قول ينبغي ان يقال: شكراً نبيل فياض....

فايز سارة

 

المني بصفة شخصية اعتقال الكاتب السوري نبيل فياض في 30-9 الماضي، وافرحني خروجه الى الحرية في 31-10 الماضي، واذا كان فرحي بخروجه، يستند الى رغبتي في ان ارى بوابة الاعتقال السياسي قد اغلقت في سوريا، وهو واحد من اهم المطالب التي توافق عليها السوريون، وطالبوا بتحقيقها على مدار سنوات، فان ألمي من اعتقال فياض، ان شخصاً آخراً عزل عن الحياة، وتم ادخاله السجن بعيداً عن عائلته واصدقائه ومواطنيه وعمله، دون ذنب فعله، سوى ان كتب ما كتب وقال ماقال، وكلاهما حق منصوص عنه في دستور البلاد، وهو حق اساسي من حقوق الانسان التي يفترض اننا ملتزمون بها في سوريا شعباً ودولة ونظاماً.

المي وفرحي حول ما اصاب الاستاذ فياض، هو امر شخصي، اعتقد ان كثير من السوريين يشاركوني به، وهو امر اراه نموذجاً لما يمكن ان تصير اليه الامور الشخصية في علاقتها بالامور العامة، عندما يتشارك المواطنون في همومهم وطموحاتهم، فيهزهم اذى يلحق باحدهم، ويصيبهم الفرح بخلاصه من محنته وبلواه.

غير اني وقد قرأت التوضيح الذي نشره الاستاذ فياض، فقد فاجأني ما احتواه من معطيات في الخلاصة، واساس المفاجأة، لايتصل بتقييم الاستاذ فياض لما حصل معه من جانب شخصي، اذ يعود اليه هذا الامر، وهو حر في ان يسرد ماحصل من وجهة نظره، لكن كان عليه ان لايذهب الى ابعد من ذلك، عندما يتعلق الامر بالشروط العامة لعلاقات المواطنين بالاجهزة الامنية وتجارب الاعتقال في سوريا، والتي تكاد تكون معروفة، ولها وقائع وحيثيات مثبتة.

اني افترض، ان اعتقال الاستاذ فياض جرى كما وصفه دون اية التباسات، وان تفتيش مكان العمل والمنزل، والتحقيق حول كتاباته جرى بالطريقة ذاتها، وان العناية الصحية به تمت على نحو ما قال، وان محنته انتهت معززاً مكرماً، كما اوحت نهاية رواية التجربة، التي اتطلع كمواطن سوري، ان تكون نموذجاً في التعامل مع السوريين الذي تسوقهم اقدارهم ليصيروا في يد الاجهزة الامنية.

لقد حاول الاستاذ فياض، ان يعمم تجربته في المحنة التي تعرض لها فقال في "الخلاصة" مانصه "أن هذا التعامل الأخلاقي والحضاري معي ليس حكراً عليّ بسبب وضعي الثقافي بل هو شامل للناس جميعاً"، والحق، فان هذا الامر في عموميته، ليس صحيحاً، فقد شهدت الفروع الامنية كثير من الانتهاكات بحق اشخاص جرى اعتقالهم، وعمليات الاعتقال في سوريا، لم تجر دائما بصورة هادئة وسلسة، والتحقيقات مع المعتقلين تجاوزت في اغلب الاحيان الاسئلة والاجوبة الى عمليات الضغط والتهديد والتعذيب من اجل انتزاع اعترافات من المعتقلين، ويكفي للدلالة على ما حصل ويحصل العودة الى تقارير منظمات حقوق الانسان في سوريا، وآخرها ثلاثة صدر اثنان منها في سوريا عن جمعية حقوق الانسان، واخرى عن لجان الدفاع عن الحريات وحقوق الانسان، كلها توثق بالاسماء والوقائع بعض ماحدث.

صحيح ان تغييرات جرت في تعامل الاجهزة مع المواطنين، وهي تغييرات مهمة، لكن من الصعب القول ان هذه التغييرات آلت الى ماصوره الاستاذ فياض من تعامل اخلاقي وحضاري نطمح اليه، واستعيد هنا ما حدث ابان الاعتصام الاخير في ساحة عرنوس بمناسبة يوم المعتقل السياسي في 21-6 الماضي، حيث اهين وضرب بعض الذين حضروا للمشاركة في اعتصام سلمي وصامت.

والنقطة الثانية، التي ارى من الحق التعقيب عليها في "خلاصة" الاستاذ فياض، قوله ان سورية عرفت "أشكال تجمعية كثيرة وكبيرة منها المرخص به ومنها غير المرخص به ومنها الديني ومنها العلماني، ومع ذلك لم نسمع باعتقال أو توقيف أي من أعضاء تجمعات كهذه"، واساس ملاحظتي هنا، انه يعمم ويتجاوز الحقائق ايضاً، فليس في سوريا في حدود معرفتي "أشكال تجمعية" دينية بالمعنى المقصود، ذلك ان التجمعات الدينية مازالت "خط أحمر"، وكما هو معروف، فان كثير من نشطاء التجمعات الاخرى، جرى التحقيق معهم، وآخرين جرى اعتقالهم، والبعض صدرت بحقهم احكام في منتهى القسوة، والاسماء في هذا كثيرة، يكفي ان استعرض سماء بعضها وبينهم استاذ الاقتصاد عضو لجان احياء المجتمع المدني عارف دليلة، ورياض سيف عضو مجلس الشعب وصاحب مبادرة تأسيس حركة السلم الاجتماعي، ثم المحامي أكثم نعيسة رئيس لجان الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الانسان، ثم الكاتب نبيل فياض نفسه الذي جرى احتجازه على خلفية مشاركته في التجمع الليبرالي مع زميله جهاد نصرة.

واتفق بقوة مع قول الاستاذ فياض "إن موقفي من القضايا السلبية ليس موقفاً من الدولة وإنما من السلبيات"، فمن الطبيعي ان يقف المواطن مع دولته، لان الدولة لكل المواطنين، فيما "السلبيات" هي ناتج سياسات الحكومة، والتي تعبر كما هو معروف عن مصالح بعض المجتمع، وهي وسيط تنفيذي بين المجتمع والدولة، ومن حق المواطنين ان يكونوا ضد السلبيات، التي تفرزها سياسات الحكومة دون ان يكونوا ضد الدولة.

لقد كانت محنة نبيل فياض فرصة لسماع صوته والاطلاع على رأيه الذي وان اختلفنا مع تقيمه بصدد تلك المحنة ومكانتها في حياة السوريين، فقد كانت مناسبة لحوار مهم يتصل بما صارت اليه حالنا في التعامل مع الاجهزة الامنية وما تغير فيها.