المسألة الكردية والاختيار الديمقراطي.                                                                                 

أكرم البني*

 

ليس غريباً أن تحظى المسألة الكردية باهتمام خاص في السجالات والحوارات السياسية الدائرة اليوم في سورية ربطاً مع الجديد الحاصل بعد الحرب على العراق وبحثاً عن موقع تستحقه في مسار الإصلاح والتغيير الديمقراطي وبسبب من ارتفاع حرارة النضال الكردي والاعتقالات التي طاولت العشرات من نشطائه في مدينتي دمشق وحلب جراء مطالبتهم بأبسط الحقوق الإنسانية، حق المواطنة!!.

لعل من البديهي أن نسّلم بوجود شعب كردي في سورية، يشكل القومية الثانية بعد العرب، ومتجذر في تاريخها وحياتها السياسية والاجتماعية منذ القدم، لكن ما يطعن هذه االحقيقة ويتركها أسيرة الالتباس، محاولات الإلغاء التي دأبت عليها قوى التطرف والتعصب القومي، إن خارج السلطة أو داخلها، ومغالاتها الشوفينية في تغييب دور الكتلة القومية الكردية في التاريخ السوري والادعاء بأن ما هو قائم من تشكيلات قومية واجتماعية ليس إلا صنيعة الاستعمار أو التسويات التي توصلت إليها القوى الإقليمية المتصارعة في المنطقة.

 إن مثل هذه القراءة الشوفينية لتاريخ المجتمع السوري هي قراءة خطيرة تؤسس لشروخ عميقة في النسيج الاجتماعي وتفضي إلى إشكالات وصراعات لا تحمد عقباها بفعل تبلور وجهات نظر متباينة وحتى متناقضة، علمياً وعملياً، حول أحقية أو مشروعية القوى القومية المتعددة التي تشكل بنية هذا المجتمع. دون أن نلمس ماهية الضرر الناجم عن اعتراف الجميع بالحقائق الراهنة والاحتكام إلى وقائع عمرها مئات السنين تؤكد أن لحمة هذا المجتمع هي خليط من قوميات مختلفة، عرب وكرد وأرمن وشركس وغيرهم، ساهموا جميعهم في صياغة تاريخه وإيصاله إلى ما وصل إليه اليوم، ما يعني ضرورة الإقرار الواضح والصريح بوجود الشعب الكردي كجزء عضوي من تركيبة المجتمع السوري، وبالتالي الإقرار بحضور مسألة سياسية نضالية ما زالت برسم الحل ترتبط بحقوقه القومية المشروعة، كحق المواطنة وحقوقه الثقافية والسياسية.

يقودنا الحديث عن الحقوق القومية الكردية في سورية ومشروعيتها، إلى الحديث عن هزيمة الرؤية الاستراتيجية القديمة التي اعتمدتها معظم القوى السياسية الكردية على مختلف مشاربها كي تصل إلى أهدافها وحقوقها القومية. استراتيجية العمل عبر مختلف الوسائل، وخاصة الكفاح المسلح والبؤر الثورية من أجل كسر حلقة ضعيفة من السلسلة التي تؤلف كردستان التاريخية ( مرة في إيران، وأخرى في العراق، وثالثة في تركيا ). استراتيجية تغليب الغاية القومية على ما عداها، وبشكل خاص على هدف النضال الديمقراطي، بوصفه الهدف الوحيد الذي يعالج المعضلات القومية تلقائياً ويحل الإشكالات المرتبطة بها مهما كانت صعبة ومعقدة.

صحيح أن نتائج الحرب العالمية الثانية ومرحلة الحرب الباردة، والانتصارات التي حققتها حركات التحرر في البلدان المتخلفة بوسائل العنف الثوري، هي عوامل تفسر الحضور القوي والمتفرد للاستراتيجية السابقة الذكر في توجيه النضالات القومية الكردية. لكن الصحيح أيضاً أن جديد المتغيرات العالمية، كانهيار الاتحاد السوفييتي والكتلة الشيوعية، وسيادة النظام العالمي الجديد أطاح موضوعياً، مثل هذه الاستراتيجية وبرهن عدم جدواها النضالية. وما عزز ذلك في الخصوصية الكردية، الدروس والعبر المستخلصة من الهزائم والانكسارات التي شهدها النضال الكردي في ثوراته المعاصرة، ودور العوامل العالمية والإقليمية في إجهاض طموحه القومي بعد أن وصلت " اللقمة إلى الفم " في غير لحظة من لحظات تاريخه (جمهورية مهاباد في إيران 1947 ، اتفاق آذار في العراق 1975 ، غموض مستقبل الحالة الكردية في عراق اليوم ). الأمر الذي يدفع الى الأمام رؤية استراتيجية جديدة تستند أساساً الى النضال الديمقراطي طريقاً آمناً لانتزاع الحقوق القومية للكرد بما في ذلك حقهم في تقرير مصيرهم. ما يضع الشعب الكردي وقواه الحية في صلب قوى العمل من أجل بناء مجتمع ديمقراطي في كل بلد يوجد فيه، واعتماد هذا الخيار نهجاً ثابتاً وأصيلاً، لا مجرد عمل تكتيكي ظرفي ومؤقت.

