استعدوا... كونداليسا رايس في طريقها إلينا...

عبد الطيف مهنا

 

في سياق عملية إعادة ترتيب البيت، بإعادة ترتيب أوضاع إدارته مجدداً في مستهل فترته الرئاسية الثانية، أو ما كان متوقعاً على ضوء نتائج حملته الانتخابية الفائزة وانسجاماً مع دلائل هذا الفوز، كل المؤشرات تقول أن سيد البيت الأبيض مجدداً الرئيس جورج بوش الابن يتخذ قراراته في هذا المجال انطلاقاً من قناعته المحقة بأنه قد حصل على تفويض كامل من أغلبية الشعب الأمريكي، هو أقرب إلى المبايعة، أو يرى فيه ما يزكي ويدعم جل سياساته، أو تلك التي انتهجها أو طبقها أو نادى بها في الفترة الرئاسية المنقضية، والخارجية منها على وجه الخصوص.

بدا ذلك واضحاً في جملة من استبدال لبعض الأسماء في سياق تغييرات سوف تسهم فيما يبدو في إمساكه مباشرةً بالملفات الخارجية، كما من شأنها أن تؤدي إلى تحقيق انسجام أكثر بين صقور إدارته التي خلصتها هذه التغييرات ممن كانوا يعدون فيها من أشباه الحمائم مقارنةً مع من سوف يستمر في المسؤولية من جوارحها.

الواضح الآن أن الرئيس الأمريكي يعيد تشكيل إدارته من فريق من المقربين، وعليه فالرؤوس غير المرغوب في بقائها أخذت في التدحرج، وأهمها رأس وزير الخارجية كولن باول ومعه نائبه ارميتاج، لتخلفه في الموقع مستشارة الأمن القومي كونداليسا رايس مع نائبها الجديد جون بولتون، والتي سيخلفها في منصبها السابق ستيف هادلي. وكان قد سبق الوزير باول إلى الرحيل وزير العدل اشكروفت الذي سيخلفه المستشار القانوني غونزاليس... وهكذا تكر المسبحة وصولاً إلى وكالة الاستخبارات المركزية السي آي ايه... ماذا يعني هذا؟

أنه يعني ببساطة أن ما يطلق عليهم المحافظين الجدد قد أحكموا قبضتهم نهائياً على الموقعين الأكثر أهمية فيما يتعلق بالسياسة الخارجية للقوة الأعظم المتفردة بالقطبية في عالم اليوم، أي وزارة الخارجية ووكالة الاستخبارات المركزية.

قد يقول قائل أن كونداليسا رايس التي لم يعرف عنها إجمالاً ابتعاداً كبيراً عن أطروحات اليمينيين الجدد لم تحسب يوماً عليهم. وهذا صحيح، بيد أنها عرفت طيلة الفترة الرئاسية الأولى للرئيس بوش الابن بأنها الأقرب من الرئيس والأكثر انسجاماً مع أسلوبه في الإدارة، حيث يُرِدّ ذلك، كما هو متفق عليه، ليس إلى العلاقة الشخصية التي تربطهما فحسب، وإنما إلى النظرة المشتركة التي تجمع بينهما. أي كل ما يعني اليوم بأن وجود رايس في وزارة الخارجية يعني تلقائياً كناية عن وجود الرئيس بوش مباشرةً هناك.

وإذا ما عرفنا بأن نائب وزيرة الخارجية الجديدة جون بولتون يوصف بالليكودي الأكثر ليكودية من شارون، وأن غونزاليس وزير العدل الجديد قد عرف بتبريراته القانونية لما ارتكب في سجن أبو غريب، وما جرى من انتهاكات في معتقل غوانتينامو... واستطراداً، إن الرجل المخوّل بالتنسيق بين الأجهزة الأمنية المعنية بالأمن القومي، وعلى رأسها الخارجية والسي آي ايه، هو ستيف هادلي، يتبين لنا أنه لا تغيير جوهري سوف يطرأ على السياسات الخارجية المعتادة للإدارة، أو تبديل في تلك التي عرفت بها في فترتها السابقة، وإنما يمكن القول أن من المنطقي توقع تصعيداً أكبر في حدتها، وإيغالها أكثر في انتهاجها لذات السياسات، وبما يعنيه ذلك من تطبيقات تشمل كل الجوانب والقضايا التي عالجتها أطروحات اليمينيين الجدد، أو بما ينسجم معها، وبما يقطع أيضاً بأن الرئيس جورج بوش الابن ليس في وارد المصالحة مع 48% من الناخبين الأمريكيين الذين حجبوا عنه أصواتهم وأعطوها لمنافسه الديمقراطي الخاسر.

