحصار الفلسطينيين وتجويعهم؛ وأيضا سماحها بمناقشة "قانون محاسبة سورية"، لتوجيه رسالة ابتزاز إليها، وإلى غيرها من الحكومات العربية.

ففي كل هذه المواقف والممارسات المتغطرسة تبدو الإدارة الأمريكية، على عكس ادعاءاتها، وكأنها تتعمّد تتجاهل حقوق العرب والحطّ من مكانتهم والمسّ بكرامتهم، كرمى لعيون حليفتها إسرائيل.

ولعل تتبّع تفاصيل العلاقة الإسرائيلية ـ الأمريكية، يبيّن بأن إسرائيل لا تقوم بأية شاردة أو واردة بدون التنسيق مع الطرف الأمريكي، وأخذ ضوء أخضر منه، إلى درجة باتت معها إدارة بوش تبدو وكأنها هي التي تتحكم بوتيرة العلاقات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وأكثر من أي وقت مضى.

 وفي الواقع فإن إدارة الرئيس بوش هي التي أرست الأساس لجعل سياسة عزل عرفات وإضعافه وإقصائه، سياسة رسمية، منذ مجيئها إلى البيت الأبيض، في مطلع العام 2001، برفضها التعامل معه، وبرفض الرئيس بوش لاستقباله. وفوق ذلك فإن الرئيس بوش هو الذي حرّر إسرائيل من استحقاقات اتفاق "أوسلو"، في خطابه يوم 24/6/2002، الذي رهن فيه حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وحقه في إقامة دولته، بتغيير قيادته، وبإصلاح أوضاعه!

وقد بلغ الاحتفاء والابتهاج بهذه المواقف في إسرائيل، في حينه، حد قول روبي ريفلين (القيادي في الليكود) بأن هذا الخطاب يكاد يكون كتب على يد قائد من الليكود! واعتبر ناحوم بارنيع أن خطاب بوش "دفن اتفاق "أوسلو" في طيات التاريخ.. لقد ضم جورج بوش الابن إلى صفوف الليكود كعضو مؤقت".

والآن ثمة تسريبات صحفية تتحدث عن أن تنسيق المواقف بين الطرفين، الإسرائيلي والأمريكي، يتم عبر دوف فايسغلاس، مدير مكتب شارون، وكونداليزا رايس، مستشارة الرئيس بوش للأمن القومي، من الطرف الأمريكي. حتى أنه ثمة تأكيدات بأن الأمور وصلت برايس إلى حد التدخل مباشرة في تنظيم المواقف، من الفلسطينيين، داخل الحكومة الإسرائيلية، ذاتها!

ويحاول الوف بن في تقرير له، عن العلاقة الأمريكية ـ الإسرائيلية، شرح الأمر بتحول شارون إلى رئيس وزراء صوري، إذ أن السلطة الحقيقية، برأيه، انتقلت بالتدريج إلى العضو المجهول في مركز الليكود، وهو مستشارة الأمن القومي في البيت الأبيض في واشنطن، كونداليزا رايس! يقول بن: من الصعب حسد رايس. فلديها اليوم الكثير من المشاكل، وعلى رأسها حملة الانتخابات للرئيس جورج بوش لولاية أخرى؛ الاحتلال متورط في العراق، المطاردة لأسامة بن لادن والمخططات الإيرانية لإيران وكوريا الشمالية وإضافة إلى كل ذلك فان عليها أن تحسم في كل قرار إسرائيلي: ما العمل لعرفات؟ أين ينصب الجدار؟ كم من المال سيبقى من الضمانات بعد اقتطاع النفقات في المناطق؟ كم من العجز ستبقي الولايات المتحدة لإسرائيل في ميزانية 2004؟".(هآرتس 19/9)

أما الأمثلة على التدخل الأمريكي، في صياغة الموقف الإسرائيلي، فهي عديدة، ولعل أهمها يكمن في المجالات التالية:

1 ـ الجدار الفاصل: لم تستطع إسرائيل أن تستكمل المسار الذي كانت رسمته لهذا الجدار، الذي يقتطع مساحات واسعة من أراضي الفلسطينيين ويهدد بتقسيم الضفة الغربية إلى كانتونات معزولة عن بعضها، وذلك بسبب المعارضة الأمريكية، حتى أن الحكومة الإسرائيلية اتخذت قرارا، قبل أيام، بنقل هذا النقاش إلى واشنطن، ليتم البتّ في هذا الموضوع هناك، بسبب الخلاف بين أقطابها، حول هذا الموضوع. طبعا الإدارة الأمريكية لا تعارض تماما هذا الجدار ولكنها ترى أنه ينبغي أن يكون أقرب ما يكون إلى الخط الأخضر.

