الحكومة السورية والاصلاح

 

 

         أكرم البني*

 

                                                               " العافية المفقودة هي الحرية السياسية "

                                                                    ( الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد )                                                                                                           

 

يدل تكرار الحديث في سورية، ومنذ سنوات، عن التغير ثم التطوير والتحديث ثم عن الإصلاح الاقتصادي وأخيراً عن الإصلاح الإداري، على أن وضعاً قائماً لم يعد مقبولاً وأن ثمة حاجة ملحة لمعالجة أمراض باتت مستعصية ومزمنة، ويدل أيضاً على فشل محاولات الإصلاح السابقة في تحقيق الأهداف المرسومة لها وعجزها بالتالي عن تجاوز حالة ركود وتخلف طاولت الميادين كافة.

وأن يعلن اليوم عن تشكيل حكومة جديدة يسوسها هدف وحيد مرسوم سلفاً هو الإصلاح الإداري وتغيب عنها مهمات الإصلاح السياسي الديمقراطي، لهي حكومة سوف تلقى بلا شك مصير سابقاتها وتساق بفعل استمرار الشروط السياسية السائدة نحو فشل أكيد.

ثمة إصلاح وإصلاح، وهناك أراء واتجاهات مختلفة في فهم طابع الإصلاح المرجو ومحتواه، هل يمهد لمعالجة مشاكل المجتمع بصورة جذرية أم يكون مجرد مناورة تكتيكية لتخفيف مأزق راهن؟!.

إذا كان الإصلاح الذي ينشده المجتمع يعني انفتاحاً ديمقراطياً واسعاً وجريئاً على الشعب وقواه الحية ويفضي في نهاية المطاف الى إزاحة حالة التسلط والاحتكار عن ساحة النشاط السياسي وإرساء قواعد العمل الديمقراطي في علاقة السلطة مع الدولة والمجتمع، فانه لا يزال يتأرجح عند غالبية السلطة بين حل مشكلات النظام الخاصة وبين التكيف مع الضغوط التي يتعرض لها، وينحو في أحسن الحالات الى صياغة مهمات للتغيير إدارية أو اقتصادية لا تمس جوهر السيادة السياسية والغرض منها تحسين أداء مؤسسات الدولة المترهلة وتجديد قوى النظام وتخفيف حدة الاحتقان الاجتماعي ولو الى حين.

لكن، في التجربة العيانية السورية وخصوصية أسباب أزمتها يصبح من العبث الرهان على نجاح أي إصلاحات إدارية أو اقتصادية أو غيرها إذا لم تكن مسبوقة بإجراءات سياسية تطلق دور الانسان وتحرره من القهر والوصاية وتفضي الى بناء حياة سياسية، وان بصورة متدرجة وتراكمية، تقوم على قواعد من التعددية والمشاركة.

 فلا قيمة نوعية لمواجهة تفشي الفساد وتردي الأوضاع الاقتصادية وشلل أو ترهل الإدارة إذا نظرنا إليها كظواهر متفرقة، وبالتالي من المحال معالجة هذه الأمراض بشكل ناجع إذا لم نقرأها كنتائج ومخلفات متنوعة لداء رئيس تكثفه سيطرة شمولية مستديمة أدت الى تكبيل الانسان وقضت على روح المبادرة والإبداع لديه وخنقت فاعلية المجتمع وحيويته ودوره في الرقابة والمحاسبة.

من هنا فإن الحديث عن أي إصلاح إداري أو اقتصادي أو ثقافي لا يمكن أن يكون جدياً و يأتي أوكله مع استمرار البنية التكوينية السياسية القائمة على تمركز السلطة والثروة بيد نخبة حاكمة وعلى إقصاء المجتمع وتغييب دوره الفاعل. بنية تستند الى كتلة ضخمة من البيروقراطية المدنية والعسكرية المنتفعة والى أشكال من العلاقات المتخلفة التي تعتمد العصبوية والمحسوبية. واستدراكاً نقول أن الإصلاح الإداري المرتقب ومكافحة الفساد لن يعطيا أي نتيجة نوعية دون مناخ سياسي يضمن حرية الانسان وكرامته ويخلق عتبة من الثقة والتفاعل بين المجتمع والسلطة تحفز همم البشر وتطلق دورهم الفاعل والمبدع.

ونتساءل، ألا يبرهن انتعاش الفساد اليوم وانتشاره من جديد بصورة أشد وطأة وخطراً على قصور القرارات الفوقية في مكافحته وعجزها عن معالجة هذه الظاهرة السلبية والحد من أثارها المدمرة ؟!. وهل يمكن أن نتطلع الى انتصار معايير الشرف والنزاهة على الروح الوصولية والانتهازية، إذا لم تطلق يد الصحافة ودورها في تعرية كل مظاهر الفساد وملاحقة صوره مهما بدت صغيرة وتافهة ؟!

ألا يعرف القاصي قبل الداني أن الفساد في سوريا بات ظاهرة سياسية وأن معالجته لن تثمر إلا عندما تكون معالجة سياسية، وأن حملات مكافحته مهما اشتدت هجماتها، وقست العقوبات الرادعة بحق الفاسدين والمفسدين، لن تكون أكثر من مسكنات الم، تخفف من آثار المرض ولا تجتث أسبابه، وبالتالي لا أمل في حل هذه المعضلة، حلا شاملا، واستئصال شأفتها أو نزع جذورها الضاربة عميقا في المجتمع والدولة، طالما نتغاضى عن المسبب الرئيس، عن المناخ السياسي الاحتكاري والتسلطي الذي نما الفساد فيه وترعرع ووصل الى ما وصل إليه الآن؟!.

