إن رحل بقيت فلسطين... وظل بيننا ما بقيت...

عبد اللطيف مهنا

 

لا يبكى الفلسطينيون شهدائهم، وإنما يعاهدونهم على حمل الراية... لماذا؟

لأنهم على امتداد قرن حافل بالعذابات قضاه عنادهم هرولةً بين واقع المعاناة وحقيقة الحلم قد ألفوا حتى العظم طقس الشهادة... ألفوه فأتقنوا فن التعامل معه، وأعطوه حقه، لدرجة أن شهيدهم لا يكادون يفرغون من وداعه حتى يقفل عائداً إليهم ليبعث في آخر يتبعه، فالمسيرة طويلة والرتل  يلحق بالآخر، وواقع الحال يقول:

إنهم إلى جانب كونهم ينتمون لأمة عرفت بأنها مدرسة في هذه القيمة الخاصة بفرادة مواريثها قد غدوا، وحالهم هي حالهم، وبامتياز، شعباً استشهادياً... من ينكر عليهم ذلك؟!

وهم إذ لا يبكون شهدائهم، فكيف لهم أن يبكوا القادة منهم، وقد ألفوا أيضاً ترجّلهم من على صهوات الكفاح الواحد تلو الآخر، واعتادوا رحيلهم الكوكبة إثر الكوكبة... والقائمة طويلة، والملحمة مستمرة... والفلسطينية ولّادة لهذا الصنف من الرجال لا تعرف عقماً...

وإذا لا يبكون هؤلاء، فكيف لهم أن يفعلوا وهم يودعون اليوم قائد القادة، الفدائي الأول، والرمز الذي تعدى حدود الأسطورة ليصبح الحكاية الفلسطينية المرسلة والتعويذة اللامعتادة المنداحة حتى مناطحة حدود الأزل...

لكم اختلف من اختلف منهم مع ياسر عرفات، وأنا واحد من هؤلاء، لكنهم، لكننا جميعاً، لم نختلف يوماً على ياسر عرفات...

لم نختلف على ذاك المزيج الفريد بين الفدائي المقاوم والسياسي المناور والزعيم الأبوي... اللاعب الأمهر بشعرة معاوية... لا نختلف على أبي عمار قائد المحطات الفدائية الأولى وموجّه فائض فيض الإرادة الكفاحية الفلسطينية، والمتعامل الحاذق مع المنعطفات المصيرية المتلاحقة من عمر المسيرة النضالية الفلسطينية الصعبة... ورجل المراحل المختلف على اجتهاداته الإشكالية، تلك القادر وحده على ترجمتها...

من يختلف بيننا معنا على واسطة عقد، بل قائد، تلك الطليعة التي أسست فتح، وأطلقتها فأطلقت من ثم عبر الرصاصة الفتحاوية الأولى الثورة الفلسطينية المعاصرة... وهل من خلاف على أبي عمار قائد المحطات بل الانطلاقات الفتحاوية التي تلت الأولى... الثانية... ومعركة الكرامة... أو ذاك القرار الإستراتيجي الفريد والصائب، أو المعركة التي لقرار خوضها، من قبل قلةٍ رائدة في مواجهة قوةٍ عاتية تصول وتجول في مناخ موات يخيم على أمة اجترعت صاب نكسة عام 1967، ما تم على أثره من بعث لروح المواجهة الكامنة، ومن تحوّلٍ أحيا نبت الإرادة المتحفزة، ليس لدى الشعب الفلسطيني وحده وإنما الأمة برمتها، حيث مع قعقعة السلاح المنبعثة أصدائها في أرض المعركة الخالدة تهاوت سيول من المتطوعين العرب من مغارب الأمة ومشارقها، ممن يمموا صوب القواعد المحيطة نبتاً نضالياً على ضفاف الأردن ومشارف فلسطين التاريخية، لتتكامل وتتعانق مع الخلايا التي تحبل بها أحشائها...

من ينسى أهزوجة:   فوق التل        وتحت التل

                          اسأل عنا الريح تندل..؟!

                                    *                    *                           *

رحل أبو عمار وإليكم هذه الحكاية... قبل معركة بيروت كنا لازلنا نعيش جدل ما بعد البرنامج المرحلي، وكنت ولازلت ممن عارض واختلف مع باقي الاجتهادات التي نبتت على ضفافه، وكنا يوماً، ونحن الفتيان نذهب في انتقاداتنا للختيار حد النزق أحياناً... وكان يقابلنا، والجميع يشهد ممن عاشوا تلك المرحلة، بطبائع الوالد وحنكة الشيخ... وحدث اجتياح لبنان وحصار بيروت، وكنا يومها في الإعلام الخارجي نفر قليل يقود مع محمود اللبدي جيشاً لحجباً من صحافيي العالم القادمين لتغطية تلك المعركة، وعليه كان لزاماً علينا البقاء في مواقعنا على خلاف الآخرين الذين تقتضي ضرورة تخفيف الخسائر ابتعادهم عن الفكهاني الذي تحول إلى حقل رماية مستمرة من قبل ائتلاف من نيران الدبابات والبوارج والطائرات... كنت أسير يومها في الشارع الشهير المعروف بأبي شاكر، كانت حفلة الرماية على أشدها والمنطقة خالية إلا من الجدران التي تهتكت بفعل القصف، والدخان المنبعث من الانفجارات... فاجأني أبو عمار وجهاً لوجه، كان يسير وحيداً مترجلاً ولا يرافقه إلا مسدسه وعصاته ومرافقه الذي كان يلازمه أيامها كظله فتحي... تسمرت لدهشتي في مثل تلك اللحظة من هذا القدوم المغامر، انعطف باتجاهي واحتضنني وعانقني على طريقته المعروفة، وربت على كتفي قائلاً: شد حيلك، شد حيلك... لا أكتمكم أنني أسقط في يدي وشعرت حينها بخجل ما... خجل أمام اللحظة على نزق كان لا على معارضة ظلت... ومضى الختيار ولحقت به وتوجه صوب مبنى المجلس الثوري الخالي إلا من مجموعة إعلامية  صغيرة تابعة لوكالة وفا، يقودها رجل شجاع اسمه لاحقاً الشهيد خليل الزبن، وفتاة ولا الرجال اسمها جنين، وأخ ثالث من كوادر وفا اسمه سليمان... صلى أبو عمار، وبعدها سأله أحدهم:

