بين كييف وشرم الشيخ.. مفارقات منطق ما بعد الحرب الباردة...

 عبد اللطيف مهنا                          

                                                                

هل من علاقة ما أو رابط بين أحداث كييف المتصاعدة، أو أزمة ما بعد نتائج الانتخابات الأوكرانية، وفشل التوقيع على ما يسمى اتفاق "الشراكة الاستراتيجية" بين الاتحاد الأوروبي وروسيا الاتحادية؟

...وهل من علاقة أو رابط أيضاً بين تلك الأزمة التي لا زالت في بداياتها بعد، وهذا الفشل الذي يحاول طرفاه التخفيف من وقعه، وبين مؤشرات النتائج "العراقية" لقمة شرم الشيخ الأخيرة؟

قد تبدو مثل هذه التساؤلات غرائبية بعض الشيء، هذا وفق منطق عالم ما قبل تحولات ما بعد نهاية الحرب الباردة  وزوال ثنائية القطبية العالمية لصالح آحادتيها. إلا إنها، وفق منطق ما بعد تلك التحولات، وحقائق الواقع الكوني الراهن، أي في ظل غائلة تفرّد هذه الأحادية، أو طائلة الفلسفة الاستباقية للنزوع الإمبراطوري الأمريكي، وتداعيات ومفارقات هذا النزوع المنفلت  ومستوجباته الذرائعية، تظل تساؤلات تتضاءل غرائبيتها لصالح واقعيتها. تلك الواقعية التي تثير كل ما يستوجب منا البحث عن وشائجها، بل تستدعي ضرورة البحث عن إجاباتها... وهذا ما سنحاوله هنا ما أمكن.

 فيما يتعلق بالتساؤل الأول، لا بد من التوقف أمام تعقيب صدر عن رئيس الوزراء الهولندي يان بيرت بالكنده، الذي تترأس بلاده راهناً الاتحاد الأوروبي، يوضح فيه أسباب فشل ذلك التوقيع المفترض على اتفاق تلك "الشراكة الاستراتيجية" التي لطالما سعى الروس إليها، وبالتالي عودة الرئيس فلادمير بوتن إلى بلاده من دون هذه الشراكة... قال بالكنده:

"إن الطرفين لا يستطعان الاتفاق على تعاون أوثق في المجالات الأمنية التي تمس علاقات روسيا مع جاراتها أوكرانيا ومولدافيا وبلاروسيا، وجمهوريات القوقاز"!

هذا التوضيح الأوروبي يشكل مفتاحاً لحل اللغز الأوكراني المتمثل في هذا الأشكال الذي كشفت عنه نتائج الانتخابات الرئاسية، إذ بغض النظر عن ما يثار حول نتائجها، إن لجهة تدني شفافيتها، أو الزعم بتزويرها، أو مدى صحة ما تدعيه المعارضة من عدمه، وهي أمور واردة على أية حال، أو يمكن التحقق منها لاحقاً، فإن الغرب، وهو هنا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، سارع إلى الإعلان عن عدم قبوله لنتائجها حتى قبل إعلانها رسمياً، وبدا جلياً، والحالة هذه، إننا إزاء مسعى غربياً باتجاه محاولة تكرار الأنموذج الجورجي في واحدة من أهم ما كان يعرف بجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق بالنسبة للاستراتيجية الروسية الراهنة. أي أن الكرملن يجد نفسه أمام محاولة اللعب مجدداً في الحديقة الروسية الخلفية ذات السياجات المتهتكة.

