إشكالية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي:

تعادل دامي وانسداد الأفق سياسي

ماجد كيالي

جاء كلام محمود عباس، رئيس الحكومة الفلسطينية، عن انتهاء العداوة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، متسرّعا ويحتوي كثيرا من المبالغة والإرادوية، في الحكم على الأمور، ذلك أن انتهاء شكل معين من أشكال الصراع لا ينهي عداوة، ثم أن هكذا عداء لا ينتهي بخطاب ولا بقرار ولا بجرّة قلم، وإنما بانتفاء الأسباب التي أدت إليه.

 وعلى الأقل فإن الإسرائيليين لا ينظرون إلى الأمور على هذا النحو، فضلا عن أن المراهنة على نوايا الإسرائيليين هي جدّ خطيرة، وربما أنها توحي بسذاجة سياسية، لا نعتقدها لدى أي من القادة الفلسطينيين، ومن ضمنهم أبو مازن ذاته.

وبغض النظر عن محاولات "التشاطر" في الخطابات الفلسطينية، التي كثيرا ما تشوّش على الرأي العام، فإن ما يلفت الانتباه في الهدنة الحاصلة، أن أي من الطرفين: الفلسطيني والإسرائيلي، لم يقم بمراجعة مواقفه أو سياساته إزاء الأخر، وأن أي منهما لم يسلّم بإملاءات أو مطالبات الطرف الآخر، وأيضا فإن أي من الطرفين لم يبد أي مظهر من مظاهر التعب، بعد مواجهات ساخنة استمرت أكثر من ألف يوم، من دون توقف.

واللافت، أيضا، أن الطرفين المعنيين لم يقتنعا بضرورة تهدئة الأوضاع، لا بسبب النزيف البشري والاقتصادي والمعنوي، الذي تعرضا له، ولا بسبب حاجتهما لالتقاط الأنفاس، على رغم أهمية هذا وذاك، إذ حصل ما حصل، بالضبط، بضغط من التحولات الخارجية المتمثلة، بالاحتلال الأمريكي للعراق وعودة الإدارة الأمريكية للاهتمام بملف "الشرق الأوسط"، مع تبنّي الرئيس بوش، لخطة "خريطة الطريق"، وطرح المبادرات الأمريكية (التدخّلية) المتعلقة بإجراء تغييرات وتطويرات في المنطقة، في مجالات السياسة والتعليم والاقتصاد.

والأرجح أنه لولا هذه المتغيرات المهمة والحاسمة، لظل الطرفان المعنيان على عنادهما، يخوضان في دوامة من التصارع الدامي المفتوح، يتقاتلان وينزفان، في موجات صاعدة حينا وهابطة حينا أخر، من دون نهاية ومن دون التوصل إلى أي نتيجة، ذات مغزى.

ولعل أكبر دليل على ذلك أن كل واحد من الطرفين المتصارعين، وهو يتبجح بأهمية الهدنة، يتصرّف على أساس أنه انتصر في المواجهات التي دارت خلال الألف يوم الماضية.‍

فالفلسطينيون يعتقدون أنهم ربحوا هذه الجولة الصراعية، بحيث أنهم أجبروا شارون على بلع شروطه المعهودة بشأن الهدنة والعودة إلى استئناف المسار التفاوضي، لدرجة أنه ثمة بينهم من يعتقد بأنهم خلقوا نوعا من "توازن الرعب" مع الإسرائيليين، في حين أن الطرف الإسرائيلي يعتقد بأنه انتصر على الفلسطينيين، وأجبرهم على وقف انتفاضتهم ومقاومتهم، من دون أي مقابل سياسي؛ على ما صرح موشيه يعلون رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، مثلا.

وفي الواقع فإن كل واحد من الطرفين على خطأ وعلى صواب، بنفس الوقت، فكلاهما أثخن في الطرف الأخر الجراح وأصاب مقتل في الأخر، وحقق مكتسبات بالنقاط عليه، ولا شك أن نتيجة المواجهات كانت أكثر وطأة على الفلسطينيين، بسبب الاختلال في موازين القوى وظروفهم الصعبة، ولكن أي واحد من الطرفين لا يستطيع الادعاء بأنه حقق نجاحات سياسية بالمعنى الاستراتيجي على الأخر.

والأهم من كل ذلك أنه في ضوء المعطيات الذاتية لكلا الطرفين، وفي ضوء الظروف الدولية والإقليمية الراهنة، من غير المسموح فيه لأي طرف، من الطرفين المتصارعين، بإلغاء الطرف الأخر، أو تحقيق الانتصار عليه. على ذلك فإن التوافق على تهدئة الأوضاع يبدو حاجة ضرورية، ليس فقط لالتقاط الأنفاس، لاسيما بالنسبة للفلسطينيين، وإنما هو حاجة ضرورية أساسا للخروج من وضعية لا أفق سياسي لها، في المعطيات والظروف الراهنة.

المعنى أن المواجهات الدامية والعنيفة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، من دون هذه الهدنة والتهدئة، يمكن أن تستمر لأشهر وربما لسنوات عدّة، ولكنها لن تصل إلى حد حسم نتيجة الصراع من الناحية السياسية لصالح أي من الطرفين. أما الذي سيتغير، على الأغلب، فهو حجم الخسائر البشرية والاقتصادية، على الجانبين، وبدلا من مصرع 814 من الإسرائيليين واستشهاد 2700 من الفلسطينيين (خلال ألف يوم)، سنجد أنفسنا أمام خسائر بشرية واقتصادية، أكثر، بهذا القدر أو ذاك، ولكن لا الإسرائيليين سينجحون في كسر إرادة الفلسطينيين، وفرض الهزيمة عليهم، بإخضاعهم لاحتلالهم ولقائمة املاءاتهم، ولا الفلسطينيين سيملكون القدرة على هزيمة إسرائيل وفرض مطالبهم عليها.

