السياسة الإسرائيلية والأمريكية تفاقم التناقضات الفلسطينية

بقلم:ماجد كيالي

لا يمكن التعاطي مع مأزق النظام السياسي الفلسطيني، ببساطة، باعتباره نتاج معطيات داخلية ناشئة، مثلاً، عن التجربة الوليدة المتمثلة بازدواجية السلطة، بعد استحداث منصب رئيس الوزراء، في السلطة الوطنية الفلسطينية. ولا باعتباره مجرد نتاج التصارع الشخصي على الصلاحيات، أو التنافس على النفوذ، بين الرئيس عرفات ورئيس حكومته أبو مازن.

فهذا المأزق بالنسبة للفلسطينيين، هو انعكاس للاستعصاء الحاصل في عملية التسوية، بعد مرور عشرة سنوات على الانخراط فيها. وهو نتاج لعدم قدرتهم، برغم تضحياتهم وبطولاتهم، على فرض أجندتهم على إسرائيل، بعد ثلاثة أعوام من الانتفاضة والمقاومة. وأيضا، هو بمثابة تعبير عن مدى المعاناة وصعوبة العيش التي يتكبدونها في ظلّ أشكال العقاب الجماعي المفروضة عليهم؛ والتي تتوخّى إسرائيل منها تشتيت إرادتهم وشلّ فاعليتهم وفرض املاءاتها عليهم.

من كل ذلك يمكن الاستنتاج بأن مأزق النظام السياسي الفلسطيني، إضافة لعوامله الداخلية، هو إلى حدّ كبير امتداد لمأزق عملية التسوية لدى الجانب الإسرائيلي. وكل ما في الأمر، حاليا، أن إسرائيل استطاعت تصدير مأزقها إلى الجانب الفلسطيني، بحكم تمتّعها بميّزات متعددة، أهمها: أولا، قدرتها العالية على السيطرة على الأوضاع لديها ولدى الفلسطينيين، في حين أن الجانب الفلسطيني يفتقد للقدرة على السيطرة، حتى على أوضاعه؛ ثانيا، امتلاكها خبرة في إدارة تناقضاتها الداخلية، باحتكامها لقاعدة من المؤسسات والعلاقات الديمقراطية والوعي المجتمعي بضرورة تغليب التناقضات الخارجية؛ ثالثا، التأييد الذي تحظى به لدى الإدارة الأمريكية، والتي باتت تتبنى تماما الطروحات الإسرائيلية ولا سيما الليكودية بشأن متطلبات عملية التسوية مع الفلسطينيين.

وفي الواقع فقد لعبت إسرائيل بدأب كبير على وتيرة التناقضات الداخلية للفلسطينيين، مستغلة مصاعبهم ومعاناتهم والخلل المؤسسي في نظامهم وعدم قدرتهم على التوصل إلى توافقات مناسبة، بشأن رسالتهم السياسية ووسائل كفاحهم.

فمثلا، تعمدت إسرائيل النيل من رأس النظام الفلسطيني المتمثل بالرئيس ياسر عرفات، بالتشكيك بمكانته وأهليته للقيادة، وتهديد وجوده السياسي والمعنوي. والمشكلة أنها، فوق كل ذلك، فرضت الحصار عليه في مقره في رام الله، منذ ديسمبر 2001، على مرأى من العالم أجمع، مستهينة بالأعراف الدولية، وبإرادة الشعب الفلسطيني.

ولا شك بأن إسرائيل نجحت في محاولاتها زعزعة المكانة القيادية الرسمية لعرفات، على الأقل على الصعيدين الدولي والعربي، مدعومة من الإدارة الأمريكية، لا سيما بعد أن بات الاستمرار بعملية التسوية ودعم قيام دولة فلسطينية، مرهون بإدخال تغييرات على النظام الفلسطيني، الغرض منها بالضبط عزل عرفات، أو نزع صلاحياته، على الأقل.

واللافت أن هذا التعامل مع عرفات، من قبل إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية (اللتين تدعيّان الحرص على الديمقراطية)، يتمّ برغم من كونه منتخبا من قبل شعبه لرئاسة السلطة الوطنية! إضافة إلى كونه رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية وقائدا لحركة فتح، والأهم من كل ذلك أنه الزعيم، بلا منازع، للفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم؛ بغض النظر عن كل الإشكاليات والالتباسات التي يثيرها في سياساته وفي إدارته لأوضاع الساحة الفلسطينية.

والمفارقة أن هذا الموقف الإسرائيلي والأمريكي، المتغطرس، يحاول أن يتناسى وأن يتجاهل الحقيقة الساطعة والتي مفادها أن الرئيس عرفات هو الزعيم الذي استطاع نقل الوعي الفلسطيني، من المجال التاريخي والرمزي، إلى المجال البرغماتي والسياسي. أو من مجال الصراع والنفي المتبادل إلى مجال التسوية والتعايش المشترك، وفق صيغة دولتين لشعبين، والمتضمنة إقامة دولة للشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع على 22 بالمئة من ارض فلسطين التاريخية؛ مستثمرا في ذلك ثقة شعبه به بحكم مكانته التاريخية والرمزية والوطنية.