وهذا ما يفسر مسارعة الرئيس بوتن إلى تهنئة الرئيس المعلن أنه الفائز في الانتخابات،  المعروف بميوله الروسية. بيد أن تحذيراته لمضيفيه الأوروبيين من أن ما يدور في كييف شأناً أوكرانياً داخلياً، وأن نتائج الانتخابات الأوكرانية ليست في حاجة إلى تأكيد شرعيتها من قبل الخارج، لم تلق آذاناً صاغية، كما لا يبدو أن الغرب أو المعارضة الأوكرانية في وارد انتظار ما يسفر عنه نظر المحكمة العليا في الطعونات المرفوعة إليها، بل استغل هذان الطرفان دفعاً جديداً لتصعيد مواقفهما هو قرار هذه المحكمة بحذر نشر نتائج الانتخابات الرئاسية التي أسفرت عن فوز رئيس الوزراء الحالي، أي رجل موسكو  فيكتور يانوكوفيتش على حساب رجل الغرب فيكتور لتشينكو زعيم المعارضة، حتى البت في الطعونات المقدمة أمامها، وهو تصعيد بدأ يتطور باتجاه نوع من العصيان المدني... وأصبحنا أمام حالة دارفورية لجهة مطالبة زعيم المعارضة بوسيط دولي، بل إعلانه أن قرار المحكمة العليا ليس سوى البداية، ثم وصول رجل حركة تضامن البولندية الشهيرة، التي أطلقت شرارة التحول البولندي غرباً، الرئيس السابق ليخ فاليسا، إلى كييف متوسطاً بطلب من المعارضة، مع إعلان منه بأن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا قد انتدبته للمهمة العتيدة... وتزداد التعقيدات بإعلان المعارضة بأنها "ستفرض حصاراً على السلطات، بل وقيل أن فيكتور ليتشنكو الرافض الاعتراف بالخسارة، قد أصدر مراسماً، بالنيابة عن لجنة "خلاص وطني"، تهدف إلى "تعزيز النظام العام وضمان حرية وسائل الإعلام"، وإن هناك برلمانات محلية في أطراف أوكرانيا قد أعلنت بأنها لن تتلقى الأوامر إلا منه!

وبالمقابل، تظاهر أنصار فيكتور يانوكوفيتش، ويبدو أن الجيش والمؤسسات الأمنية بالإضافة إلى موسكو هب  إلى جانبه حتى الآن... وهكذا يشهد هذا البلد عراكاً خطراً بين هذين الفيكتورين... أو قل بين بقايا الحمية الروسية التي ينهش أطراف عَظَمَتها السابقة المتطاول الغربي وبين شراهة هذا المتطاول، وكل ذلك يدور تحت يافطة الدفاع عن شرعية وصحة نتائج الانتخابات أو الطعن في شفافيتها وبالتالي شرعيتها... وهما أمران يظل، كما قلنا، كلا الاحتمالين فيهما وارداً، إلا أنه وفي ظل هذه الزوبعة من الصعب حتى الآن الجزم بأي منهما. لكن ذلك لا يحجب عن الأذهان المثال الجورجي، وتعقيب رئيس الوزراء الهولندي، وهو يودع الرئيس بوتن العائد إلى بلاده، دونما توقيع اتفاق "الشراكة الاستراتيجية" مع الاتحاد الأوروبي.

أما ما يتعلق بالتساؤل الثاني، فهنا تقع المفارقة الغربية التي لا يجب أن تفاجئ أحداً، لا سيما إذا ما اعتمدنا، كما قلنا، أن نأخذ في اعتبارنا منطق ما بعد نهاية الحرب الباردة، ودخول العالم، شاء أم أبى، حقبة سيادة قانون أدغال الاستباقية... في شرم الشيخ، وفي أجواء احتفالية تقع عشية استباحة الفلوجة العراقية، وبالتوازي مع دراما أحداث ما بعد الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، وحملة التباكي على نزاهتها، وبالتالي الإصرار على رفض نتائجها، يتم جمع السبعة الدوليين الكبار، يضاف إليهم الإقليميين من دول الجوار العراقي، ومعهم الأمم المتحدة  والجامعة العربية وأمينيهما، وكذا منظمة المؤتمر الإسلامي ... بحضور وزير خارجية الولايات المتحدة ووزير خارجية الحكومة العراقية المؤقتة، ليملى على الجميع، وفق البيان الختامي: ليس التعامل مع نتائج احتلال العراق كأمر واقع والاعتراف بها، أو غض النظر عن مطلب سابق لأكثر من طرف من الحضور، وخصوصاً الفرنسي، هو إعلان موعد رحيل هذا الاحتلال، ووصم مقاومته بالإرهاب، بل، وهذا ما يعنينا هنا، تغطية جدول أعمال الاحتلال هناك وشرعنته، وهو المخالف أصلاً للشرعية الدولية، عبر نوع من تدويل موهوم لا مضمون حقيقي له، من شأنه أن يسهم في إخراج الاحتلال من ورطته، وذلك عبر دعم العملية السياسية الجارية هناك، والتي يراد لها أن تتوج بانتخابات تجري تحت حرابة، أقل ما يمكن قوله هو أنها قد تسهم في نقل الصراع إلى داخل صفوف الشعب العراقي بدلاً منه مع هذا الاحتلال، وبالتالي تؤجل رحيله، بل من المرجح أن يكون في نتائجها ما يثبت وجوده  بطلب من القوى الفائزة أو المطلوب فوزها في هذه الانتخابات.

