الغرب... أمريكا والاتحاد الأوروبي...تكامل لا افتراق... وتباينات لا تفسّد للتحالف قضية...

عبد اللطيف مهنا

 

ما أن فرغ الكنيست الإسرائيلي من التصويت لصالح إعادة انتشار جيش الاحتلال حول قطاع غزة، أو ما يعرف بخطة الفصل من جانب واحد، التي كان قد عرضها رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون عليه، حتى سارع الأوروبيون قبل سواهم، حتى قبل الولايات المتحدة وبعض الأطراف الإقليمية، للترحيب بهذه الخطوة، التي يصفونها بالإيجابية التي تأتي في الاتجاه الصحيح... لكن مع بعض التحفظات التي فحواها التحذير من الاكتفاء بهذه الخطوة، أو أن تعني أن يكون مقابلها تعزيز وتكثيف حركة الاستعمار في الضفة، وعدم ربطها بما تم دفنها عملياً، أي خريطة الطريق العتيدة... هذه التحفظات الأوروبية، وبغض النظر عن جديتها من عدمه، أو ما تستوجبه مما يتبع من مواقف تؤكدها وتسعى إلى أن تؤتي أكلها على أرض الواقع، إلى جانب جملة من التباينات الأوروبية مع سياسات الحليف الأمريكي، مثل: الموقف من غزو العراق، والتململ الأوروبي الواضح أحياناً ضد منطق أحادية القطبية المتغوّلة وغطرسة فائض القوة، والخشية من الجنوح الإمبراطوري المتزايد للخروج على الأعراف والقيم والقوانين التي دفعت البشرية لتكريسها أثماناً باهظة، وبالتالي عدم الاحتكام القانون الدولي، أو ما يعتبره الأوروبيون الاستهانة بالأمم المتحدة أو محاولة توظيفها كأداة ضد مبادئها ومضمون ميثاقها، إلى جانب بعض التمايز فيما يتعلق بأسلوب معالجة مسألة البرنامج النووي الإيراني، أي اعتماد ما يعرف بالقوة اللينة بدلاً من الصلبة مع طهران، أو العصا والجزرة معاً... كل ذلك دفع البعض إلى المراهنة على ما يعتبرونه افتراقاً قادماً لا محالة بين الحليفين التاريخيين سوف يحتمه اختلاف المصالح، ويعززه اختلاف الخبرتين التاريخيتين لهما، الأمر الذي يمكن المراهنة عليه لصالح قضايا العرب، بل ذهب البعض للتنظير لتحول قادم قد ينأى بضفتيّ الأطلسي عن بعضهما البعض. ولدرجة التبشير بتحالفات بديلة للأوروبيين قد تدفعهم شرقاً إلى حيث الصين واليابان مروراً بروسيا، الأمر الذي يعني أن على العرب الامتنان سلفاً لأصدقائهم المحتملين، والمبادرة لملاقاتهم في منتصف الطريق، حتى قبل بزوغ فجر هذا التحول المأمول أو الذي لا زال مؤقتاً في عالم الغيب... إلى هنا، والمسألة فيها، كما يقول العرب، قولان، لكنها أيضاً لا تخلو من بعض إسقاطات للرغبات في هذا الزمن العربي الرديء، الذي عزّ فيه النصير، والذي يدفع ببنيه للتعلق بأية قشة تلوح أو يمكن مصادفتها في لجة انكسارات هذا الانحدار الذي نعيشه. وقد عزز هذا المنحى، أي التعلق بالقشة الأوروبية، هذا الارتجاج المضلل الذي أعقب زلزال سقوط الاتحاد السوفييتي، الذي اعترى  صرح التحالف الغربي وهزّ تماسكه بعيد انهيار ذاك العدو المشترك وزوال الخطر الأحمر، والذي كان وجوده أهم مرتكزات ذلك التحالف. وهو التحالف الذي بدأ ولوهلة أثر هذا الانهيار بأنه لم يعد بذات الأهمية لا سيما بعد فقدان واحدةٍ من أهم مبرراته!

