الخلاف بين أبو عمار وأبو مازن

هل الشعب الفلسطيني بحاجة لأزمة داخلية جديدة؟!

بقلم: ماجد كيالي

 

للأسف فقد نجحت إسرائيل، أخيرا، في محاولاتها الدؤوبة لنقل أزمة عملية التسوية إلى الجانب الفلسطيني، للتملص من الاستحقاقات المطلوبة منها في هذا المجال، وفرض املاءاتها بالقوة على الفلسطينيين، في ظروف عربية ودولية غير مواتية بالنسبة لهم على الإطلاق.

وقد تحقق هذا النجاح في جانبين:

1 ـ إعلان حركة حماس وقف الهدنة، التي تم إعلانها من طرف واحد (أواخر يونيو الماضي)، كردّ على اغتيال إسرائيل للقيادي فيها إسماعيل أبو شنب؛ وهو ما يفتح الباب مجددا على مصراعيه، أمام محاولات إسرائيل تبرير استفرادها بالفلسطينيين والبطش بهم، وتقويض كيانهم، بدعوى محاربة "الإرهاب"!

2 ـ الخلاف المستعر بين الرئيس عرفات ورئيس حكومته أبو مازن، وهو ما فتح المجال واسعا أمام التدخلات الأمريكية والإسرائيلية، بشؤون الساحة الفلسطينية، وتحقيق الاختراقات فيها؛ وصولا ربما لإحداث انعطافة نوعية في النظام السياسي الفلسطيني.

والخطير في الأمر أن الخلاف بين أبي عمار وأبي مازن يطال النظام السياسي الفلسطيني كله، أي السلطة والمنظمة وحركة فتح، وهو يفتح المجال أمام مزيد من التدخلات الأمريكية والإسرائيلية، ويسهل عملية إنشاء قيادة فلسطينية بديلة، التي طالمت اشتغلت إسرائيل عليها.

ويمكن القول هنا بأن الخلافات والاجتهادات هي مسألة طبيعية، ولكن الخلاف الحاصل بين عرفات وأبو مازن، بغض النظر عن خلفياته، هو شيء غير عادي وغير مفهوم، وهو انعكاس حقيقي لحال الفوضى وغياب المؤسسات والعلاقات الديمقراطية، التي تسود في الساحة الفلسطينية، والتي تتحمل مسؤوليتها السلطة كما المعارضة، والتي يتحمل مسؤوليتها أساسا أبو عمار، ومعه أبو مازن أيضا.

وفي الحقيقة ما كان الشعب الفلسطيني بحاجة لهذه الأزمة بين أبي عمار رئيس دولته (المفترضة)، وأبي مازن رئيس حكومته، فهو يواجه تحديات وتعقيدات سياسية جمّة، داخلية وخارجية، وخصوصا أنه يواجه ظروف الحصار والتقتيل والتدمير التي تنتهجها إسرائيل ضده، منذ ثلاثة أعوام.

واللافت للانتباه أن الخلاف بين هذين الرجلين لا يدور حول تأييد عملية التسوية أو رفضها، وهو ليس خلافا بين السلطة ومعارضيها ولا بين فتح والقوى الأخرى.

على العكس من ذلك فإن هذا الخلاف يقع في دائرة التصارع على السلطة، والأنكى أنه خلاف في إطار قيادة حركة فتح، ذاتها، إضافة إلى أن الرجلين أخذا على عاتقيهما التوقيع على اتفاق أوسلو (1993) وإضفاء الشرعية عليه في فتح وفي الساحة الفلسطينية، وهما اليوم يضعان ثقلهما وراء "خريطة الطريق".

 والمفارقة أن الفلسطينيين لا يكادوا يعرفون تفسيرا حقيقيا أو واضحا لهذه الأزمة بين أبي عمار وأبي مازن. فالأول هو قائد حركة فتح ورئيس منظمة التحرير ورئيس السلطة الوطنية، والأهم من كل هذه المناصب والألقاب انه الزعيم الأوحد للشعب الفلسطيني، بلا منازع.