 إزاء ذلك يمكن القول بأن حكومة إسرائيل، ومعها الإدارة الأمريكية، تلعبان لعبة خطيرة، بموقفهما ضد عرفات، برغم معرفتهما بأنه الزعيم الذي يتوحّد من خلفه الغالبية العظمى من الفلسطينيين، على اختلاف تياراتهم وتوجهاتهم. وبرغم إدراكهما أنه بعد عرفات لن يوجد الزعيم الفلسطيني القادر على تسويق عملية التسوية مع إسرائيل، أو السيطرة على النزعات المختلفة في الشارع الفلسطيني.

على ذلك يصعب تفهّم المغزى من هذا الموقف الإسرائيلي والأمريكي الرافض لأي تعامل مع عرفات. ولعل التفسير الوحيد لهذا الموقف ربما يكمن في محاولة إسرائيل، مدعومة من الإدارة الأمريكية، التملص من استحقاقات عملية التسوية، عبر إرباك الشعب الفلسطيني ومحاولة إخضاعه وفرض املاءاتها السياسية عليه، من خلال إيجاد قيادة أكثر طواعية واستجابة لهذه الاملاءات.

أما بالنسبة لأبي مازن، الذي بات رئيسا للحكومة الفلسطينية، فقد عملت إسرائيل، وبشكل مشبوه، على كل ما من شأنه "حرق" هذا الرجل سياسيا في الشارع الفلسطيني، من خلال المبالغة في مدحه والدعوة لمساعدته في مهمته، والإشادة بواقعيته وبعد بصيرته؛ في وقت أبقت فيه على محاصرة عرفات.

ولا شك بأن الواقع على الأرض كان يختلف تماما، فقد عملت إسرائيل على الضد من هذه المواقف، وساهمت في التخريب على حكومة أبو مازن، بتملّصها من الاستحقاقات المتوجبة عليها في خطة "خريطة الطريق"، وتلاعبها بفكفكة النقاط الاستيطانية وبقضية المعتقلين، وبإصرارها على المضي في بناء الجدار الفاصل، واستمرارها بعمليات الاغتيال والتوغلات في المدن الفلسطينية؛ وهو ما حمّل أبو مازن إسرائيل مسؤوليته، في خطابه أمام المجلس التشريعي، يوم 4/9.

ولا شك بأن أبو مازن، وإزاء هذه المراوغة الإسرائيلية، بات في موقع حرج، فهو لم يستطع أن يحرز تقدما ملموسا في لجم ممارسات إسرائيل ضد الفلسطينيين، بما يحسن من أوضاعهم، كما لم ينجح في زحزحة مواقفها إزاء عملية التسوية، بما يمهد لفتح الأفق السياسي أمامهم.

وباختصار فإن أزمة أبو مازن تتمثل بأنه مطالب بالكثير من قيادته وشعبه، في حين أنه ليس لديه ما يقدمه، كما أنه من جهة إسرائيل مطالب باستحقاقات تصل حد تفتيت الصف الفلسطيني وتسعير الخلافات الداخلية، في مقابل مجرد إثبات جدارته لثقة إسرائيل وأهليته للتسوية معها؛ أي في مقابل "طبخة بحص"!

وإضافة إلى لعبها على وتر التناقضات في إطار السلطة، فإن إسرائيل، كما هو معروف، دأبت على تأجيج الصراع بين السلطة والمعارضة، وذلك بإمعانها في عمليات التصفية ضد الكوادر القيادية في التنظيمات الفلسطينية، ونقضها لمحاولات الهدنة والتهدئة، واستفزازها المستمر لهذه التنظيمات لاستدراجها إلى دائرة المواجهات المسلحة، التي تتيح لها التهرب من المسار السياسي.

 على أية حال ليس القصد من هذا الحديث إلقاء مسؤولية الأزمة السياسية الفلسطينية على عاتق إسرائيل، ومعها الإدارة الأمريكية، للتهرب من مسؤولية الفلسطينيين عن هذا الأزمة. فالمقصود هنا وضع هذه الأزمة في إطارها الموضوعي الصحيح، باعتبارها ليست أزمة شخص أو أشخاص وإنما باعتبارها أزمة عملية تاريخية، هي عملية التسوية، وباعتبارها أزمة تتعلق بمستقبل العلاقة السلمية أو الصراعية، بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني.

وطبيعي في هذا السياق أن القيادة الفلسطينية، في السلطة والمعارضة، تتحمّل قسطا كبيرا من المسؤولية عن هذه الأزمة، على الأقل في جوانبها الذاتية، المتعلقة بتخلف إدارة الوضع الداخلي، والاستمرار بسيادة الفردية والمزاجية والمحسوبية في تقرير شؤون الساحة الفلسطينية، وتغييب الأطر التمثيلية ودور المؤسسات، في صوغ التوجهات السياسية المصيرية، وعدم الاحتكام للقانون وللعلاقات الديمقراطية في إدارة العلاقات الداخلية.

ولا شك أن عرفات ومعه أبو مازن، وباقي القياديين في حركة فتح، باعتبارها كبرى الفصائل الفلسطينية وحزب السلطة، يتحملون المسؤولية الأساسية عن أزمة الساحة الفلسطينية وسيادة الفوضى السياسية وغياب المعايير فيها، وأيضا يتحملون المسؤولية عن نجاح إسرائيل في تصدير أزمتها إليها؛ الأمر الذي ينبغي تدارك مخاطره قبل فوات الأوان.