الأنبياء -بل الكذابون- الجدد في أمريكا وثقافة الإبادة الجماعية...."هيك أمة بدها هيك أنبياء" ..

الطاهر إبراهيم

لكثرة ما رأى الناس من عجائب الرئيس "جورج بوش"، فقد لا يستغرب الكثيرون منهم ما جاء في جوابه على سؤال أحد الصحفيين، عما إذا كان يستشير والده "بوش" الأب، في ما يقدم عليه من أمور؟ فأجاب: بل يرجع إلى الله في كل ما يقدم عليه.

وبدون مقدمات وبدون تمهيد، فإن الخطورة عند بوش لا تكمن فقط في تصريحات كهذه، وما توحي به من مستقبل مكفهر خلال أربع سنوات قادمة في ولايته الجديدة، بل تكمن الخطورة أيضا في إصراره على قناعاته التي شن حربه ضد العراق على أساسها والتي تخرج عن كل مألوف ومعروف، حتى بعد أن ثبت له عدم صحتها.

 فهو ما يزال يزعم أن نظام صدام حسين كان يخفي أسلحة دمار شامل وكان يشكل تهديدا لأمن أمريكا بعد أن ثبت كذب هذه المزاعم ،ليس فقط من قبل مفتشي الأمم المتحدة، بل بنص تقرير "ديفيد كاي" رئيس المفتشين الأمريكيين. وما يزال يؤكد أن صدام حسين كان خطرا على أمن أمريكا ومتواطئا مع القاعدة، رغم ما توصلت إليه اللجنة التي شكلها الكونغرس والتي ثبت لديها أن صدام حسين لم يكن له أية علاقة بهجمات 11 سبتمبر، ولم يشكل خطرا على أمريكا في أي وقت من الأوقات.

ولا يعتبر "بوش" مثيرا للجدل فحسب، بل هناك الكثير مما درج عليه بوش يمكن اعتباره خروجا عن المألوف السياسي الذي كان سائدا لدى الرؤساء السابقين. ولعل أهمها إصراره على تسمية الأمور بعكس مسمياتها.فهو يزعم أنه جاء إلى العراق ليغير النظام الديكتاتوري ، فوطد لدكتاتورية أمريكية بالوكالة بزعامة "إياد علاوي" . وزعم أنه سينهي عهد المذابح الجماعية التي كان يتهم بها نظام صدام حسين، فأقامت قوات "المارينز"المذابح التي لا تبقي ولا تذر ،ليس في الفلوجة وحدها، بل في معظم المدن العراقية. وزعم أنه سينشر الحرية في ربوع العراق،ولكنها كانت حرية من النوع الذي يعتمد على التخريب كما جاء في كلام "رمسفيلد" وزير الدفاع الأمريكي بعد النهب والتدمير الذي أصاب المؤسسات العراقية عقب انهيار النظام العراقي في نيسان من عام 2003 .وزعم أنه سيعيد لحقوق الانسان احترامها بعد أن كانت منتهكة في عهد صدام حسين، وقد رأى العالم كله حقيقة احترام بوش لتلك الحقوق من خلال الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان العراقي التي حصلت في سجن "أبو غريب". ولعل مقتل العراقي الجريح مؤخرا بدم بارد ،على يد أحد الجنود الأمريكيين في أحد مساجد الفلوجة يبين كم هي محترمة حقوق الإنسان عند جنود الرئيس "جورج بوش"؟.

ولقد لفت انتباه المتابعين للأحداث في العراق تصريح أدلى به الناطق الرسمي باسم القوات الأمريكية قبل اجتياح الفلوجة الأخير زاعما فيه أن"الزرقاوي" هرب منها قبل بدء المعركة، ولم يقل لنا لمَ لم يلق عليه القبض؟، ولمَ لم يتم اصطياده بصاروخ موجه بعد رمي"القرص الممغنط" كما تفعل إسرائيل مع قادة الجهاد في فلسطين؟. وإذا تغاضينا عن الأجوبة على سؤالينا أعلاه، وعلمنا أن هذا الخبر لم ينقل من شاهد عيان، لم يبق أمامنا إلا اعتبار أن هذا الخبر قد جاء بوحي من السماء مثله مثل الإيحاءات التي كانت تهبط على الرئيس "بوش" مباشرة كما زعم في جوابه الذي افتتحنا به المقال. وهذه يعني أن "الوحي" ينزل على كل من يعمل في الإدارة الأمريكية، وليس على "بوش" وحده.