أما الثاني فهو رئيس الحكومة، المعيّن من قبل الرئيس عرفات، ذاته، وهو أيضا أمين سر اللجنة التنفيذية للمنظمة وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح؛ وإن قدم استقالته من هذه العضوية (في يوليو الماضي) احتجاجا منه على ما تعرض له من ضغوطات من قبل الرئيس عرفات والتيار المؤيد له في المجلس التشريعي، بعد المطبّات التي وقع فيها هو وحكومته، في المجال التفاوضي والسياسي.

وكان أبو مازن، مثلا، سمح بعقد لقاءات في القدس المحتلة بين أعضاء من حكومته ووزراء إسرائيليين، وهو أمر يطالب الفلسطينيون ممثلي الدول الأخرى بعدم القيام به، لأنه يعني الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على القدس. كذلك بدا ضعف أبو مازن في الخطاب الذي ألقاه في العقبة (يونيو الماضي)، لدى اجتماعه مع الرئيس الأمريكي بوش ورئيس الوزراء الإسرائيلي شارون، والذي تنصّل فيه من المقاومة، وقدم فيه اعتذارا مباشرا لإسرائيل عن إنكاره للهولوكست، في كتاب له عن الصهيونية ألفه في الثمانينيات! وذلك بإعرابه عن تفهمه للمظالم التي ارتكبت بحق اليهود (في أوروبا!)، إبان الحرب العالمية الثانية! في وقت يعاني فيه الفلسطينيون الأمرين من ممارسات العقاب الجماعي الإسرائيلية.

المعنى من ذلك أن لأزمة بين الرئيس عرفات ورئيس حكومته محمود عباس ليست جديدة، فهذه الأزمة بدأت ملامحها بالظهور منذ يوليو من العام الماضي، أي بعد اجتياح إسرائيل للمدن الفلسطينية، وفي ظروف حصار عرفات في المقاطعة في رام الله، وفي ظل الحديث الأمريكي والإسرائيلي عن ضرورة إيجاد قيادة بديلة لعرفات، بتغييره أو بنزع صلاحياته.

ففي تلك الظروف عقد أبو مازن اجتماعا لبعض المقربين منه، في منزله في رام الله، جرى فيه تحميل عرفات المسؤولية عن التدهور في الحالة الفلسطينية، ما فهم أنه مسايرة للتوجهات الإسرائيلية والأمريكية بإقصاء عرفات، أكثر من كونه مراجعة للموقف الفلسطيني، لإصلاح ما يمكن إصلاحه أو إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

وقد عاد الخلاف للبروز على خلفية الاطروحات التي قدمها أبو مازن، في أواخر العام الماضي، والتي تحدث فيها بشكل عام عن ضرورة وقف الانتفاضة لأنها لم تقدم إنجازات تذكر للشعب الفلسطيني، بل أنها زادت من معاناته. وفي هذا الاطروحات صبّ أبو مازن جام غضبه على ما سماه ظاهرة "عسكرة" الانتفاضة.

وفي الحقيقة فإن مراجعة أبو مازن، يومها، كانت جزئية وانتقائية، إذ أن الانتفاضة كانت نتيجة طبيعية لتملّص إسرائيل من عملية التسوية، بعد انتهاء المرحلة الانتقالية، وبضغط محاولاتها فرض الأمر الواقع بمصادرتها الأراضي وتعزيزها للاستيطان في أراضي الفلسطينيين، وفي القدس خصوصا. أما ظاهرة العسكرة أو المقاومة، فهي جاءت ردا على البطش الإسرائيلي بالشعب الفلسطيني.

وكان الأولى بأبي مازن، حينها، تناول الأمور بموضوعية، بمعزل عن رغباته أو أرائه الخاصة، إذ أن القيادة الفلسطينية، وهو ضمنها، هي التي تتحمل مسؤولية الانفلاش في الساحة الفلسطينية وفوضى الانتفاضة، ومسؤولية عدم التوافق السياسي والميداني فيها، بتغييبها المؤسسات الشرعية واحتكارها القرار وطريقتها في العمل؛ وإن كان عرفات يتحمل المسؤولية الأساسية في كل ذلك.

