سورية والفواتير الأمريكية مستحقة الدفع........... العراق أولا....

الطاهر إبراهيم

لعل المشاهد التلفزيونية التي أظهرت وزير الخارجية السوري الأستاذ فاروق الشرع في مؤتمر منتجع "شرم الشيخ" جعلت الذين تابعوا المؤتمر يقارنون بين موقفه هنا وموقفه في آخر لقاء له

في مجلس الأمن قبيل الاجتياح الأمريكي للعراق، ويشعرون بالأسى للمفارقة بين الموقفين.

فقد ظهر الأستاذ "الشرع" ،يومه ذاك، محلقا في سماء قاعة مجلس الأمن عندما وصف التهديد الأمريكي باجتياح العراق بأنه "سطو مسلح".ولم يقلّ تأثير كلامه على سامعيه العرب عن التأثير الذي أحدثته كلمة الأستاذ "محمد الدوري" مندوب العراق في الأمم المتحدة. وكأن الأستاذ الشرع أراد بكلامه ذاك أن يقول للشعب العراقي: نحن هنا لننصر العراق. رغم أن موقف العراق كان واضح الخسارة بعد أن حزمت أمريكا أمرها على غزو أراضيه.

أما في منتجع شرم الشيخ فقد ظهر الأستاذ "الشرع" وكأنه يتحاشى عدسات المصورين أثناء المؤتمر، وهو يعلم أن هذا المؤتمر عقد لإعطاء الشرعية لحكومة "علاوي" التي مضت في تنفيذ الحسم العسكري في الفلوجة وبغداد والموصل،بكل ما يقتضيه ذلك من إيغال في الدماء والتدمير ،ولم تتوقف المذابح في "الفلوجة" حتى أثناء انعقاد مؤتمر "شرم الشيخ".

وبالرغم من صدور القرار رقم 1559 الذي يطلب من سورية،وإن لم يسمها بالاسم، أن تسحب الجيش السوري من لبنان،فقد أدرك الذين لا ينخدعون بالمظاهر أن الغاية من القرار هو ابتزاز أمريكي لسورية لدفعها إلى التخلي عن المزيد من الثوابت الوطنية –ومنها التخلي عن نصرة الشعب العراقي- التي أصبحت الثمن الذي تدفعه الدول التي لاتتمتع بدعم شعبها .

ومع أن العالم كله أدرك أن ما كان صالحا للمقايضة عليه قبل مجيء الرئيس "بوش" إلى الحكم، لم يعد مقبول الدفع بعد 11 سبتمبر 2001 ، فإن النظام السوري ما يزال يعتقد أن لديه ما يمكن أن يقايض عليه في مقابل سكوت أمريكا عن الوجود السوري في لبنان.   

ولقد قلنا في أكثر من مقال أنه قد مضى الوقت المسموح فيه ،أمريكيا، أن تلعب أي دولة عربية بأوراق الضغط التي لديها لتحسين موقعها التفاوضي كلاعب رئيسي في المنطقة،كما كانت تفعل سورية بورقة المنظمات الفلسطينية، وورقة حزب الله في الجنوب اللبناني.

كما أنه قد مضى الوقت الذي يتم فيه اللعب من تحت الطاولة لإنقاذ وجه الأنظمة أمام شعوبها. وأن بازار الأخذ والعطاء يجب أن يتم حصرا على الطاولة الأمريكية التي لا يسمح بالجلوس عليها إلا لمن يقبل بدفع الفواتير الباهظة الثمن.

وإذا كانت معظم الأنظمة العربية مستعدة لدفع الفواتير لأمريكا، لكنها تريد أن تكون من النوع الذي يبقى بعيدا عن أعين الشعوب، التي لم تعد مغمضة العينين في عصر الفضائيات وإن  كانت مستضعفة من قبل حكانها. أمريكا غير معنية بإنقاذ ماء وجوه الحكام وما يعنيها فقط هو سير الأنظمة بتنفيذ ما تريده منها في المكان والزمان الذي تحددهما أجندة إدارة "بوش". فبعد إعادة انتخابه، يريد بوش أن تكون أول الفواتير المستحقة الدفع على دول الجوار هي ما كان متعلقا بالشأن العراقي، أي العراق أولا، حتى لو سبب حرجا كبيرا لدول الجوار بسبب حساسية الموضوع ووضوح الجريمة التي ترتكب فيه بحق الشعب العراقي.

وإذا كانت علاقة الأخذ والعطاء مع أمريكا بهذه البشاعة، فإن أي نظام يقبل بهذه السياسة إنما يكون قد رهن الوطن عند أمريكا، ولم يكسب لنفسه شيئا، لأنه يكون قد رهن إرادته أيضا. ولا يسمح له بعد ذلك إلا أن يختار واحدا من ثلاثة نماذج: "القذافي" في ليبيا أو "علاوي" في العراق  ،أو قرضاي في أفغانستان.

