الإصلاح  سلة واحدة

 بقلم : محمد جمال باروت

 

  تبدو طريقة حكومة الدكتور محمد مصطفى ميرو في الإصلاحات التي قامت بها خلال الأعوام الثلاثة المنصرمة،وكأنها تشبه في بعض الوجوه  بدايات التجربة الصينية، أول شروعها بالإصلاحات، وذلك من زاوية أن هذه الإصلاحات لم تنطلق من برنامجٍ إصلاحيٍ منظوميٍ مجدْولٍ زمنياً، بل من إجراء اختبارات تحريرية محددة ومتفاوتة السرعات في بعض القطاعات، على أساس مبدأ الصينيين" فلتحس بالأحجار وأنت تعبر النهر". ورغم أن الحكومة كهيئة  أو كوزراء في الحوارات الشخصية والرسمية لايشيرون إلا بشكلٍ عابرٍ لتجربة الصين، فإن زيارة رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد إلى دمشق، والتي تركزت حول مدى إمكانية الاستفادة السورية في ظل مرحلة التحرير الثالثة، من مزايا التجربة الماليزية البرّاقة، قد جعلت النابهين في القيادة السياسية والحكومية السورية يشعرون،  أنهم أقرب في  الكثير من الإصلاحات التي تقوم بها الحكومة من طريقة الصينيين في بداية إصلاحهم مع قلة حديثهم عنها، أكثر من قربها من طريقة الماليزيين مع كثرة حديثهم عنها.

      الجوهري هنا في القرب والبعد كما يمكن أن يفهمه المسؤول السوري، وليس بالضرورة كماهو في الواقع، هو الحفاظ على الشكل الاجتماعي لملكية القطاع العام وتفادي خصخصته  وعدم تسريح العمالة الفائضة في التجربة الصينية بينما قامت التجربة الماليزية في إطار مفهوم الدولة المحفّزة التي ترتكز على الشراكة مابين القطاعين الخاص والعام، على الخصخصة بما في ذلك خصخصة مايعتبر سورياً على أنه قطاعات استراتيجية يجب أن تبقى سورياً للدولة. وفي ذلك بلورت البيروقراطية السورية أحد أبرز الأطر النظرية للمنهج المستقبلي في الإصلاح الاقتصادي، وهو فصل الإدارة عن الملكية وخصخصة الإدارة لاالملكية، وقامت باختبار ذلك في العديد من المجالات القطاعية المختلفة. لكنها لم تحسم بعد حدود ومجالات وقطاعات تطبيق هذا المبدأ.

       يبدو أن المخطّط السياسي البيروقراطي السوري  يرتاح هنا حتى الآن لطريقة الصينيين أكثر مما يرتاح  لطريقة المالبزيين، فطريقته في العمل السياسي تتقاطع في العديد من الوجوه مع  طريقة الصينيين، التي تنظر إلى مايسمى  صينياً بالأحزاب" الديموقراطية"، بوصفها ليست أحزاباً معارضة بل أحزاباً صديقة، وتتقاطع هنا طريقة عمل القيادة القطرية البعثية مع الجبهة في تشكيل الحكومة وشورى القرار، مع طريقة عمل الحزب الشيوعي الصيني مع الأحزاب "الصديقة" غير الشيوعية، في جهاز التشاور والتعاون المسمى بالمجلس الوطني الاستشاري السياسي للشعب الصيني، والذي يعتبره الصينيون عبارة عن جبهة وطنية متحدة، يعادلها هنا في سورية في بعض الوجوه الجبهة الوطنية التقدمية، وربما استعار المخططون السياسيون السوريون من الطريقة الصينية مبدأ جعل الانتخابات المحلية" حرة" على مستوى مجالس البلدات أي بالمفهوم السوري الفعلي دون قائمة. بينما يقوم النظام السياسي الماليزي  قانونياًعلى النسق التعددي التنافسي الذي يميز نظام الحكم الرشيد في البلدان المتحولة  صوب الديموقراطية، ففي ماليزيا هناك أحزاب معارضة وليس مجرد الأحزاب" الصديقة" المؤتلفة في حكومة مهاتير محمد.

       إن إصلاحات حكومة الدكتور ميرو هي بالفعل أقرب إلى السيرورة منها إلى العمل البرنامجي المتكامل، لكنها وضعت سورية على عتبة مرحلة انتقالية من اقتصاد التخطيط المركزي الشامل إلى اقتصاد السوق. ولعل "اختيار" الحكومة أسلوب السيرورة أو العملية أو النبضات قد جعل مشيتها أشبه بالبطة التي تحلول أن تمشي مشية الطاووس فما عادت بطةً ولاأصبحت طاووساً، وهو الذي دفع  ويدفع العديد من الباحثين الاقتصاديين السوريين إلى تشخيص افتقاد الحكومة إلى فكرٍ اقتصاديٍ نظريٍ، يرتقي بالإصلاحات من حدود السيرورة أو العملية الراهنة إلى حدود البرنامج المتكامل الواضح الأهداف. فالبيروقراطية السورية قد أدارت الظهر نهائياً لمنهج التخطيط المركزي الشامل، من دون التحرر من عقليته بالضرورة، لكنها مازالت مضطربة بين إلحاق الخطة بآليات السوق، وبين التحول إلى التخطيط التأشيري المعمول به في النظم الأوروبية الغربية، وبين نموذج الدولة المحفّزة والدولة التنموية في جنوب شرق آسيا.

    إن المسؤول عن حالة التردد بين السيرورة وبين البرنامج، في إطار نظامٍ سياسيٍ يقوم على مايسمى بلغة الفقه الدستوري بالفصل مابين الوظيفة السياسية التي تتولاها القيادة القطرية( والجبهة) وبين الوظيفة الإدارية التنفيذية العليا التي تتولاها الحكومة، ليس الحكومة نفسها التي وضعت في ضوء تجربة" لتحس بالأحجار وأنت تعبر النهر" المسودة الأخيرة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي بانتظار إقرار القيادة القطرية له، بقدر ماهو البيروقراطية السياسية القائدة أي الحزب الذي يضطلع دستورياً  بوظيفة مايشرحه مفهوم" الحزب القائد". لكن اضطلاع الحزب بالإرشاد الاستراتيجي الاقتصادي كان كما تقول تجربة العشرين عاماً المنصرمة اسمياً، إذ أن الإصلاح الثاني في الثمانينيات وعتبة الإصلاح الثالث الراهنة قد سارا على النقيض حرفياً في العديد من المجالات من مقررات مؤتمرات الحزب، في شكلٍ برزت فيه لغة الحزب أقرب إلى الدوغماتية بينما الإصلاحات الاقتصادية أقرب إلى البراغماتية.

  إن التحول من تجربة "عبور النهر" أو نظرية التطوير والتحديث البطيئة التي قطعت فيها حكومة ميرو الشوط الممكن في إطار التركيبة السورية، واستنفدتها بالتالي، إلى " القفزة إلى الأمام" هو عملية سياسية بامتياز، وتتطلب تنفيذ برنامج واضح على أرضية حوارٍ وطنيٍ حقيقيٍ، يتخطى التلعثم البيروقراطي السياسوي الراهن العقيم حول حكاية الأولوية في الإصلاح للاقتصادي أم للسياسي، والكلام هنا واضح وبسيط، إذ أن الحكم العقلاني الرشيد على أساس دولة الحق والقانون، بات نفسه من أهم مؤشرات الإصلاح والتنمية المستدامة. فالإصلاح سلة واحدة .