وكان الأولى بأبي مازن، أيضا، أن يحمّل المسؤولية لإسرائيل عن اندلاع الانتفاضة، كما كان حري به أن يميّز بين المقاومة في الضفة والقطاع، التي تنسجم مع هدف الإجماع الوطني المتمثل بدحر الاحتلال من هذه الأراضي، وبين العمليات الاستشهادية التي ألحقت ضررا بصدقية الكفاح الفلسطيني على الصعيد الدولي، وحشدت الإسرائيليين خلف شارون، وحملت الفلسطينيين أكثر مما يحتملوا بوضعهم في دائرة الاستفراد والاستهداف الإسرائيليين.

ولكن الخلاف بين الرجلين عاد واستعر بعد التلويح بطرح خطة خريطة الطريق، التي تناولت تغيير القيادة الفلسطينية، وتعيين رئيس للحكومة. إذ  جرت ضغوطات عربية وإسرائيلية ودولية، بشأن تسمية أبو مازن رئيسا، في حين حاول أبو عمار التملص من الأمر دون جدوى، وظهر في حينه كمن خضع للاملاءات الخارجية، في حين أن تعيين أبو مازن في هذا المنصب أحاطت به الشبهات وظهر كمن جاء بنتيجة املاءات أمريكية وإسرائيلية؛ أي بدون شرعية فلسطينية.

وبعد تعيين أبو مازن رئيسا للحكومة تجدد الخلاف بينه وبين أبو عمار، على خلفية التشكيل الوزاري، ولا سيما في مسألة الصراع على تسمية وزير الداخلية. واللافت للانتباه أن أبو مازن رفض تعيين هاني الحسن، في هذا المنصب (مع العلم أنه عضو في اللجنة المركزية لحركة فتح!)، وأصر على تعينين دحلان، وكانت التسوية، بإلغاء المنصب والاكتفاء بتسمية دحلان وزيرا للشؤون الداخلية، في حين بقية حقيبة الداخلية من مسؤولية أبو مازن نفسه.

ثم جاءت أزمة خطاب العقبة، كما قدمنا، والتي دفعت أبو مازن لتقديم استقالته من اللجنة المركزية لحركة فتح، وهي بمثابة الحزب الحاكم في السلطة. وها نحن نشهد فصلا جديدا لهذا الخلاف بعد انهيار الهدنة، التي أعلنها الفلسطينيون، في أواخر يونيو الماضي، وفي ظل إمعان إسرائيل في عمليات الاغتيال ضد الفلسطينيين واجتياح المدن الفلسطينية.

المشكلة الآن أن الرئيسين، في صراعهما، استخدما أدوات غير مناسبة، فالرئيس عرفات يرفض توحيد أجهزة الأمن أو التخلي عن سلطته عليها. وهو إضافة إلى ذلك قام بحركة استفزازية ومزاجية، كعادته، تمثلت بتسمية جبريل الرجوب (قائد الأمن الوقائي في الضفة الغربية سابقا) مستشارا له للأمن القومي، برغم الشبهات التي تحوم حول مسلكياته ومواقفه، وبرغم أنها تسمية صورية، لأنه ليس للرئيس مستشارين فاعلين، ولا يوجد مجلس بهذا المعنى. وفوق ذلك فقد قام بترقية الرجوب من عقيد إلى عميد، ما جعله في مرتبة أعلى من محمد دحلان، وزير الشؤون الداخلية، ونظيره، أو غريمة، في قطاع غزة (سابقا). وهذه وتلك إشارتان لهما مغزى مهم في إطار التجاذبات في إطار السلطة الفلسطينية.