لم يتم الالتفات هنا إلى ما يدعى الواقع الأمني الذي لا يسمح بهكذا انتخابات، والمتفاقم جراء المقاومة المتصاعدة، لدرجة الإعلان عن اعتقال المسؤول عن أمن مقر الحكومة المؤقتة بتهمة علاقته بها. ولا إلى أن قطاعات واسعة من الشعب العراقي أعلنت عبر أكثر من ستين حزباً وحركة وتوجهاً مقاطعتها للانتخابات. ولا إلى ثمانية أحزاب أخرى، تضاعفت لاحقاً، طالبت بتأجيلها، ومن بينها من شارك في مجلس الحكم الانتقالي الذي عينه الاحتلال، والحكومة المؤقتة نفسها، وإنما استعيض عن هذا بإعلان رئيس وزراء الحكومة الانتقالية بأنه جمع بقدرة قادر، وفي "جبهة وطنية" تحت قيادته 212 حزباً وتنظيماُ وشخصية دينية بالتمام والكمال، يقال أن من بينها جمعية المتقاعدين، لخوض الانتخابات العتيدة... قد يكون في تسارع تضاعف عدد المطالبين بالتأجيل، ومن بينهم الحزبان الكرديان وحزب رئيس الحكومة المؤقتة نفسه، مؤشراً على قبول فكرة التأجيل، لكن ذلك إن تمّ، علماً أن الرئيس بوش يصر في آخر تصريحاته على إجرائها في موعدها، لن يغير في شيء جوهر الاستهدافات الكامنة وراء انعقاد قمة شرم الشيخ.

إذن، ما الرابط بين ما يجري في كييف، وما جرى في شرم الشيخ، برسم ما سوف يجري في بغداد؟

إنه باختصار يتجلى، ليس فقط في اعتماد ما عرف بأسلوب  الكيل بمكيالين، أو حتى مكاييل كثيرة، وإنما في مفارقات غوائل نزوع الهيمنة المنفلت من عقاله وبالتالي مستوجباته الذرائعية، مثل بسط الديمقراطية ولو بالقوة، وفق مقاييس وأجندة ومصالح الأقوياء، وبانتقائية تنسجم مع هذه المصالح، أي ليس لوجه الديمقراطية أو حرصاً عليها أو توخياً لمضمونها...  ودونما إبداء أقل احترام لما كان يعرف سابقاً بسيادات الدول... أو حكاية الانتخابات المشكوك في نزاهتها هناك أو المطلوب عدم نزاهتها، أو لا باس إن كانت ناقصة هنا... أما مسألة حقوق الإنسان فيتم التباكي عليها في دارفور والصين، ويتم تجاهلها بل تحريم مجرد ذكرها في فلسطين والفلوجة... إنها مفارقات منطق تحولات ما بعد نهاية الحرب الباردة، وسمات الخروج الفجّ على منطق ما كان يعرف سابقاً بالشرعية الدولية.