أخ أبو عمار، إذا كان مخيم عين الحلوة الصغير صمد لأكثر من أسبوع فما بالك بيروت؟

التفت أبو عمار وقال بدفء: نعم يا أخوانا لم نكن نعرف من بيروت إلا القليل من المناطق مثل: الأوزاعي والرملة البيضاء، وفردان، الآن نكتشف أن هناك برج أبو حيدر والبسطة الفوقا والتحتا... وأخذ في تعداد أحياء بيروت الغربية التي لا يعدو الواحد منها مجموعة زواريب أو أزقة قليلة... مازحه سليمان قائلاً:

عمق استراتيجي يا أخ ابو عمار... ابتسم الختيار وضحكنا... كان أبو عمار حينها يقارب بسخرية وربما بمرارة معضلة ضائقة المكان، وحتى لعنته، التي تلاحق الفلسطيني... وظل الختيار هكذا حتى زمن المقاطعة... وبعدها ضنوا عليه حتى بقبر في كنف عاصمته وقدسه المغتصبة... ربما لأن قبره سوف يزاحم... وسوف ينتصر... على هيكلهم المزعوم المزمع إعادة بنائه على حساب هويتها وقداستها..!

                             *                           *                           *

نعم... وهو القائد الكبير والزعيم النادر أن يتكرر، يظل كإنسان له ماله وعليه ما عليه، له إنجازاته ونجاحاته، وإخفاقاته وأخطائه... لكنه يظل أسطورتنا التي صنعتها عقودنا الدامية الساعية للانعتاق واستعادة الوطن، وقائد تحولنا التاريخي من لاجئين إلى فلسطينيين ، ورمز الصمود الذي استحق بامتياز حقد أعدائه التوراتي المعتق النتن، وعداوة أعتى قوة غاشمة على سطح الأرض... تشهد له ردود أفعالهم العنصرية البدائية على رحيله، تلك المتجلية، ليس في التصريحات والإجراءات الاحتلالية فحسب، وإنما في مشهد رقصهم البربري في الشوارع شماتةً لا تليق بكائنات بشرية...

...في سياق مواجهة القوة بالإرادة، والسباحة ضد التيارات المتواطئة الجارفة لدفن قضية وإبادة شعب وتبديد أمة، لم ينزع أبو عمار كوفيته، ولم يخلع بزته العسكرية حتى في رحلته الأخيرة إلى باريس... وعندما رحل رسم حدود الحد الأدنى: عودة اللاجئين، والقدس العاصمة الأبدية لفلسطين ودرّة أكنافها، فمن ذا الذي سوف يقوى بعد ممن يخلفه على تجاوزها؟!

رحل.. أو غيّبوه، ببطء خبيث قاتل... حاصروه حتى اللحد... أعلنوا الحرب على تلك العقبة الكئود في وجه مطلب الاستسلام الكامل المنشود من قبلهم... أعلن الحرب على حده الأدنى... وضعوه في ظرف لا إنساني، ورهن حالة لا يطيقها ولا يتحملها بشر، لا سيما لرمز مثله، فكانت محاولة معلنة من القتل السياسي والجسدي لثلاث سنوات خلت، وأيامٍ وليالٍ من الاغتيال البطيء... من العقاب على الصمود، على التمسك بذاك الحد الأدنى الذي لن يقوى المابعد على تجاوزه... وهم إذ تسنّى لهم رحيله، لن يجدوا ضالتهم المسماة: الأكثر اعتدالاً، أو من يتجاوز ثوابت يا جبل ما يهزك ريح... لأنه استخلف شعب الجبارين... ولأن من سيخلفه لن ينجو من سيف المقارنة، ولن يفلت من طوق الوحدة الوطنية... تلك التي لا تقوم إلا على ركيزة برنامج إجماع وطني مقاوم، يسير على هدى جماعية القيادة والقرار، ولا يحمل إلا على خشبة خلاص الإحساس بالمسؤولية تجاه ما تستوجبه عدالة قضية قضايا الأمة من تضحية، والوعي العميق بخطورة الراهن المتربص بها... كان رحيله إعلان مسبق منه بذلك اللاحق الذي يعلن موت التسوية الوهم، ويؤذن: حي على المقاومة... ألم تضف كتائب الأقصى لاسمها هذا: كتائب الشهيد ياسر عرفات؟!

لكن... نقطة نظام: الفلسطينيون والعرب يريدوا تفسيراً طبياً مقنعاً لسر هذا المرض الغامض المؤدي لهذا الرحيل الفاجعة!!!

                             *                           *                           *

قد تتفق أو تختلف مع ياسر عرفات، لكنك لن تختلف مع أحدٍ ممن والاه أو عارضه أو عاداه على أبي عمار... على ذلك الرمز المتوحّد في قضية القضايا... والذي عندما رحل بقيت فظل معها ما ظل هناك شعب لا يبكي شهدائه وإنما يعاهدهم على مواصلة رفع الراية...