ما تقدم لا يعني إغفال نغمة تصاعدت مؤخراً حول ضرورة تحسين العلاقات مع الحلفاء القدامى، وعلى رأسهم بعض الاتحاد الأوروبي، وهي النغمة التي بدأت تتردد في صفوف الجمهوريين داعيةً لترميم التصدعات التي لحقت بتلك العلاقات تحت جائحة التفرد بقرار العالم، والتي فاقمها الفزع الذي انتاب حتى هؤلاء الحلفاء من غوائل الفلسفة الاستباقية التي رفعت الإدارة بيارقها وطبقتها خلال الأعوام الأربعة الماضية.

فهذه أمور من الطبيعي أن تلتفت الإدارة الأمريكية إليها، وأن تراها في سياق الحرص على ما يخدم توجهاتها الكونية، ويسهل تطبيق سياساتها التي تخدم الاستراتيجيات التي تعتمدها في رؤيتها الإمبراطورية المعروفة لدورها في هذا العالم.

والآن، وعلى ضوء إعادة الترتيبات المعلنة لإدارة الرئيس بوش القديمة الجديدة في فترته الرئاسية الثانية التي توشك على البدء، فإن ما يهمنا هنا هو انعكاساتها المباشرة على المنطقة، أو على توجهات السياسة الأمريكية في بلادنا، أو ما هو بالتالي الجديد في هذا اللاجديد في تلك السياسات؟!

يمكن القول هنا، وفق المثل السائر، يقرأ المكتوب من عنوانه، والعنوان هنا بامتياز هو كونداليسا رايس وزيرةً للخارجية...  مع التذكير بأن وزير الخارجية الإسرائيلية سلفان شالوم قد أعلن نيابةً عنها بأن أول زيارة ستقوم بها خارج بلادها بعد تسنمها هذا المنصب ستكون لإسرائيل، بل زاد فقال:

أن تعيينها في منصب وزيرة للخارجية يشكل إشارة إيجابية لاستمرار السياسة الأمريكية في المنطقة... وكان الوزير شالوم قد قال هذا الذي قاله إثر فروغه من لقاء بالرئيس بوش حيث أكد على إثر هذا اللقاء إنه والرئيس الأمريكي قد اتفقا على أن رحيل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات "يقتح نافذة لتغيير حقيقي في الشرق الأوسط"!

ما هو هذا التغيير؟

للأمر عنوانان، وفق الخطاب الأمريكي، الذي سوف يتعزز بتسنم رايس كرسي وزارة الخارجية، الأول: "السلام" وفق الرؤية الأمريكية الإسرائيلية لهذا المصطلح، والذي لا يعني في جوهره إلا فرض الرؤية الشارونية لكيفية تصفية القضية الفلسطينية، وهي الرؤية التي لا تعدو حصاداً للتطابق الأيدلوجي والمصلحي  بين طرفي أقصى اليمين في الجانبين الأمريكي والإسرائيلي، والتي تنطلق من هذه المعادلة:

إن حل القضية الفلسطينية بمعنى تصفيتها نهائياً وفق أية سيناريوهات ممكنة، وفرض "الديمقراطية" وفق المواصفات الأمريكية المطلوبة على العرب، ولو بالقوة، يساوي المصلحة الأمريكية في حماية وجود إسرائيل واستمرار تفوقها وحفظ أمنها، وعليه، فالسلام المنشود هنا لا علاقة له بالعدالة، وإنما تسريع إنجاز الانتصار النهائي للمشروع الصهيوني اللامتناقض بل المندرج كلياً تحت الاستهدافات الاستراتيجية الأمريكية الكونية، أي في العالم وليس في بلادنا فحسب.

