حول مفهوم الديمقراطية الحقيقية؟

الدكتورة فيوليت داغر

 

ما من كلمة عرفت هذا الكم من الملحقات مثل كلمة الديمقراطية. فهذا يتبعها بصفة شعبية وذاك يختار تعبير ثورية وآخر يضيف جماهيرية.. الواقع أنه مع هجرة عدد من الستالينيين إلى المعسكر الديمقراطي بدأ مصطلح "الديمقراطية الحقيقية" بالبروز كرد على "الديمقراطيات الزائفة". وقد تنبه الشاعر جورج حنين لهذا الفيروس الذي يصيب كلمة الديمقراطية فكتب في 1968: "يجب حشر الديمقراطية في شئ ما، بل أن تختفي إذا أمكن فيه: إنها بداية كلمة مركبة. عندما يضاف إلى ديمقراطية تعبير آخر تحت ادعاء توسيعها، يكون ذلك بمثابة اختزال لها إلى مضمونها الأكثر استعبادا، وبمثابة زج لها في لائحة الألفاظ المبهمة الدلالة. وهذه خاصية الاصطلاحية السياسية المعاصرة، القائمة على انتزاع قوة النداء من كل كلمة حية.".

من الملاحظ أن تعبير "الديمقراطية الحقيقية" بدأ مع شعور اتجاهات سياسية وحقوقية ومثقفة بأن الحركة الإسلامية السياسية تشكل خطرا داهما وبديلا شبه جاهز للأنظمة المتسلطة الهرمة. فهي تستفيد من عدة عوامل تسهّل مهمتها بينما حرمت منها الأطراف الأخرى وهي: مكان اللقاء الإلزامي رغم حالات الطوارئ (المسجد)، الثقافة الشعبية المتلقية بسهولة لكل ما هو  ديني، الجانب التعبوي والعاطفي، الخ. وقد روجت هذه الاتجاهات لفكرة أخرى مفادها أن استفادة الإسلاميين من "السماح الديمقراطي" في بعض البلدان هو تكتيك آني لترسيخ الأقدام بما يمكّن من التخلص من الأطراف الأخرى. ساعد على تعزيز وجهات النظر هذه وجود اتجاهات استئصالية في الحركة الإسلامية السياسية نفسها، برزت بشكل واضح في ما يعرف بسنوات الهبة الإسلامية (1978-1982) وشملت أحزابا سنية وشيعية.

هكذا تعزز اتجاه علماني استئصالي يقول بمبدأ "لا حرية لأعداء الحرية" ويصنف الحرية والأحرار على هواه. كان هذا الاتجاه خير معين للمجالس العسكرية والأمنية في عدة بلدان عربية وإسلامية. ذلك عند عملية ضربها للحركة الإسلامية بالوسائل القمعية غير المسلحة (أبرز أمثلته في تونس ومصر) أو كما حدث في الجزائر،في المواجهة المسلحة وشل العمل بالمؤسسات الانتخابية وبناء معسكرات الاعتقال الجماعي والحرب الأهلية التي كلفت قرابة 180 ألف مواطن ومواطنة.

عندها برز مصطلح الديمقراطيين الحقيقيين في تونس والجزائر. ثم لم يلبث أن انتقل للمشرق، بادئ الأمر عبر بعض أشباه المختصين بالشرق الأوسط من قدماء "القوات اللبنانية" الذين يقدمهم الإعلام الموالي للصهيونية باعتبارهم مختصين في الشؤون الإسلامية.

لقد وقعت في هذا الفخ عدة لجان دفاع عن حقوق الإنسان، ساهمت في تعبئة لوبي مناهض لحزب الله والحركات الإسلامية في الكونغرس الأمريكي وروجت لأطروحة "التعددية الديمقراطية" التي ترفض التعددية (حاف). أي تشترط أن يتوافق الآخر مع تعريفها للديمقراطية وترفض السماح لأي حزب له طابع ديني بالتواجد. ذلك لأن تواجده تعبير عن الطائفية السياسية التي تخالف "الديمقراطية الحقيقية" والتي يمكن أن تقضي على الديمقراطيين الحقيقيين بسبب التسامح والانسياب وإغماض العين عن "الظلامية الإسلامية". وبهذا نكون قد انتقلنا من الشرعية الثورية للعمل السياسي إلى الشرعية الديمقراطية الحقيقية، في ظل النظرة التسلطية الأحادية عينها التي ترفض اكتشاف الآخر أو حتى الاكتفاء بالنقد المنهجي السلمي لأفكاره وممارساته مع احترام كافة حقوقه.