والعجيب الغريب أن التحذيرات بوقوع هجمات إرهابية في أمريكا، التي كان يطلقها وزير الأمن الأمريكي "توم ريدج" بعد هجمات 11 أيلول "سبتمبر"، لم يصدق منها تحذير واحد. بينما معظم التحذيرات التي أطلقها "كولن باول" بوقوع هجمات في السعودية قد صدقت. وهذا يحتمل واحدا من تفسيرين: إما أن الشياطين التي توحي إلى النبي "باول" أصدق من شياطين النبي "ريدج"،أو –وهذا هو الأقرب للمعقول- أن بعض الخلايا التي تقوم بالهجمات في السعودية قد تم صنعها ،بشكل أو بآخر، في أمريكا.

ويستعصي على الفهم هذا التدمير الهائل والقتل لكل متحرك في "الفلوجة" من قبل جيوش دولة تزعم أنها تحترم حياة كل إنسان وتهدد بشن الحروب ضد من تزعم أنهم يفرطون بحياة شعوبهم كالتهديد المبطن ضد السودان حول الإبادة الجماعية المزعومة في "دارفور".

فالله الذي يزعم بوش أنه يتلقى توجيهاته منه مباشرة، لا يرضى أبدا عن الإبادة الجماعية التي تحصل حقيقة في الفلوجة. وكأن رب بوش الذي يوحي إليه بتنفيذ هذه المذابح الجماعية، هو غير الرب الذي كان يدين له "رونالد ريغان" الذي أقام الدنيا ولم يقعدها لمقتل يهودي أمريكي واحد على ظهر الباخرة "أخيل لورو" عندما اختطفتها مجموعة "أبو العباس" الفلسطينية في النصف الثاني من ثمانينات القرن العشرين. ثم هو يرسل الطائرات الأمريكية لتقصف طرابلس الغرب وتوقع مئات القتلى من الأطفال والنساء انتقاما لتفجير ملهى ليلي أمريكي في ألمانيا قتل فيه شخص واحد وجُرح آخرون. بينما لم يطرف جفن للرئيس "بوش" وهو يأمر بهذا التدمير "الممنهج" لمدن العراق والقتل العشوائي، ليس في الفلوجة وحدها، بل في معظم مدن العراق . أم لعله الاحتفال "النيروني"، ولكن على الطريقة الأمريكية، بفوز "بوش" بالرئاسة للمرة الثانية.

ويتبين أن إعلان الناطق باسم قوات "المارينز" ،بعد إحكام الحصار حول الفلوجة، عن هروب "الزرقاوي" هو إعلان احتياطي لاستباق الأحداث(أعلن فيما بعد أن معظم جماعة الزرقاوي قد تركوا الفلوجة، فكيف استطاعت أجهزة رصد الجيش الأمريكي بتمييز جماعة الزرقاوي عن غيرهم من الفلوجيين؟ أم لعلهم كانوا يضعون إشارات زرقاء على قبعاتهم؟). فقد قرر الجيش الأمريكي أن يهدم ابنيتها الطينية ،المتداعية أصلا، فوق رؤوس ساكنيها .وسيعلن عن سقوطها،إن عاجلا أو آجلا. وسيجري تفتيشها بيتا بيتا، كما أشار إلى ذلك ضابط كبير في المارينز يوم 14 تشرين الثاني الجاري هو "بيل غيلبرت" بأنهم يقومون بعمليات تمشيط في الفلوجة من منزل إلى منزل. وهذا الإعلان المسبق سيجنب إدارة بوش مطالبة عدسات التلفزة العالمية للجيش الأمريكي بعرض الزرقاوي الذي رصد بوش ،للقبض عليه حيا أو ميتا، فدية قدرها خمسة وعشرون مليون دولار، وهي نفس قيمة الفدية التي رصدها للقبض على "صدام حسين"، والتي بقيت التلفزة الأمريكية والعالمية تعرض صور اعتقاله لأكثر من شهر.      واستطرادا فإن الإعلان عن هروب الزرقاوي سيطيل في عمر الكذبة الكبرى التي ابتدعها أنبياء البنتاغون الكذابون، وزعموا فيها بأن المقاتلين في الفلوجة هم من إرهابيي القاعدة، خصوصا بعد المبايعة المزعومة لأسامة بن لادن من قبل الزرقاوي.