بخصوص هذا النوع من "السلام"، بدأ الحديث يرتفع حول الاهتمام الأمريكي بالمسألة إثر إعلان الفوز بالفترة الرئاسية الثانية، وزاد التلويح برؤية بوش الشهيرة للدولتين بالتزامن مع مرض الزعيم الفلسطيني، واليوم، وبعد رحيله، يتم مجدداً التعرض لذكر خارطة الطريق لكن في سياق الدعم لخطة الفصل الشارونية المعروفة، وكذا يجري بعث الحياة في اللجنة الرباعية، والكلام الكثير عن الانتخابات الفلسطينية، ووجوب الإصلاح داخل السلطة، والحرب على المقاومة تحت شعار ما يسمى الحرب على الإرهاب، وكل ذلك يتم إدراجه تحت مقولة: ما بعد عرفات!

وأهمية هذا المابعد في نظر دعاته لخصه تعليق للناطق باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية جاء تعقيباً على أنباءٍ تقول بأن وفوداً دوليةً من الباحثين عن الحلول سوف تترى قريباً على رام الله، في مقدمتهم وزير الخارجية الأمريكية المستقيل الذي لا زال يمارس صلاحياته كولن باول، ونظيره الروسي لافروف، والبريطاني سترو، وسيلحق بهم الألماني فيشر والأسباني مورانيتوس، يقول التعليق الإسرائيلي: أن "الجميع متحمس الآن بما أنه (عرفات) لم يعد هنا"!

إذن، ووفق الخطاب الأمريكي الإسرائيلي خلال الفترة الرئاسية الأمريكية المنقضية، القائل بأن الزعيم الفلسطيني الراحل كان يشكل العقبة في طريق الحل المنشود. وإذا ما عرفنا أن هذه العقبة لم تكن يوماً في شخصه بقدر ما هي في حده الأدنى المتمثل في تمسكه بمسألتين هما: القدس، وحق العودة، فالجهود الآن في غيابه، أو بعد تغييبه سياسياً ومن ثم جسدياً، تتجه منطقياً لتذليل هاتين العقبتين، أي عملياً القفز عنهما، أو بمعنى ما شطبهما، وحيث أن القدس واللاجيئن هما جوهر القضية الفلسطينية، فإن شطبهما هو في جوهره ليس سوى إطلاق رصاصة الرحمة على قضية قضايا الأمة العربية في فلسطين.

أما بخصوص وصفة "الديمقراطية" للعلاج الناجع لكافة مشاكل العرب جميعاً وفق المنظور الأمريكي الإسرائيلي لهذا العلاج، فالأمر يذكّرنا بذريعة المهمة الحضارية الأوروبية التي اسطفتها لنفسها أوروبا الاستعمارية، والتي تحت رايتها تم استعمار شعوب وإبادة أمم بل والإجهاز على حضارات في العالمين القديم والجديد على السواء، حيث على أنقاض بعضها، كما هو معروف، قامت الولايات المتحدة نفسها. وهي، أي الديمقراطية،  شعار علاجي مزعوم، أو كلمة حق يراد بها باطل، يطرح اليوم بحيث لا يمكن ترجمته من حيث النوايا الكامنة خلف أكمته، وعلى ضوء المثال العراقي، إلا بمحاولة إعادة إنتاج  نظام عربي أكثر خضوعاً، بالتوازي طبعاً مع استهدافات حملة مكافحة الإرهاب بمفهومه الذي لا يعني سوى القضاء على حق المقاومة، وتدجين ما يوصف بالدول المارقة، أي الحرب على باقي الممانعة العربية، تحت طائلة منع انتشار أسلحة الدمار الشامل وباقي الذرائع، وصولاً إلى هدف انتزاع التسليم العربي بضياع فلسطين.

إذن، في البيت الأبيض راهناً تجري عملية إعادة ترتيب لإدارة قديمة جديدة، ستواصل بدورها أيضاً سياسة قديمة جديدة لا تغيير فيها وإنما تصعيد، عنوانه من زاوية النظر العربية:

استعدوا... كونداليسا رايس في طريقها إلينا... وفي جعبتها هدف واحد هو التسريع في فرض الرؤية الإسرائيلية لحل القضية الفلسطينية... يمهد لقدوم القادمة إلينا توالي وفود البحث عن ما بعد عرفات، أما وسيلتها إلى ذلك  الهدف فهي ابتزاز المنطقة عبر التلويح بضرورة إعادة هيكلتها ديمقراطياً!