2 ـ التصفيات: ظلت الإدارة الأمريكية تبدي معارضة لسياسة الاغتيالات التي تنتهجها إسرائيل ضد القياديين الفلسطينيين، ولكنها في الآونة الأخيرة أعطت ضوءا أخضر لإسرائيل لتدبّر أمرها، في هذا الموضوع، على أساس القيام بعمليات "نظيفة"، لا تؤدي إلى مقتل فلسطينيين عاديين، لتجنب إثارة مشاعر الفلسطينيين والضغط الدولي، وهو الأمر الذي حصل، سابقا، على خلفية عملية الاغتيال التي نفذتها إسرائيل ضد صلاح شحادة، القيادي في حماس (أغسطس 2002)، بقنبلة وزنها طن، أدت فيما أدت إليه إلى هدم عمارة بكاملها ومصرع وجرح العشرات من الفلسطينيين.

3 ـ الموقف من عرفات: ويبدو هذا الموقف مريبا وغير مفهوم، فالرئيس عرفات هو الرئيس الشرعي المنتخب من شعبه، بشكل ديمقراطي، وعبر صناديق اقتراع مراقبة دوليا، وهو الرئيس الذي أقنع شعبه بالتسوية، في دولة مساحتها 22 بالمئة من أرضه التاريخية، مستثمرا في ذلك مكانته الوطنية والرمزية، وهو الزعيم الذي يلتف من حوله الفلسطينيون، على اختلاف اتجاهاتهم، ومع ذلك فإن الإدارة الأمريكية تصر على عزله! والموقف الأمريكي المريب يتمثل بدعوة إسرائيل إلى عدم المس بعرفات جسديا، فقط، ولكنه يشجعها على حصاره وعزله والمس به من النواحي السياسية والمعنوية.

ويبدو أن التجرؤ الأمريكي على العرب لم يعد له حدود، إذ أن الرئيس بوش وبعد استخدام "الفيتو"، أعاد في تصريحات له، قبل أيام، التأكيد على موقفه العدائي من عرفات، وذهب بعيدا بمطالبته الشعب الفلسطيني بتغييره، وبتأكيده أن الدولة الفلسطينية لن تقوم إلا إذا حصل ذلك. واللافت أن هذه التصريحات جاءت في ذروة التفاف الفلسطينيين من حول ياسر عرفات، ما يعني أن الإدارة الأمريكية تصر الاستهتار بمشاعر الفلسطينيين وجرح كرامتهم، وتجاهل نفسيتهم وثقافتهم وتاريخهم؛ وكأن الأمر يتطلب ليس تغيير عرفات وإنما تغيير الشعب الفلسطيني برمته، حتى تقوم الدولة الفلسطينية العتيدة، بالمعايير البوشية والشارونية!

4 ـ كانت الاشتراطات الإسرائيلية للتسوية تتلخص بمطلب ضمان السلطة الفلسطينية لأمن إسرائيل، وفكفكة البنية التحتية لمنظمات المقاومة، أما الإدارة الأمريكية فقد أضافت إلى ذلك شرطا أخر وهو إصلاح السلطة الفلسطينية، وعزل قيادتها، واستبدالها!

وهكذا لم تعد القضية الفلسطينية، قضية احتلال إسرائيلي لأراضي الفلسطينيين عدوان عليهم، وإنما باتت قضية أمن وإصلاح لأحوال الفلسطينيين! وهو الأمر الذي طرحه بوش في خطابه بشأن دعمه لقيام دولة فلسطينية (24/6/2002)، وتم ترسيخه، فيما بعد، في السياسة الدولية عبر خطة "خريطة الطريق"، التي جرى فيها تفصيل الاستحقاقات الواجب تنفيذها من قبل السلطة الفلسطينية، لإصلاح أحوالها، في المجالات: السياسية والأمنية والمالية والإدارية، بما في ذلك إنشاء منصب رئيس الوزراء.

وفوق كل ذلك فإن الإدارة الأمريكية مازالت مصرة على أخذ الأمور بيدها، بصورة أحادية، وتجاهل دور الدول الكبرى الأخرى، بما يتعلق بتمهيد الطريق أمام خطة "خريطة الطريق"، التي وضعت هي البنود الأساسية فيها.

المهم من الصعب الحديث عن سياسة إسرائيلية مستقلة في عملية التسوية، فالواضح أن الولايات المتحدة، هي التي تملك أوراق الحل والربط، في هذا الموضوع. والسياسة الأمريكية، بمحاباتها لإسرائيل، وتجاهلها لمشاعر العرب ومصالحهم، ستظل تنتقل من فشل إلى فشل، وبدل أن تساهم في تحسين صورتها تفاقم مشاعر العداء لها، وتشيع مناخا من انعدام الأمل والاضطراب في المنطقة.