نظرية الاستقصاء المغلّفة هذه ليست أقل كارثية من نظرية الحزب القائد والأوحد المخلص للجماهير التي أوصلتنا إلى عبادة الفرد المستبد كمنهج في السياسة والحياة. بل لعلها من وجهة نظر التحليل النفسي أفضل تعبير عن العقابيل التي تحملها المجتمعات التي تعاني من القمع والتطويع والاستبداد. فهي تتغلف بكلمة الديمقراطية من جهة، وتستعمل وسائل السلطات المستبدة عينها من كذب على الآخر وقولبة له بالشكل الذي تريد لا بالشكل المتوافق مع حقيقته. إنها الابنة غير الشرعية لغياب الثقة بالنفس والشعور الضمني بأن تمتع الآخر بحق التعبير والتنظيم والمشاركة يعني هزيمتها المسبقة في الحياة العامة. وبما أن كل منافس على السلطة أو القوة الاعتبارية يمكن أن يكون في لحظة ما في وضع قوي، فإن منع الإسلاميين اليوم سيمتد غدا إلى غيرهم على مبدأ "أكلت يوم أكل الثور الأبيض".

لقد خلصت في دراسة ميدانية أجريتها على طلاب جامعيين إلى أن الدوغمائية موجودة بنفس المقدار في طرفي السُلَّم أكانوا يعتبرون أنفسهم يساريين أم يمينيين. والمشكلة هي في التربية التسلطية التي تركت بصمات عميقة في البناء النفسي والعقلي لهؤلاء بغض النظر عن توجهاتهم السياسية المختلفة. وحيث أن من البديهي أن يحصل تزاوج وانسجام بين الإدراك الفكري للمفاهيم والممارسة الفعلية لها في الحياة اليومية نستنتج في الواقع تناقضا كبيرا بين السلوكيات والخطاب النظري الذي يسبقها. فالجمود الفكري يُغلّب التقليد والحقائق الجاهزة المعلبة على حس المحاكمة والاستنجاد بالعقل وطاقة الابتكار.

لا تختلف أطروحة "الديمقراطية الحقيقية" المنمقة بتعابير جميلة عن أطروحة يروج لها صقور الإدارة الأمريكية تقول بأن "دمقرطة المجتمعات العربية تعني أسلمتها". وقد برز عمق "ديمقراطية" هؤلاء في التصريحات الأخيرة لنائب وزير الدفاع الأمريكي بول ولفوفتز الذي تعهّد بالتدخل لدى الحكومات الممولة للقنوات الفضائية (كالعربية والجزيرة) لكي تفرض رقابتها على هذه الفضائيات التي "تزّور" الحقائق في العراق. لكنه تناسى أن الصحفي يمكن أن لا ينقل كل الحقيقة، لكنه غير قادر على الهلوسة من بنات أفكاره عن مناظر جثث الجنود الأمريكيين مثلا. وحيث مازال القوي يفرض علينا معاييره فإلى متى ينحصر رد الفعل لدينا  في مجرد إعادة استهلاكها؟

حتى اليوم، لم يأت أحد بدليل يكذّب منصف المرزوقي عندما يقول "الديمقراطية هي البديل الأكمل للعنف الفج". بل على العكس من ذلك، كان ضرب الإصلاح الديمقراطي المنتج الأكبر للعنف في المجتمعات العربية. هذه الديمقراطية البسيطة التي لم تدنسها الديكتاتوريات والإيديولوجيات وفتاوى "الديمقراطيين الحقيقيين". ديمقراطية احترام المرء لنفسه واحترام الخصم وتصفية أسرار الدولة ومعالجة أمراض المعارضة.