من اتفاق مدريد إلى أوسلو إلى خريطة الطريق..وماذا بعد؟!

ماجد كيالي

في سنته العاشرة لم يبق من اتفاق "أوسلو" شيئا يمكن التمسك به، إذ أن خطة "خريطة الطريق"، التي قدمتها اللجنة الرباعية بدعم من الإدارة الأمريكية، في أواخر أبريل الماضي، دفنت هذا الاتفاق نهائيا.

وفي السنة العاشرة عملت إسرائيل على كل ما من شأنه التخلّص من استحقاقات "أوسلو"، والتحرر من عملية التسوية برمّتها، عبر إمعانها في محاولاتها تقويض السلطة الفلسطينية وعزل رئيسها عرفات أو إضعافه. وكذلك في سعيها لفرض واقع الاحتلال، عبر تغطيتها للأنشطة الاستيطانية وشروعها ببناء جدار الفصل العنصري، الذي يرسّم حدود الكيان الفلسطيني المفترض، في ما مساحته 40 ـ 50 بالمئة من مساحة الضفة الغربية؛ على شكل كانتونات منعزلة ليس ثمة أي تواصل بينها، وفي إطار من السيطرة الإسرائيلية المطلقة.

واللافت للانتباه أن شهر سبتمبر الذي وقّع فيه اتفاق أوسلو هو الشهر الذي اندلعت فيه الانتفاضة في العام 2000، وفي سبتمبر من العام الماضي حاولت إسرائيل اقتحام مقر الرئيس عرفات للتخلص منه. أما في سبتمبر الجاري فقد أصدرت الحكومة الإسرائيلية قرارا أجازت فيه للجيش الإسرائيلي العمل على طرد الرئيس الفلسطيني المنتخب ياسر عرفات من الأراضي المحتلة!

وكما هو معروف فإن اتفاق أوسلو للتسوية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، الذي وقّّع في واشنطن في سبتمبر (1993)، كان خطوة التفافية على عملية المفاوضات التي انطلقت من مؤتمر مدريد(1991)، بدفع من المتغيرات الدولية والإقليمية، المتمثلة بانهيار الاتحاد السوفييتي وحرب الخليج الثانية، والتي نجم عنها هيمنة الولايات المتحدة على النظام الدولي وتفكك النظام الإقليمي العربي، والذي قاد بدوره إلى انحسار مناخات الصراع العربي ـ الإسرائيلي.

وطبيعي في مثل هذه الظروف أن يأتي اتفاق "أوسلو" على غاية في الإجحاف بالنسبة للفلسطينيين، إذ عقد في ظروف غير متكافئة وبلغة الإملاء، حيث ابتغت منه قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، آنذاك، تحقيق عدة أغراض، أهمها:

أولا، تعويم دورها وهي التي كانت مهددة بالشطب، عبر إيجاد موقع لها في المفاوضات، بعد أن جرى استبعادها عن مفاوضات مدريد؛

ثانيا، إيجاد مكان للشعب الفلسطيني في خريطة الشرق الأوسط الجديد، في إطار المتغيرات الدولية والإقليمية الحاصلة في التسعينيات؛

ثالثا، إيجاد موطئ قدم للشعب الفلسطيني في أرضه، بعد أن اقتنعت هذه القيادة بأن بقاء الحركة الوطنية الفلسطينية في الخارج بات غير مجديا بل ومكلفا.

أما من جهتها فإن إسرائيل ابتغت من هذا الاتفاق فرض املاءاتها على الفلسطينيين وقيادتهم، لقناعتها بأن أي فلسطيني لا يمكن أن يعقد تسوية معها بدون رضى أو من دون تغطية من القيادة الشرعية، مستغلة في ذلك المتغيرات الدولية والإقليمية الحاصلة، التي اعتبرتها فرصة سانحة لفرض شروطها.

