سجالات الفلسطينيين في المقاومة والسياسة

ماجد كيالي

على رغم الخبرات السياسية الغنية والمعقدة التي اختزنتها الحركة الوطنية الفلسطينية، طوال عقود أربعة، إلا أن هذه الحركة لم تتمثّل، تماما، هذه الخبرات، في خطاباتها السياسية وبناها التنظيمية وأشكال عملها المجتمعية والنضالية.

وعلى الأغلب فإن هذه الحركة مازالت تراوح في حيّز البديهيات والشعارات والرغبات، بينما هي أحوج إلى الاشتغال على تفكيك الإشكاليات وصوغ الاستراتيجيات، والانتقال إلى صنع السياسات، باعتبارها حقلا للتفاعل بين صراع الإرادات وموازين القوى والمعطيات الدولية والإقليمية. ولعل ذلك يفسّر ضعف الحراك السياسي، في الساحة الفلسطينية، وجمود أطرها وأفكارها ووسائل عملها، عند نقطة انطلاقها في الستينيات، برغم ما مرت به من منعطفات وانكسارات أو من تطورات وإنجازات!

ويمكن تفسير ذلك بعدة أسباب منها: أولا، غياب الاشتغال على الفكر السياسي باعتباره حقلا معرفيا؛ وثانيا، ضعف العلاقات الديمقراطية والتفكير النقدي؛ ثالثا، سيادة التفكير الذي لا يشجّع على الاجتهاد والذي يميل إلى التصنيفات المسبقة وإثارة الشبهات؛ رابعا، الحذر من تبعة تقديم أفكار سياسية غير تقليدية، بسبب عدم نضج المجتمع الفلسطيني والتخوف من مغبّة طرح مثل هذه الأفكار، التي ربما تصوّر على أنها تفريط بالحق والوطن؛ خامسا، سيادة روح الوصاية الفصائلية وغياب علاقات التفاعل والمشاركة والتداول، بين الشعب والطبقة السياسية(سلطة ومعارضة)، ما يحول دون تنمية ثقافة سياسية مجتمعية.

مثلا، يتركّز النقاش في الساحة الفلسطينية، في هذه المرحلة، على الانتفاضة والمقاومة، باعتبارهما فعلا للتضحيات والبطولات، أكثر من كونهما فعلا للإنجازات، فيرى فيهما قيمة عليا، وحاجة في ذاتها، دون الالتفات إلى دراسة نتائجهما، السلبية والايجابية، لكأنه ثمة انتفاضة أو مقاومة إلى الأبد! واللافت أن اختزال المقاومة بالمظاهر المسلحة/العنفية، يتم دون انتباه المعنيين إلى أنهم كانوا يتغنّون بتجربة الانتفاضة الأولى (1987 ـ 1993)، التي عرفت بطابعها الشعبي، وبكونها قدمت إضافة نوعية للحركة التحررية الفلسطينية. لا سيما أن هذا الاختزال يثير شبهة افتقار الحركة الفلسطينية للتجربة السياسية، والأنكى، أنه يثير شبهة افتقارها للبعد الشعبي، ويجعل المقاومة حكرا على فئة من المحترفين.

وأساسا فإنه ينبغي الانتهاء من الثقافة السياسية السائدة التي تحصر الصراع مع إسرائيل بالوسائل العسكرية، إذ أن مساحة ومظاهر وأشكال المقاومة، في ظروف الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أوسع وأعمق وأكثر من أن تحصر بشكل بعينه. إضافة إلى أنه ليس ثمة جدال بشأن تفوق إسرائيل في مجال المواجهات العسكرية. وليس ثمة وهم لدى أي فريق من الفلسطينيين بشأن إمكان تحقيق الغلبة على إسرائيل في هذا المجال.

واللافت أن المتحكمين في العمل الفلسطينيين لا ينطلقون، على الأغلب، من إدراك حقيقة مفادها أن المقاومة، في حال الفلسطينيين، لا تقتصر على الصراع ضد العدو، وإنها تشتمل على متطلبات بناء المجتمع والكيان، بتعزيز وحدته وبناء مؤسساته وتطوير إمكانياته وترشيد توجهاته. فالمقاومة هنا ليست فعلا للهدم أو للثأر أو للقتال أو للاستنزاف، فحسب. بمعنى أن القضية ليست في حساب عدد الخسائر لدى العدو، وإنما في انعكاس هذه المقاومة على المجتمع الفلسطيني وعلى مستوى وعيه وتطوره السياسي والثقافي.

الجانب الأخر الذي يمكن مناقشته، هنا، يتمثل بالفجوة بين خطاب الفلسطينيين وإمكانياتهم، فثمة افتراق بين الاستراتيجية السياسية المعتمدة والإمكانيات والقدرات والمعطيات المتوفرة. ومن الواضح أن شعارات الفلسطينيين السياسية، طوال المرحلة الماضية من المواجهات الحامية، لا تتطابق مع خريطة الانتفاضة وحدودها الجغرافية والبشرية، وتحملها أكثر مما تحتمل، باعتبارها حالة فعل للمجتمع الفلسطيني في الضفة والقطاع؛ لا سيما في ظروف دولية وإقليمية غير مواتية.