ثم أي معنى للحديث عن تصحيح الأخطاء ومظاهر الخلل الإدارية المتراكمة إذا لم يسد مناخ من الحرية والشفافية، وإذا لم تقر تعددية سياسية كفيلة بخلق أجواء من المنافسة الصحية لاختيار البرنامج الأفضل وانتخاب الانسان الأقدر على تحمل المسؤولية والأكفأ على إدارة المؤسسات العامة ؟!.

أيضاً كيف يمكن إزالة المثالب والثغرات التي تسم وظائف الدولة ونشاطاتها الإدارية والتنفيذية إذا لم تترافق مع فصل السلطات واستقلالها، وتحديداً لجهة كف يد الأجهزة السياسية والأمنية عن التدخل وتقرير ما يفيد مصالحها ؟! وهل لنا بحكومة فاعلة وقوية إذا لم تحظى بثقة برلمان منتخب انتخاباً حراً قادر على مراقبة أداءها ومحاسبتها من زاوية مصالح الشعب الذي انتخبه لا الجهات التي فرضته ؟!

 ونتساءل أيضاً، أيمكن تحسين المستوى المعيشي للفئات الشعبية وثمة تغييب دائم لدورها السياسي، ألا ترتبط الإصلاحات الديمقراطية ارتباطاً وثيقاً بالعدالة في توزيع الثروة، وأليست الطبقات المحرومة سياسياً هي كذلك محرومة اقتصادياً وأن النظام التسلطي المستأثر لا يستأثر فقط ويتسلط في أشكال ممارسة الحكم وإنما أيضاً في كيفية التصرف بالثروة العامة؟!

 ثم هل يمكن معالجة ظاهرة البطالة وإيجاد فرص عمل لعشرات الألوف من خريجي الجامعات والمعاهد إذا لم يصار الى تنشيط حركة الإنتاج والاستثمار؟! أليس مناخ الحرية والتعددية وسيادة القانون هو المناخ الوحيد القادر على تشجيع الاستثمارات المحلية وجذب رؤوس الأموال العربية والأجنبية ؟! وهل يختلف اثنان أن مصلحة المستثمرين في توظيف أموالهم وإقامة المشروعات الصناعية والزراعية ترتبط بصحة المناخ السياسي واطمئنانهم الى هامش الحرية المتاح والى المقومات التشريعية والعملية التي تكفل سيادة القانون ودولة المؤسسات؟!

ثم كيف يمكن دون انفتاح ديمقراطي  تثقيل قوى الإصلاح والتغيير والاستقواء بالإرادة الشعبية لردع المقاومة الشرسة التي تبديها قوى سياسية واجتماعية منتفعة من الوضع الراهن وتجاهد لاستمراره، قوى نظمت صفوفها جيداً وتغلغلت في نسيج النظام السياسي وفي الكثير من مراكز القوى الاقتصادية والاجتماعية لتقاوم أي تغير أو إصلاح يهدد مصالحها وامتيازاتها؟!.

نعم إن إصلاح المجتمع صار الشغل الشاغل للجميع لكن الطريق الناجعة إليه لا تمر من إجراءات متفرقة أو من حكومة ذات بعد إصلاحي واحد بل عبر تبني إصلاح شامل سياسي واقتصادي وإداري يختصر دورة الآلام ويعالج جدياً أمراض المجتمع المختلفة. إصلاح يعطي الأولوية للاستحقاق السياسي وضرورة التحرر من عقلية السيطرة الشمولية والوصاية على المجتمع، خاصة لجهة احترام حقوق الانسان وإشاعة الحريات العامة كحرية الرأي والتعبير والنشاط السياسي وأيضاً تفعيل دور المجتمع المدني وهيئاته المتنوعة وضمان الشفافية والمساواة أمام القانون، ما يعني من حيث الجوهر إحياء مبدأ المواطنة المنطلق من اعتبار الشراكة في الوطن دون غيرها من الروابط العشائرية أو الطائفية أو القومية أو الحزبية هي مصدر الحقوق والواجبات وأساس العلاقة والتكافؤ بين الناس.

لابد أن يبدأ الإصلاح الحقيقي بإجراءات اسعافية تبرهن للناس على صدق الرغبة وجديتها في التغيير وتعيد بناء عتبة من الثقة بين السلطة والمجتمع يدخل في هذا السياق رفع حالة الطوارىء والأحكام العرفية وطي ملف الاعتقال السياسي وعودة المنفيين وتسوية أوضاع المفرج عنهم بإعادة حقوقهم المدنية والسياسية.

النتيجة أن إصلاح الميدان السياسي هو البداية الصحيحة التي توفر فرص نجاح عملية الإصلاح بأبعادها المختلفة، خصوصاً وأن المجتمع يحتاج بإلحاح في الظروف الحرجة التي يمر بها وكيما يتجاوز أزمته المتفاقمة الى نموذج حكم قادر على بلورة حد من الإرادة الجمعية ومن التعبير عن المصالح المتعددة والمتباينة لكل طبقاته وفئاته.

 

 

                    * كاتب سوري                                              دمشق / 21 /9 / 2003 /