وهكذا جاء الاتفاق بصيغة مطاطة غامضة، فهو، مثلا، لم يبتّ بمسألة عدم شرعية الاستيطان، ولم يعرّف أراضي الضفة والقطاع باعتبارها أراضٍ محتلة، ولم يصدر عنه شيء يوضّح ماهية التسوية أو المآل النهائي لها، ولم يستند إلى أية مرجعية دولية أو قانونية. وباختصار فإن هذا الاتفاق ترك كل شيء للمفاوضات التي تجري بين الطرفين المعنيين حصرا، بمعنى أنه ترك الأمر بيد إسرائيل، في ظل موازين قوى ومعطيات دولية وإقليمية غير مواتية بالمطلق بالنسبة للفلسطينيين.

ولكن محصلة مسيرة أوسلو كانت جد مخيبة للآمال لدى الطرفين، الذين انتقلا من حلبة المفاوضات إلى حلبة المعارك، ومن التعايش إلى الصراع الدامي، ومن القبول المتبادل إلى النفي المتبادل. وفي هذه المسيرة تبادل الطرفان الاتهامات عن المسؤولية عن تدهور الأوضاع بينهما وعن انهيار مسار التسوية.

وفي هذا الإطار يبدو أنه من الإجحاف تحميل الفلسطينيين المسؤولية عن التدهور الحاصل، ومن الإجحاف تحويل الضحية إلى جاني وتحويل المعتدي والمحتل إلى ضحية بريئة تدافع عن نفسها وعن شعبها، كما تدعي إسرائيل!

 فمن جهتها، مثلا، عملت القيادة الفلسطينية، لاسيما خلال السبع سنوات الأولى من أوسلو (1993 ـ 2000)، أي قبل الانتفاضة، على الوفاء بالالتزامات المطلوبة منها، لإبداء حسن النية وإظهار الرغبة بالقدرة على تفهم الواقع الجديد والعيش المشترك بين الفلسطينيين والإسرائيليين في كيانين متجاورين.

وللإنصاف ينبغي القول بأن القيادة الفلسطينية قدمت كل ما عندها في مجال التسوية مع الإسرائيليين، وفي محاولاتها بناء جسور الثقة معهم، وذلك بغض النظر عن طريقة إدارتها للسلطة، وبغض النظر عن بعض الاختراقات التي حصلت بفعل بعض النشاطات التي قامت بها الفصائل الفلسطينية المعارضة للتسوية.

ويستنتج أن مسؤولية الفلسطينيين عن فشل "أوسلو" لا ترق إلى حجم المسؤولية التي تقع على عاتق إسرائيل، فالادعاء بفساد السلطة وغياب الديمقراطية فيها، ليس له علاقة بانهيار الاتفاق. وإسرائيل أساسا ليست حريصة على أداء السلطة. أما اختراقات المعارضة فهي لا تصل إلى حجم الخروقات الإسرائيلية، وشتان بين عمل فصائل معارضة، تتمتع بقدرات محدودة، وبين انتهاج إسرائيل لسياسة الاستيطان وإرهاب الدولة ضد الفلسطينيين، بل إن هذه الممارسات هي التي تعطي الشرعية للمعارضة الفلسطينية للتسوية.

وفي الواقع فإن إسرائيل، التي تملك أوراق الحل والربط بوصفها السلطة المحتلة، عملت على التملص من الاستحقاقات المطلوبة منها، سواء في ظل حكومات العمل أو الليكود، بدءا من مقولة أن لا مواعيد مقدسة التي ابتدعها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق رابين، إلى مقولة أن عرفات ليس شريكا التي ابتدعها باراك، الذي ترأس الحكومة الإسرائيلية من 1999 ـ 2001، وصولا إلى شارون الذي يعمل على تقويض السلطة الفلسطينية والتخلص من رئيسها وتدمير عملية التسوية جملة وتفصيلا، مرورا بنتنياهو الذي جمّد عملية التسوية إبان ترأسه للحكومة الإسرائيلية على مدار ثلاثة أعوام (1996 ـ 1999).

