الفعل السوري المعطل

 بقلم :سعاد جروس

 

أصابت وزارة الإعلام في سماحها لمجلة «المحاور» دخول السوق السورية, مع أنها حفلت بموضوعات شرَّحت واقع الإعلام المحلي, وأشارت إلى الأشخاص بأسمائهم الصريحة دون استثناء, في مقدمتهم وزير الإعلام. الشباب المصدرون للمجلة أرادوا أن يكون العدد وثيقة تحت عنوان «إعلام العصر الحجري» جاء كبيان احتجاج حاد اللهجة, كتبه صحفيون أغلبهم من داخل المؤسسة الرسمية, كلٌ عرض تجربته ورؤيته من زاويته, ما أعطى لكلامهم صدقية المكتوي بالنار.
تلك الآراء ستدرج كما هي العادة تحت باب النقد بمعناه المحلي الواسع الطيف, المتفرع إلى فصلين لا ثالث لهما, الأول: فصل النقد السلبي «المغرض غير المسؤول» على المنضوي تحته تحمل مغبة التجاهل السلبي في احسن الأحوال, وفي أسوأها التعرض لاتهامات أقلها الطعن بوطنيته. أما الفصل الثاني, فهو النقد الإيجابي «البناء والمسؤول» المنضوي تحته سينعم بالتجاهل الإيجابي في أسوأ الأحوال, وفي أحسنها ينال شهادة «وطني غيور».
المفارقة المزمنة, ما ندعي أنه «نقد» لا يصح عليه هذه التوصيفات من بابها إلى محرابها, وبفصولها وتفصيلاتها, لسبب بسيط يكمن في غياب المنقود, المتمثل بـ«الفعل», فكما هو واضح للأعمى والبصير معاً: «الفعل» في سوريا معطل, ومشكلتنا هي في كيفية البدء بتفعيله. كما لم يعد خافياً أن النقاش الوطني, يتصاعد ويتباين ويتزايد طرداً مع صعوبة تحريك الفعل على الأرض. حيث استهلكنا سنين من الجدل, كي نتوصل إلى القناعة بأن العقبة الرئيسية ليست في الأشخاص, بل في الآلية العامة التي تحكم سير مؤسساتنا, على سبيل المثال إذا تغير وزير الإعلام, لا يعني ذلك أن واقع الإعلام الرسمي سيصبح افضل, لأن الموروث البيروقراطي المتحكم في مفاصل العمل الرسمي, ليس نتاج وزير دون آخر.
لذا من الضروري إخضاع جميع الآراء المؤلمة والحادة والمداورة, الصريحة والمنافقة والمغرضة, للبحث والتمحيص لا للذبح والتشهير, في سبيل إنضاج وبلورة رؤى حقيقية لتفعيل الفعل. ومن نافل القول: انه بمقدار ما يجري التعاطي مع النقاش الوطني بشكل مفتوح وبلا مخاوف مختلقة, يتحدد اتساع وأهمية وجدية الرغبة في التغيير, على ألا يتكرر التعامل معه وفق مبدأ التسامح الشكلي, تحت صيغة «تنفيس الاحتقان» إذ سيراكم مع الزمن, رد فعل شعبي منكفئ, يصعب تفعيله حين تمس الحاجة إليه.
قد يكون بمقدور السلطة الانفراد بالقرار, لكن ليس بإمكانها أبداً التغلب على الفساد, وتحقيق إصلاح جذري وشامل دون مشاركة كامل فئات وشرائح المجتمع. ولن تعدو خطوة «المحاور» وما سبقها وما سيليها من نقاش مجرد عبث لملأ فراغ, لا يمتلئ.