أما أبو مازن فقد رد على هذه الخطوات بالتلويح بعقد المجلس التشريعي للانعقاد، بدعوى تقديم كشف حساب عن مئة يوم من عمل الحكومة، في محاولة لابتزاز عرفات، سواء عبر التلويح بالاستقالة أو نيل الثقة به وبحكومته، مجددا. كما قام بخطوات مثل ضم موازنة الأجهزة الأمنية إلى موازنة الحكومة، ووقف رئيس ديوان الموظفين المقرب من عرفات، وتعيين بديلا عنه. إضافة إلى الخطوات التي اتخذها على الصعيد الفلسطيني من مثل تجميد أرصدة الجمعيات الخيرية والطلب من الأجهزة الأمنية في قطاع غزة الحفاظ على وقف إطلاق النار.

ولم تتوقف إجراءات محمود عباس عند هذا الحد إذ نقل الأزمة إلى مستوى أخر تمثل بمخاطبة جامعة الدول العربية بشأن بتعيين نبيل شعث، وزير الشؤون الخارجية، ممثلا لفلسطين من اجتماعات وزراء خارجية الدول العربية، بدلا من فاروق القدومي، زميله في اللجنة التنفيذية وأمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح؛ وهو الذي اعتاد أن يمثل فلسطين في هذه الاجتماعات.

ومن جهتها سارعت إسرائيل إلى التدخل في هذا الصراع عبر اعتبارها أن عرفات ليس له صلة وأنها ليست معنية بدعواته لوقف إطلاق النار، وأنها لن تتعامل مع أي رئيس حكومة أو مع أي مسؤول فلسطيني في حال تمت حجب الثقة عن أبو مازن وحكومته. وفي ذات الإطار سارعت الإدارة الأمريكية لتأكيد مطالبها بضرورة تخلي عرفات عن كل صلاحياته معلنة أنه جزءا من المشكلة ليس جزءا من الحل! ووصل الأمر حد اجتماع القنصل الأمريكي في القدس، مع عدد من أعضاء المجلس التشريعي، ولا سيما من الفتحاويين، لإبلاغهم رسالة حازمة مفادها أنه من الممنوع التصوية ضد أبو مازن، لأن ذلك سيضع الوضع الفلسطيني في مواجهة الرئيس بوش!

ولا شك أن هذا التدخل الاسرائيلي والأمريكي هو في الضد من مصلحة أبو مازن وهي يقوض من صدقيته الوطنية ويثير الشبهات من حوله، بل إنه حرق له في الشارع الفلسطيني.

والمعنى أن هذا التدخل ليس بريئا وهو ليس من أجل سواد عيون الفلسطينيين، وإنما من أجل نقل الأزمة إلى داخلهم، وتفتيت صفوفهم، لا سيما أن الحديث عن القيادة البديلة لم يعد مطروحا من خارج المنظمة، بل إن المطروح هو تغيير هذا النظام من داخل المنظمة ومن داخل السلطة ومن داخل حركة فتح ذاتها، بهدف المجيء بقيادة أكثر طواعية للاملاءات الأمريكية والإسرائيلية.

وعلى أية حال فإن التحديات الراهنة تفترض من مجمل القوى الفلسطينية، سواء كانت في السلطة أو في المعارضة، توحيد جهودها ومواقفها لتفويت هذه الاستهدافات وإفشالها، في تحقيق أقصى قدر ممكن من التوافق السياسي والميداني.

كما يفترض ذلك من القيادة الفلسطينية، ومن الرئيس عرفات تحديدا، المبادرة إلى عملية إجراء مراجعة حساب للذات ونقد التجربة الماضية واستنتاج العبر المناسبة منها للشروع في بناء البيت الفلسطيني على أسس وطنية مؤسسية وديمقراطية سليمة، تتجاوب مع حاجات الشعب الفلسطيني وتتناسب مع إمكانياته ومع تضحياته، بما يقوي الساحة الفلسطينية، في مواجهة التحديات التي تعترضها، وبما يعزز مناعتها أمام التدخلات والاختراقات الخارجية.

وبالتأكيد فإن الشعب الفلسطيني ليس بحاجة لخلافات من هذا النوع، وهو لا يملك حتى ترف التسلّي بها، وهي خلافات لا تنم عن احترام هذا الشعب ولا تضحياته ولا معاناته. فإلى متى؟!