أن يختار الشعب الكردي المخرج الديمقراطي وتتبنى قواه الحية هذه الاستراتيجية لحل المسألة القومية وتعقيداتها، يؤكد حقيقتين هامتين :

الحقيقة الأولى : إن النضال الديمقراطي يعني بداهة في أحد وجوهه، نضالاً من أجل مساواة جميع القوميات في نظر المجتمع والقانون، وتكافؤ في حقوق وواجبات المواطنين دون النظر الى تنوع منابتهم الأثنية واختلاف معتقداتهم، وهو في الحال الكردية تثبيت الحقوق المشروعة لهذا الشعب المضطهد، كحقه في المواطنة، حقوقه الثقافية والسياسية، وحقه المتساوي في المشاركة في إدارة السلطة والدولة، بما في ذلك أيضاً، حقه في تقرير مصيره بالوسائل والأساليب الديمقراطية. ولعلنا نستطيع تبسيط هذه الرؤية " تخيلاً " ونتصور وضعاً تقوم فيه أنظمة ديمقراطية في كافة البلدان المعنية بالوجود القومي الكردي، ألا تزيل هذه الحالة كل المشاكل والعقبات التي تقف أمام الشعب الكردي لحل معضلته القومية وتقرير مصيره بطرق سلمية ومشروعة ؟!.

الحقيقة الثانية : إن تبني الديمقراطية كطريق رئيس لحل المسالة القومية الكردية سوف يعمق، بلا شك، حالة التلاحم النضالي بين كافة القوى السياسية والاجتماعية التي يوحدها هدف التغيير الديمقراطي، ويبني أواصر ضرورية من الثقة والاطمئنان بين الشعب الكردي والشعوب التي يقاسمها العيش المشترك، مزيلاً عند العرب " شعور التوجس والشك " بأن الكرد يخفون وراء نضالاتهم حسابات ومصالح ذاتية ليس إلا، وأنهم يترقبون الفرصة المناسبة لتحقيقها دون اعتبار لمصلحة المجتمع الذي يعيشون في كنفه. كما يزيل بالمقابل الإحساس الذي تراكم تاريخياً لدى الشعب الكردي بأنه كان دائماً وقوداً في الصراع السياسي، أو جسراً عبرت فوقه أحزاب وتنظيمات مختلفة نحو أهدافها السياسية الخاصة وتناست فيما بعد ما رفعته من شعارات لنصرة حقوقه القومية.

خلاصة القول، أن المعاناة العربية والكردية واحدة، وتختصرها كلمة واحدة، هي غياب الديمقراطية.. الديمقراطية بوصفها المناخ الصحي لتعايش مختلف الأطراف القومية وبها يمكن أن يتجاوز كل طرف نظرته الضيقة وحلوله الأنانية ويتعلم اللغة النّدية في التخاطب مع الأقوام الأخرى واحترام حقوقها بما يجنب الجميع مخاطر الانزلاق الى صراعات لا طائل تحتها ويقطع الطريق مرة والى الأبد على أساليب الشحن الشوفيني التي دأبت على استخدامها مختلف الأنظمة في إدارة صراعاتها الإقليمية وتثبيت أسباب سلطانها.

وإذ يتوجب على جميع الديمقراطيين السوريين امتلاك المزيد من الوضوح والجرأة  للرد على حالات الاضطهاد القومي والاعتراف الصريح بالحقوق القومية للشعب الكردي والمسارعة للدفاع عنها في سياق عملية التغيير الديمقراطي بما في ذلك اعتبار مهمتي حق المواطنة وإطلاق سراح المعتقلين الأكراد في طليعة مهماتهم. فانه ليس بعيد ذلك اليوم حين تتصدر الأسماء والشخصيات الكردية المواقع الأمامية في النضال الديمقراطي السوري.

 

         * كاتب سوري                                        دمشق / 24 / 9 / 2003 /