 وهذه الكذبة الكبرى تغطي هدفين مزدوجين لأمريكا: فهي من جهة توفر لها الزعم بأن المقاومة العنيفة ليست من الشعب العراقي بل من مقاتلي القاعدة الموصومين بالإرهاب عالميا، وثانيا سوف يبقى العالم يشير بإصبع الاتهام إلى مقاتلي القاعدة ،وهم من السنة، بأنهم وراء كل أعمال العنف التي حصلت ضد الشيعة والنصارى مما يعمق الخلاف بين طوائف العراق فيسهل على أمريكا حكم العراق،(لعل أمريكا هي التي تخطط لمثل هذا الخلاف حيث أعلن رئيس الأركان الأمريكي"مايرز" بأنه لا يستبعد حصول حرب أهلية بعد إجراء الانتخابات العراقية في "يناير" 2005 ) .

ولقد أشارت أكثر من مرجعية شيعية بإصبع الاتهام إلى جهات أمريكية وإسرائيلية بالقيام بتلك الجرائم، ومن هذه المرجعيات السيد "جواد الخالصي" الذي ظهر في برنامج "الشريعة والحياة" يوم 14 نوفمبر الجاري.

نحن لا نؤكد هنا ولا ننفي وجود الزرقاوي في الفلوجة أو في أي مكان في العراق، ولكننا نقطع يقينا بأن ما نسب إليه يصل إلى مرتبة المستحيل، سيما وأنه معاق وبرجل واحدة بعد أن قطعت الأخرى في حرب أفغانستان الأخيرة. وهو ليس عراقيا، ما يعني أنه يتحرك فوق أرض يجهلها، "وقد قتلت أرض جاهلها" كما قيل. نسوق هذا الاستدلال بعد أن رأينا معظم قيادات النظام السابق ،وهم خبراء أرض، يسقطون في أيدي الجيش الأمريكي.

ولهذا رأينا الأنبياء –بل الكذابون- الجدد في واشنطن وهم الذين فبركوا أسطورة السوبرمان الزرقاوي، احتاطوا لأمرهم فخرجوا يعلنون على الملأ بأنه فر من الفلوجة. 

قد لا يكون مستغربا الحديث عن الفبركات التي نسجها هؤلاء الكذابون الجدد من عصابة البنتاغون حول أسطورة الزرقاوي، وشعارهم في ذلك "اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى ولو لم يصدقك إلا علاوي"، بعد أن كرسوا أدمغتهم المتآمرة لخدمة إسرائيل، بل المستغرب أن يلغي بعض أبناء جلدتنا من العرب عقولهم ويجعلوا من أنفسهم حواريين لأولئك الكذابين الجدد  .        

فقد شاركت صحف عربية في تضخيم الأسطورة ولم تحاول أن تؤكد معلوماتها من مصادر عراقية. كما أن قلة من الصحفيين العرب ( أشرت إلى بعضهم في مقال لي نشرته القدس العربي في 20 سبتمبر الماضي، وكان آخرها اتهام شقيق مدير مكتب الجزيرة في العراق من قبل صحيفة عربية تصدر في لندن بأنه معاون للزرقاوي ) قدموا دعاية مجانية لأمريكا عندما زعموا أن عدد أتباع الزرقاوي في الفلوجة يتجاوز أربعة آلاف. والأغرب من ذلك أن يقف كاتب عربي كبير، في برنامج "حوار مفتوح" في قناة الجزيرة، يزعم أن مشروع "علاوي" في الحكم هو نقيض لمشروع أمريكا في العراق. 

ويبقى السؤال: كيف تنطلي سياسات إدارة بوش على أكثر من نصف الشعب الأمريكي وهم يرون كل يوم الأخطاء التي ترتبت عن هذه السياسات حتى في حياتهم الاقتصادية التي هي رأس المال الأول للأمريكي حيث تدهورت كثيرا عما كان عليه الحال في عهد "كلينتون"؟.

إن احترامنا للخيار الديموقراطي الأمريكي بإعادة انتخاب "بوش" لولاية ثانية لا يمنعنا من أن نبدي وجهة نظرنا في الأسباب التي أدت إلى هذا الخيار، رغم الفشل الذي يلاحق سياساته في أكثر من مجال.

 وفي رأينا فإن التأييد الذي ما تزال تحظى به سياسات بوش تلك، يتعلق بموقف الشرائح الأمريكية من شرقنا العربي والكره الذي تضخه فيها دعايات المجموعات الصهيونية والمجموعات الإنجيلية.

وإذا صح القول المعروف بأن الرئيس المنتخب ماهو إلاعينة تصور واقع الشعب الذي انتخبه، وأن ما كان موجودا في"الدست" الأمريكي أخرجته "مغرفة" الانتخابات الأمريكية ، فإننا سندرك كم هي صحيحة المقولة  "هيك شعب بدو هيك نبي".

* كاتب سوري يعيش في المنفى