الناس في سورية تسأل النظام...الحوار حلال مع واشنطن حرام مع الشعب السوري لماذا ....

 الطاهر إبراهيم

( دمشق كانت تقول دائما:أنا مع سياسة الحوار وأنا لا أفهم سوى سياسة الحوار ) هذه الجملة قالها وزير الإعلام السوري الجديد "مهدي دخل الله" -بلسان سورية مخاطبا أمريكا وفرنسا- في بداية حواره مع مندوب قناة الجزيرة "غسان بن جدو" في برنامجه"حوار مفتوح" يوم 23 تشرين الأول "أكتوبر" الجاري.

هذه المقدمة القصيرة ليست للتعليق على ما قاله معالي الوزير، بل مدخلا للتأكيد بأن الحوار كان وما يزال متواصلا بين النظام السوري وأمريكا، في وقت كان وما يزال فيه الحوار مقطوعا مع الشعب السوري، منذ استلم حزب البعث السلطة في سورية قبل أكثر من أربعين عاما . 

أمريكا العدو "رقم واحد" –بعد إسرائيل- كما كان ينشر ويذاع في "أدبيات حزب البعث"، خلال أكثر من أربعة عقود. ولكن هذه اللافتة الكبيرة المخادعة كان يجري تحتها حوار متواصل مع أمريكا من تحت الطاولة خلال فترة حكم الرئيس حافظ الأسد .

أما الآن فقد أخذ هذا الحوار مكانه فوق الطاولة كأولوية أولى في السياسة الخارجية السورية بعد تفجيرات 11 أيلول "سبتمبر" ، بعد أن تأكد لأمريكا أنها لم تعد بحاجة إلى إبقاء الحوار "من تحت الطاولة" بعد أن أصبحت القطب الوحيد في العالم.

الشعب السوري يفهم التهديد الذي تمثله السياسة العدوانية الأمريكية على سورية،الوطن والشعب. ويفهم أيضا أن "العين لا تقابل المخرز"، وينبغي التعامل مع العنجهية الأمريكية بسياسة "داروا سفهاء القوم". "العنتريات التي ما قتلت ذبابة" –على ما جاء في قصيدة نزار قباني بعد هزيمة حزيران 1967 – التي كان "دين كيشوت" البعثي يصول ويجول بها في  سياسته الإعلامية التي كان ينتهجها خلال القرن العشرين، فهي ،عدا أنها ما عاد يصدقها أحد، يجب أن تنتهي فورا من الساحة السورية.

لكن الشعب السوري يؤكد أيضا أن تغييبه عن صورة ما يحدث،وإلغاء وجوده كعامل استراتيجي في الساحة السورية،هو الذي أوصل سورية إلى ما هي فيه من تقديم التنازل تلو التنازل لأمريكا ،حتى وصل الأمر إلى ما يشبه التنسيق الكامل مع أمريكا على الحدود السورية الشرقية مع العراق ،حتى أصبح الجيش السوري يحمي ظهر القوات الأمريكية من ضربات المقاومة الوطنية العراقية.

فقد ذكرت "القدس العربي" في عددها يوم 27 أكتوبر الجاري، (أن دبلوماسيا غربيا نقلت عنه "نيويورك تيمز"قال : بأن الحدود الطويلة مع العراق أصبحت مكانا غير مناسب للمقاومة). ويضيف الدبلوماسي:(أن السوريين يمارسون الحذر في هذاالموضوع فهم يقومون بعمل المناسب ليظهروا جهودهم، وفي الوقت نفسه لا يريدون الظهور بمظهر من باع نفسه للأمريكيين).

وهذا ما أكده أيضا نائب وزير الخارجية الأمريكي "ريتشارد أرميتاج" في حديث نشرته "الحياة" في 27 أكتوبر أيضا:(إن دمشق تعاونت في ما يخص القاعدة,وأبدت تعاونا مع الحكومة العراقية في ما يخص الحدود السورية – العراقية). وطبعا هذا التعاون لم يتم إلا بعد حوارات معمقة تمت بين الطرفين، أمريكا وسورية.

ونتيجة لهذه التعاون السوري الأمريكي على الحدود العراقية، يؤكد المطلعون أن الشق المتعلق بالوجود السوري في لبنان غاب مؤقتا عن شاشة الذاكرة السياسية الأمريكية، بعد أن وصلت إلى ما تريده على الحدود العراقية. وظهر ذلك في اللهجة المطمئنة القوية للخطاب الذي ألقاه الرئيس السوري في مؤتمر المغتربين الذي عقد مؤخرا في دمشق، عند ما ندد بالقرار /1559/ واعتبره تدخلا في شؤون لبنان، وغمز فيه من قناة "وليد جنبلاط".

وكنتيجة لهذا الاطمئنان، فقد تم تكليف الرئيس "عمر كرامي" المقرب من سورية بتشكيل الوزارة مع أول يوم من الفترة الممددة للرئيس "إيميل لحود"، كما تمت إزاحة الرئيس "الحريري" بسهولة، وكل ذلك يحصل دون أن تحرك أمريكا ساكنا على الساحة اللبنانية.

ولم يقتصر الحوار الأمريكي –السوري على الترتيبات الأمنية فقط. فقد كانت هناك حوارات من نوع آخر تجري في القصر الجمهوري في دمشق، حيث عقدت لقاءات كثيرة لنواب وشيوخ أمريكيين مع الرئيس بشار الأسد شخصيا. ويؤكد الذين كانوا يلتقطون ما يتناثر من أخبار تلك اللقاءات، أن الموضوع الرئيس الذي كان يطغى على غيره، هو مطالبة الزائرين للقيادة السورية بأمور تصب في النتيجة في صالح أمن إسرائيل وتحجيم المقاومة الفلسطينية. بل إن أحد النواب الذين قابلوا الرئيس بشار الأسد، قام بتشويه متعمد لمواقف سورية بعد مغادرته لها.