وطبعا فإنه خلال هذه الفترة تضاعف النشاط الاستيطاني في الأرض المحتلة وصودرت الكثير من الأراضي ونشطت محاولات تهويد القدس. أما المرحلة الانتقالية للحكم الذاتي، التي مدتها خمس سنوات، فقد تم تمديدها بالأمر الواقع، وبعد سبع سنوات لم يجد الفلسطينيين، تحت سيطرتهم المباشرة وغير المباشرة، إلا ما مساحته 40 بالمئة من أرضهم! في نطاق من السيطرة الإسرائيلية، لا سيما على المعابر والطرق والاقتصاد؛ وهو الأمر الذي دفع بالفلسطينيين إلى الانتفاضة.

ولعله من المفيد في هذا الإطار، ملاحظة الجدل الإسرائيلي بشأن مسؤولية إسرائيل في انهيار اتفاق أوسلو. وعن ذلك يقول يوئيل ماركوس: "المشكلة بيننا وبين الفلسطينيين بعد اوسلو هي أنهم تخلوا عن الإرهاب كوسيلة للمفاوضات فيما نحن لم نكن مستعدين للتخلي عن المناطق والمستوطنات. لم يكونوا مستعدين للتنازل عن حق العودة، ونحن لم نكن مستعدين للعودة إلى خطوط العام 1967..شارون يقودنا نحو الحرب..صحيح انه حول حياة الفلسطينيين إلى حياة صعبة لا تحتمل، ولكن حياتنا أيضا لا تطاق. (هآرتس 12/9/2003)

أما أبراهام بورغ فيرى الأمر بصورة أبعد، وبرأيه فإن "الدولة الإسرائيلية تختنق تحت وطأة الفساد والظلم.ننا نشهد نهاية للمشروع الصهيوني..ستظل هناك دولة يهودية في الشرق الأوسط، لكنها ستكون غريبة وقبيحة..هل صنعنا دولة من أجل ذلك؟..نضال الألفي عام من أجل الدولة، انتهى بأن تكون لنا دولة مستوطنات تديرها عصابة..الدولة التي تنقصها العدالة لا تستطيع الاستمرار..هذا لا يمكن أن ينجح. وحتى لو أن العرب حنوا رؤوسهم أكثر، وازدردوا عارهم وغضبهم للأبد، لن ينجح. إن مجتمعاً يُبنى على بؤس الناس الآخرين سينهار بالضرورة".(يديعوت أحرونوت 12/9)

وبصورة أكثر وضوحا يقول ب. ميخائيل:"ضاق الصدر ذرعا بالاختفاء المرضي خلف ستار عرفات. المتهم والمذنب في كل شيء. لولاه - لأصبحنا مثل سويسرا أو لوكسمبرغ..لا ليس عرفات المشكلة وإنما شارون، ليست السلطة الفلسطينية هي الرافضة للسلام وإنما إسرائيل التي ترفض إعطاء الغير ما تريده لنفسها. إسرائيل المستعدة للدفع بكل ثمن بما فيه الدماء الذكية فقط حتى تبقى محتفظة بما احتلته في حرب حزيران".(يديعوت أحرونوت 12/9/2003)

ويفسر عاموس عوز الأمر على النحو التالي: "في عقد من سنوات اوسلو، تضاعفت المستوطنات. إسرائيل سمحت للفلسطينيين بان يفهموا بأن اوسلو وسيلة متطورة للسيطرة على المناطق. جاءت إسرائيل وقالت للفلسطينيين ما معناه: من قبل صنعنا الحرب، سلبنا أراضيكم وانتم قاتلتمونا. من الآن فصاعدا، هيا نفتح صفحة جديدة انتم تتوقفوا عن مقاتلتنا ولا تعرقلوا استمرار سيطرتنا على أراضيكم إلى أن لا نبقي لكم شيئا."! (يديعوت أحرونوت  8/6)

على ذلك فإن وجهة النظر التي تحاول تحميل الفلسطينيين مسؤولية ما يجري لا تستقيم مع الواقع، وحتى لو حاولت الحياد والادعاء بتحميل المسؤولية بالتساوي للطرفين، إذ لا يمكن المساواة بين الظالم والمظلوم ولا بين المعتدي والمعتدى عليه، ولا بين الدولة المحتلة والشعب المستعمر.