وهذا الافتراق يقودنا إلى مواجهة إشكالية أخرى، تتمثل بعدم التلاؤم بين الهدف السياسي الممكن للفلسطينيين وأساليب المقاومة المسلحة المتبعة. ومن الأساس فإن الفلسطينيين، وبعد هذه التجربة المريرة، معنيون بتحديد ما الذي يريدونه، لأنفسهم، أولا، ثم للإسرائيليين وللعالم، فإذا كانوا يريدون حلا على شكل دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، أو دولة ثنائية القومية أو اتحاد كونفدرالي أو دولة ديمقراطية علمانية، فإنهم معنيون أيضا بمعرفة الوسائل السياسية والكفاحية التي تتناسب مع الحل الذي يريدونه. فمن غير المنطقي، مثلا، التحدث عن حلول كهذه في وقت يجري فيه الحديث عن الحرب الوجودية وتدمير إسرائيل وتقديس العمليات الاستشهادية (كشكل أحادي للكفاح)، ما يعطي انطباعا أنه ثمة حرب دينية ووجودية وافنائية؛ وهي الاطروحات التي تتلطى ورائها إسرائيل للتغطية على بطشها بالفلسطينيين والتملص من الاستحقاقات المطلوبة منها في عملية التسوية والتنصل نهائيا من مسؤوليتها عن ولادة مشكلة اللاجئين وحلها.

المعنى من ذلك أن الشعب الفلسطيني معني بتوضيح نفسه كضحية، لفضح جوهر الاستعمار الصهيوني العنصري، وإنتاج خطاب سياسي حضاري لا يتمثّل عناصر الحقد والعدوانية والعنصرية، لا في خطاب عدوه ولا في ممارساته.

يبقى أنه ثمة تحفظ لدى البعض من فكرتين، أو إشكاليتين، أساسيتين: الأولى، تتعلق بالتطبيع والثانية بمفهوم إنتهاء الصراع. وفي الواقع فإن إسرائيل نفسها بسبب طبيعتها ورؤيتها لذاتها ولدورها في المنطقة، هي الطرف الذي يجد نفسه على تناقض مع هاتين الفكرتين أكثر من أي طرف أخر، برغم كل الإجحاف الذي يلحق بالعرب، جراء هذه التسوية.

بالنسبة للفكرة الأولى، مثلا، فإن إسرائيل نفسها تبدي ممانعة للتطبيع مع محيطها، لأنها أصلا  لم تطبّع مع ذاتها، بحكم التناقضات الداخلية فيها، بين العلمانيين والمتدينين والشرقيين والغربيين والمتطرفين والمعتدلين، وبين كونها دولة يهودية وديمقراطية. ومن المعروف أن إسرائيل تصر على تعريف ذاتها كدولة يهودية، كما تصر على انتمائها للغرب وليس للشرق الأوسط. والنتيجة أن إسرائيل تريد التطبيع، ولكنها تريده انتقائيا، ما يفسر سعيها للتطبيع مع الحكومات والنخب الاقتصادية، الذي يؤمن لها الاعتراف بحقها في الوجود وضمان أمنها والاستفادة من المجال الاقتصادي الشرق أوسطي؛ أما التطبيع بمعنى التحول إلى دولة عادية فهو، بغض النظر عن الضجيج والاطروحات الساذجة، فهو يتناقض مع طبيعة إسرائيل وحتى مع تعريفها لدورها ولذاتها كدولة صهيونية ـ يهودية.

أما بالنسبة لفكرة إنتهاء الصراع، فمن السذاجة الاعتقاد أن وثيقة ما يمكن أن تقرر ذلك، لأن الصراعات التي تحمل طابعا تاريخيا لا يمكن أن تنتهي إلا بانتفاء الأسباب أو الأحوال التي أدت إليها، أو بنتيجة تحول لدى أطرافها تحولا كليا، أو جوهريا. والواقع فإنه ليس ثمة صراعات أبدية، كما أن الصراعات لا تنتهي وإنما تتحول وتتغير أشكالها وأدواتها ومواضعها.

أخيرا، آن الأوان للفكر السياسي الفلسطيني (والعربي)، الذي يشتغل في واقع مركب ومعقد، أن يراجع مناهجه وأولوياته وأدواته، بالانتقال من حقل التفكير بالمطلقات إلى التفكير بصنع الوقائع والانطلاق من عملية التغيير باعتبارها ليست مجرد عملية انقلابية/عنفية، تتم دفعة واحدة أو بالضربة القاضية، وإنما باعتبارها عملية تراكمية تدريجية مركبة وشاملة في عالم النسبيات وموازين القوى.

وفي هذا المجال يبرز دور القياديين السياسيين والمثقفين، في تربية شعبهم بالثقافة السياسية المناسبة والمنتجة، وقيادته إلى هدفه بأصوب وأقرب طريق ممكن، وبأقل تكلفة ممكنة. أما تنمية النزعات "الشعبوية" ومخاطبة الغرائز والعواطف، بحجة التجاوب مع نبض الجماهير، فهو مجرد تغطية على واقع "الوصاية" على الشعب، إضافة لكونه عملا لا يمت للقيادة ولا للسياسية بصلة.