وإذا كان المواطن السوري قد استنكر السماح لعناصر من وكالة المخابرات المركزية بتتبع آثار "محمد عطا" القائد المزعوم لتفجيرات 11 أيلول "سبتمبر"، فإن هذا المواطن سيصاب بالإحباط إذا علم أن هذه القضية هي من الفواتير النثرية عندما يقارنها بما استجد من فواتير بعد اجتياح العراق.

ولعل تأمين ظهر الجيش الأمريكي من جهة سورية ضد مهاجمة المقاومة العراقية هو واحد من أهم الفواتير الباهظة التي تدفعها سورية، ولعله لن يكون الفاتورة الأخيرة،خصوصا بعد تصريح "رود لارسن"بعد لقائه الأخير بالرئيس السوري الذي نقل فيه "لارسن" استعداد سورية لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل من دون شروط، وما استجد مؤخرا بعد لقاء شرم الشيخ الذي جمع بين الرئيس الأسد والرئيس مبارك، وما أثارته تصريحات الناطق باسم الرئاسة المصرية "ماجد عبد الفتاح، ما اضطر وزير الإعلام السوري لنفي تلك التصريحات.

 ويتساءل المواطن السوري عن سر الانقلاب في مواقف النظام السوري تجاه ما يحصل في العراق، هذا النظام الذي طالما رفع "إعلامه" راية التمرد في وجه النفوذ الأمريكي؟. وهو الذي رفض حضور كل المؤتمرات التي دعت إليها الإدارة الأمريكية في شرم الشيخ،لبحث مستجدات الشرق الأوسط، وهي ما يتعلق بدعم إسرائيل في فلسطين،ومساعدة"علاوي"وبالتالي إدارة بوش كي تخرج جيشها من الوحل العراقي.

عقب زيارة "كولن باول" سورية في أيار من عام 2003 ، التي قدم فيها ما تطلبه إدارة "بوش" من دمشق، خرج وزير الخارجية الأستاذ "الشرع" ليقول :"إن ما تطلبه إدارة بوش فوق الطاقة والتصور!".ونتساءل مع المواطن السوري ما هي الطلبات التي عبّر"الشرع" عن استفظاعه لها، ثم قبل النظام معظمها؟ وهل سيقف الأمر بأمريكا عند حدود ما قبله النظام حتى الآن؟  

حزب البعث العراقي له تفسيره الخاص للموضوع. فقد أعرب عن قناعته في بيان نشره على الإنترنت بأن مؤتمر شرم الشيخ "سيشكل مناسبة لاستيعاب النظام السوري وهضمه في ترتيبات إقليمية معادية للبعث والمقاومة العراقية المسلحة".

بعض فصائل المعارضة السورية تعتقد أن العناد الذي صبغ تصرفات النظام السوري وإصراره على استمرار الوجود والنفوذ السوري في لبنان،-خصوصا بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم (1559)-  جعله يقبل ما أملته عليه أمريكا مدفوعا برغبة لكسر شوكة المعارضة اللبنانية التي رفضت التمديد للرئيس "لحود"، ولإفشال مساعي فرنسا ،الصديق القديم.

والبعض الآخر يعتقد أن النظام وجدها فرصة سانحة حتى يعود لاعبا أساسيا في رسم صورة المنطقة بعد العزلة الدولية التي وجد فيها نفسه عقب صدور القرار أعلاه، ممنيا نفسه أن تكون ساحة اللعب بعيدا عن سورية.

ومهما كانت الحيثيات التي دعت النظام السوري ليقبل عراقيا، ما كان يرفضه سابقا، فلن يقف الأمر عند حدود حضور مؤتمر "شرم الشيخ"، وإن الأكمة الأمريكية تخفي وراءها أمورا قد لا يكون هذا النظام أدخلها في حسابه.

 ومن المفارقات العجيبة أن ينقل لنا مؤتمر "شرم الشيخ" دعوة فرنسا لإشراك فصائل المعارضة في المؤتمر، بينما لم ينقل مثل ذلك عن أي من وزراء خارجية دول الجوار العربي قبل إقرار البيان الختامي ،إلا ما كان نوعا من الأماني على حكومة علاوي لعقد مؤتمر مصالحة مع المعارضة العراقية، قبل إجراء الانتخابات.

يبقى أن نشير أن العبوس والتقطيب الذي كان يرسم صورة جنائزية على وجوه بقية وزراء الخارجية العرب الحاضرين، بينما كانت الابتسامة العريضة تملأ وجه "زيباري" وزير خارجية "علاوي"، وهو يستمع إلى تلاوة البيان الختامي، وكأنه يتشفى بأولئك الذين كانوا حتى مدة يسيرة يرفضون حضوره مؤتمر وزراء الخارجية العرب في الجامعة العربية.

يسألني جاري في العمارة عمن ضرب هؤلاء على أيديهم حتى يحضروا هذا المأتم؟ ولأنه لا يقبل بهز الرأس جوابا على سؤاله، فقد قلت له إنها أمريكا يا صاحبي!.   

 

كاتب سوري يعيش في المنفى