ولا نريد أن نزعم هنا بأن مطالب هؤلاء النواب والشيوخ كانت تحظى بالقبول من جانب الرئيس السوري. بل أردنا فقط أن نشير إلى قضية هامة، وهي أنه في الوقت الذي كانت تحظى به تلك اللقاءات باهتمام سوري على أعلى المستويات، كان يقابل ذلك إهمال كامل لمبدأ الحوار بين النظام وفعاليات الشعب السوري.

فلم يسجل القصر الجمهوري لقاءً واحداً تم مع شخصية سياسية سورية من خارج النظام، فضلا عن أن تكون أي شخصية سورية معارضة قد دعيت إلى لقاء مع الرئيس. وحتى زيارة الناشط في حقوق الإنسان الدكتور هيثم مناع إلى دمشق، قوبلت بتجاهل كامل من قبل النظام السوري، بعد إبعاد دام لأكثر من ربع قرن.

وكما ذكرنا نماذج تؤكد تواصل الحوار بين أمريكا والنظام السوري، فسنقدم في ما يلي نماذج تبين حرص أطياف الشعب السوري ،من غير البعثيين، على فتح حوار بين هذه الأطياف وبين القيادة السورية.

فقد ذكرت القدس العربي في 17 أيار 2003،أن(عريضة سورية وجهتها 287 شخصية سورية إلى الرئيس بشار طالبته فيها بالدعوة إلى مؤتمر حوارٍ وطنيٍ عام، وإطلاق الإصلاح السياسي الشامل في البلاد وقد أرسلت العريضة بالبريد المسجل إلى القصر الجمهوري في دمشق). وفي المقابلة التي أجراها "حسن معوض" من قناة "العربية" سئل الرئيس بشار الأسد عن العريضة،  فأجاب: "هؤلاء غير مثقفين لكنني مع مطالبهم".

ولقد سبقت تلك العريضة عدة بيانات منذ استلم الرئيس بشار مقاليد الأمور في سورية في  تموز "يوليو" من عام 2000 . فقد كان بيان ال "99" الذي وقعه 99 مثقفا وتركوا فيه مكانا لتوقيع الرئيس، ليكمل فيه العدد للمئة، استئناسا من الموقعين بما جاء في خطاب القسم الرئاسي في 17 "يوليو" من العام 2000 من تأكيد على ضرورة الاستماع لرأي الآخر. ثم تلا ذلك وثيقة "الألف" التي وقعها ألف مثقف سوري. وكلا البيانين ال 99 والألف كانا يدعوان إلى الإصلاح السياسي في سورية.

وكان مؤتمر المعارضة في لندن أواخر آب 2002 مناسبة عبرت فيه فصائل من المعارضة السورية في الخارج عن تضامنها مع سورية الوطن، في وجه التهديد الأمريكي لها. وقد رفض المؤتمرون الاستقواء على الوطن بالأجنبي، وكانت الكلمة الشهيرة :"إن من يفعل ذلك فقد هانت عليه نفسه".

وكما بدأت بمقولة وزير الإعلام عند ذكر الحوار المستدام بين النظام السوري وأمريكا، فسأختم، -كدليل آخر على الحوار المقطوع بين النظام والشعب السوري- بنداء أطلقه ناشط طلابي في جامعة حلب هو "باسل ديوب"، نشرته "كلنا شركاء" في 20 من أكتوبر الجاري تحت عنوان:      "حاورونا فنحن مواطنوكم وفي "أخبار الشرق" في 26 منه، كتب يذكّر بمأساة زميلين له (محمد عرب ومهند الدبس) اعتقلا على خلفية اعتصام طلابي في كلية الهندسة في جامعة حلب بعد صدور المرسوم رقم 6 الذي يلغي التزام الدولة بتوظيف المهندسين، فقال موجها كلامه للقيادة السياسية : (نطلب الحوار في الوقت الذي تتصاعد فيه لغة الإملاءات والأوامر الأمريكية، فيُرد على العنجهية بطلب الحوار –من قبل النظام-! ومن أي موقع يطلب!! نحن أولى بالحوار من الأمريكيين، تبعاً لحاجاتنا الداخلية الإصلاحية والوطنية، والحوار أولى بنا أيضاً لكي يقف محاورُنا المفترض –أي النظام- مع الوحش المتربص على أرض ثابتة وقوية...).

ورغم كل مظاهر حسن النية التي اشتملت عليها تلك الدعوات للنظام السوري لكي يبدأ حوارا مع أطياف الشعب السوري، فلم يسجل المراقبون أي تحركي حكومي رسمي تجاه المعارضة السورية،بل العكس هو الذي حصل .فقد هاجم أعضاء في القيادة القطرية مثقفين في المجتمع المدني واتهموهم بالاتصال مع سفارات أجنبية، اعتقل بعدها عشرة من الناشطين، وتم كتم أنفاس ربيع دمشق ولما تنبت أزهاره بعد.

وقد ذكرنا في أكثر من مقال "شهادة حسن السلوك" التي شهد بها الرئيس بشار الأسد للمعارضة السورية لمحرر "نيويورك تيمز" في ديسمبر من العام 2003 ، بأن هذه المعارضة –رغم أنها لا تؤيد نظام الحكم- ترفض الديموقراطية على الطريقة الأمريكية، ورغم أن الرئيس أكد "أنه مع مطالب عريضة ال" 278 " أيضا، غير أن تلك الشهادة وهذا التأكيد لم يترجما إلى لقاء على طاولة الحوار الوطني.  

 

كاتب سوري يعيش في المنفى     عضو مؤسس في رابطة أدباء الشام