إذن نحن هنا أمام مقولة: الغرب غربان، الأمر الذي يذكرنا بأخرى ترددت في السبعينيات، خصوصاً في الساحة الفلسطينية، تقول: الصهيونية صهيونيتان. المقولة الأخيرة ساهمت في سوق النضال الوطني الفلسطيني إلى ما قادته إليه، والذي يمكن اختصاره في التمهيد لبدء مسيرة أوسلو التي أوصلت تداعياتها هذا النضال إلى محطة خطة إعادة الانتشار في قطاع غزة، أو الفصل من جانب واحد بهدف التخلص من عبء احتلاله لا غير المشار إليها.

أما الأولى، أو حكاية الغرب غربان، فعلى الرغم من جاذبيتها، فيمكن قراءتها وإعادة تمحيصها على هدى التدقيق في تلك التباينات الأوروبية الأمريكية التي ترتكز عليها هذه المقولة... ولنبدأ بالموقف من مسألة غزو العراق، لنجد أن التباين لم يكن بحال من الأحوال حول المبدأ، وإنما حول التفرد بقرار الغزو، واتخاذه خارج الشرعية الدولية، أو عبر سابقة الخروج على الأعراف والقوانين التي تجسدها الأمم المتحدة. أي بمعنى آخر، دونما أخذ مشاركة الحلفاء المفترضين في القرار وفي المردود لاحقاً، أي في المغانم المأمولة، بالاعتبار. ويعزز ما ذهبنا إليه، المواقف الأوروبية التي جاءت لاحقاً بعد إتمام الغزو وتطورات الساحة العراقية، والتي أبدت، باعتبار ما كان قد كان، حرصاً واضحاً لم تؤثر عليه الاختلافات على عدم السماح بهزيمة الحليف الغازي في العراق، والتضامن ضمناً معه حتى وأن استبعد حلفائه من القرار والكعكة المفترضة. أي أن التباين هنا يستند إلى أرضية إحساس الأوروبيين بحقهم في مشاركة حليفهم في أمور إدارة شؤون العالم، نظراً لرغبتهم في الاعتراف بأهمية دورهم الذي يبرره إحساسهم   بالموقع والإمكانيات، وضيقهم بحال الاكتفاء بالتمويل دونما مقابل. أي ما يمكن اعتباره تسليماً أوروبياً بالقيادة الأمريكية، وقبول احتكار واشنطن لدفة القيادة، لكن مع السماح لهم بركوب العربة، والموافقة على مشاركتهم في رسم دربها ما أمكن، أو بما يتيح لهم الحد من غلواء سائقها، والتخفيف من جموح خيوله المتحفزة.

أما في الحالة الإيرانية، فليس هناك من خلاف بين الأوروبيين والأمريكان ومعهم الإسرائيليين مما يزعمونه الخطر الإيراني المستقبلي المتمثل في امتلاك إيران للتقنية النووية، وليس هناك من خلاف بالتالي حول ما إذا كان من غير المسموح لطهران، أو سواها من الدول ذات العلاقة بالصراع العربي الصهيوني تحديداً، امتلاك أسلحة نووية، أو حتى تطوير برامج نووية سلمية ذات بال، حتى تحت سقف المسموح به وفق مواثيق وبروتوكولات وكالة الطاقة الذرية الدولية، أو تحت إشراف البرادعي. وما تقوم به الترويكا الفرنسية البريطانية الإيطالية في حوارها مع طهران لا يعدو اعتماد الأسلوب الألين للوصول لذات الأهداف التي تتبع واشنطن أسلوب الوعد والوعيد للوصول إليها. ولعل إدارة إيران الذكية للملف هي التي تسهم في تباين الأسلوب الأوروبي مع الأمريكي حول الأمر، لكن إذا ما قدّر للسجال القائم الوصول إلى الطريق المسدود فلسوف تندغم الفوارق بين الأسلوبين، وسنجد أنفسنا أمام موقف موحد شاهراً بيد واحدة سيف الممنوع دونما لبس أو تردد.