وتفسير ذلك أن كل طرف من هذين الطرفين، يرى في الصراع ضد الطرف الأخر صراع وجوده وأرضه ومصيره ومعنى وجوده في هذه المنطقة، لا سيما أن الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، بحكم طبيعته وظروفه التاريخية، يجري بين مجتمعين، وليس بين دولتين، أو بين مجرد دولة مستعمرة وشعب مستعمر. ولا شك في أن صراعا على هذا النحو، هو من العمق والاتساع والتداخل، بحيث لا يمكن حله بمرحلة واحدة، ولا بشكل معين دون غيره. والأهم من ذلك أن حل هذا الصراع يحتاج إلى تغيرات نوعية في المعطيات والمعادلات الخارجية، التي تقود بدورها إلى تغيرات في طبيعة الصراع وفي نتائجه وفي أطرافه، أيضا؛ وهذا غير وارد في المرحلة الحالية، برغم كل الضغوط والتوجهات الأمريكية.

على ذلك فإنه لا ينبغي تحميل "الهدنة" الحاصلة أكثر من حجمها، إذ أن القضايا الخلافية الحادة، بين الإسرائيليين والفلسطينيين، لا زالت على حالها، وهي قضايا جوهرية تشمل: 1) التواجد العسكري في المدن الفلسطينية، أو على تخومها، مع مواصلة فرض الحصار والأطواق على الفلسطينيين؛ 2) مواصلة بناء الجدار الفاصل (ارتفاعه ثمانية أمتار وطوله350 كلم)، لعزل الفلسطينيين وفصلهم عن بعضهم، ووضعهم في معازل تذكر بالمناطق التي أقامها نظام التمييز العنصري (السابق) في جنوب أفريقيا، هذا من دون أن ننسى الجدار العازل الذي تقيمه إسرائيل في غور الأردن، لعزل الضفة، والحفاظ على منطقة أمنية ـ استيطانية، إسرائيلية على طول نهر الأردن؛ 3) تزايد النقاط الاستيطانية (عددها أكثر من 120)، وهي تفاقم من الخطر السرطاني الذي تشكله، أصلا، حوالي 160 مستوطنة في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ 4) إصرار إسرائيل على تفكيك البنية التحتية للمنظمات الفلسطينية، والحفاظ على حرية الحركة للجيش الإسرائيلي في اقتحام المدن الفلسطينية واعتقال أو اغتيال الناشطين الفلسطينيين؛ 5) مواصلة احتجاز حرية ما يقارب ثمانية آلاف من المعتقلين الفلسطينيين، والتلكؤ في الاستجابة لمطالب السلطة الفلسطينية بالإفراج عنهم؛ 6) الممانعة الإسرائيلية لقيام دولة فلسطينية ذات سيادة في الضفة والقطاع.

على هذا الأساس تبدو "الهدنة" العتيدة، في واقع الحال، بمثابة مرحلة جديدة من مراحل الصراع السياسي بين الفلسطينيين والإسرائيليين تختلف، ربما، في مظاهرها وأشكالها وقضاياها عن مرحلة الصراع الدامي والاشتباك العنيف، الذي دار بين هذين الطرفين، في المرحلة الماضية.

على العموم ما كان أحد يتصور أن الشعب الفلسطيني الأعزل والمحاصر يستطيع أن يخرج بشيء من التعادل في المواجهات التي دارت مع الإسرائيليين، الذين يملكون جيشا يعتبر من أقوى الجيوش في العالم. ففي صراع الإرادات هذا يبدو جليا أن إسرائيل لم تنجح في وأد الطموحات السياسية للفلسطينيين، برغم "انتصاراتها" العسكرية عليهم. وحتى هذه الانتصارات فإنها لم تقنع الإسرائيليين أنفسهم. إذ أن 73 في المائة من إجمالي الجمهور في إسرائيل لا يوافق رئيس الأركان (يعلون) بقوله أن إسرائيل انتصرت في المواجهة، بل إنه ثمة 33 في المائة منهم يعتقدون بان الفلسطينيين هم الذين انتصروا، و24 بالمئة، فقط، يعتقدون أن إسرائيل هي التي انتصرت. وثمة 95 في المئة من الإسرائيليين يعتقدون بان الوضع الاقتصادي للدولة ليس جيدا، و77 في المئة لا يعتقدون بأهمية المستوطنات الأمنية، 25 بالمئة يعارضون خطة خريطة الطريق مقابل 63 بالمئة يؤيدونها" (يديعوت أحرونوت 4/7) وكذلك فثمة 73 في المائة، من الإسرائيليين يؤيدون وقف النار مع الفلسطينيين. (معاريف 4/7)

النتيجة ثمة تعب لدى الطرفين، وثمة استنزاف كبير لقدراتهما، ولكن أيضا ثمة عناد ومكابرة واستعداد لاستئناف المواجهات الدامية، ولو كان الأمر لمجرد المواجهة ومن دون أي أفق سياسي، ولعل هذا ما يضعف من مصداقية الهدنة، وما يشجع على العودة إلى دوامة الدماء والعنف مجددا، وهو ما تميل إسرائيل إليه أكثر من الفلسطينيين، بسبب مصالحها ومصادر قوتها.