بقي ما بدأنا به، أي الموقف من خطة شارون والمتمثل، كما سلفنا، في الترحيب بها والتحفظات على تداعياتها... أولاً وقبل كل شيء، يجب التذكير بمسلمة غربية مشتركة وهي أمن إسرائيل واستمرار وجودها وتفوقها على من حولها، وهي مسألة تظل خارج النقاش ولا تطالها تقلبات ظروف أو تغيير سياسات، ويمكن إضافة إلى ذلك ما يدعى بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، والذي قد يتسع بحيث يمكن ترجمته بحقها في الدفاع عن الاحتلال، وبما يعني بالتالي حقها في عدم مقاومة من تحتلهم لاحتلالها، وهي مقاومة على رغم مشروعيتها وفق القوانين والمواثيق والأعراف الدولية تترجم غربياً اليوم إرهاباً، بحيث يمكن القول أن مسألة الصراع العربي الصهيوني قد تم إدخالها في نطاق الحرب على ما يسمى الإرهاب!

أما ما يتعلق بالنزوع الأوروبي المعروف أكثر من الولايات المتحدة لحل المسألة، طبعاً وفق المفهوم الغربي للحل الذي من الصعب أحياناً التفريق بينه وبين الإسرائيلي، فمرده القرب الجغرافي من بؤرته، ومن ثم الخشية من انعكاساته نظراً لكونه يستعر في الجوار. فالترحيب مع التحفظ بخطة شارون للفصل رغم الإدراك الأوروبي لاستهدافاتها التهويدية، ووضوح قطيعتها مع خارطة الطريق التي يتم التلهي ببعث رميمها في المناسبات، بل وتناقض هذه الخطة على أرض الواقع مع أي حلول مفترضة ممكنة، حتى وفق ما تدعى "المسيرة السلمية" التي دأبت أوروبا وسائر الغرب على التغني بها وزعم  رعايتها. هذا الترحيب ومن ثم التحفظ لا يعدو كونه نفاقاً سياسياً، وهو لا ينأى بالموقف الأوروبي عن الأمريكي إلا شكلاً، ولن يكون له أية مفاعيل قد تؤثر مستقبلاً على سير الخطة إن مضى الإسرائيليون في تحقيقها.

...وإذا ما أضفنا إلى ما تقدم شبه التطابق الأمريكي الأوروبي في الموقف من مسألة دارفور، أو حكاية التدخل في الشأن السوداني تحت يافطة إنسانية لتحقيق المصالح الكامنة وراء هذا التدخل، وهو الأسلوب المجمع عليه غربياً بامتياز، وكذا مشروع القرار 1559 الأمريكي- الفرنسي المتعلق بلبنان، أو الذي  صيغ بهدف واحد هو التدخل في الشأن اللبناني والضغط عبر ذلك على سوريا، والذي للمفارقة تم إقراره من قبل مجلس الأمن الدولي رغم تناقضه مع ميثاق الأمم المتحدة نفسها، نجد أنفسنا أمام حقيقة لا تشي بافتراق بين ضفتي الأطلسي، وإنما بحوار مصالح، وتجاذبات وتباينات حول تلك المصالح تتم بين حلفاء، وهي مصالح ذات بعد إستراتيجي وتاريخي متفق عليه وتظل المشتركة والباقية... والأخطر هو إنها سوف تترجم سياسات ومواقف لن تراعي مصالح العرب في بلادهم أو في العالم مستقبلاً... حقيقة تشي بتكامل بين حلفاء لكنه يترك هامشاً لاختلافات لا تفسّد للتحالف قضية...