شارون... الذي يريد هذا وهذا وذاك...

عبد اللطيف مهنا

 

قبل أن يعرض خطته، التي يطلق عليها فك الارتباط مع قطاع غزة من جانب واحد، على الكنيست كان شارون وحكومته ومستقبله السياسي مدار هرج ومرج شغل الشارع الإسرائيلي وتعداه إلى الإقليمي والدولي... المستعمرون، في المستعمرات المعنية بالإخلاء، وحتى غير المعنية بالإخلاء، أو التي تعد مسألة إخلائها خارج النقاش، هذا إن نفذت الخطة، يتظاهرون ضدها، ويجهدون لحشد المعارضين لها، ويتهمونه بأنه "مصمم على قيادة إسرائيل نخو الانفجار" ويقولون: "نحن سائرون نحو المواجهة". والإعلاميون شأنهم شأن السياسيين، يساراً ويميناً، يتجادلون حول ما يزعمون أنها "مكانته السياسية المتدهورة". والمتدينون لجأوا إلى الحاخام الأكبر أبراهام شابيرا، الزعيم الروحي للصهيونية الدينية، كما يوصف، فأفتى هذا بتحريم إزالة المستعمرات، بل تعدى ذلك إلى دعوة جنود الاحتلال إلى التمرد على الأوامر فيما يتعلق بهذه الحالة، مؤكداً:

"محظور على الجندي أن يقتلع مستوطنة، ومحظور عليه أيضاً أن يساعد من يفعل ذلك".

الحاخام شابيرا ليس وحده في هذا الأمر، بل عزز فتواه الصريحة 56 حاخاماً، من ذات الصنف، وقعوا مؤخراً على فتوى قديمة جاءت على خلفية اتفاقات أوسلو، كانت في العام 1994 للحاخام الأكبر في حينه شلومو غورين تدعو إلى رفض إخلاء المستعمرات. كما لا يبدو، حتى الآن على الأقل، أن محاولة  مغازلة زعيم شاس الروحي الحاخام السيفاردي المتزمت عوفاديا يوسف، كزيارته من قبل وزير الحرب شاؤول موفاز والوزير عوزي لانداو، قد تؤتي أكلها...

هذا من جانب المستعمرين والحاخامين والإعلاميين، لكن المستوى السياسي هو الأشد لغطاً، والأكثر لجاجةً... تكتل الليكود الذي يتزعمه شارون نفسه منقسم، والشارونيون فيه يبدون الأقلية هذه الأيام، وحزب العمل المتحمس للخطة، يتشكك في نوايا شارون، والمجموعات الصغيرة من غلاه اليمين المتطرف تذهب إلى حيث تتهمه بالخيانة، بل وصل الأمر برئيس الكنيست روبي رفلين الذي سيعرض شارون خطته أمامه إن أكد أن "من يعلن عن نفسه كمحتل في غوش قطيف لا يمكنه أن يوقف الانطواء هناك"، وعليه يساوي رفلين، وهو الليكودي السابق، بين شارون وبين بيريز، فيضيف: "الجدال بيني وبين بيريز مثل الجدال بيني وبين شارون"... إذن، لم تجد شارون توضيحات فايسغلاس التي تحدثنا عنه في مقال سابق، القائلة بأن الخطة لم تكن إلا مناورةً لدفن ما تدعى "المسيرة السلمية" نهائياً، وتأجيلها إلى أن يصبح الفلسطينيون فنلنديين، أي إلى الأبد، فنحن إزاء مجتمع استعماري مغالٍ في عنصريته، ويتعاظم تطرفه مع الوقت، بحيث تقول صحيفة معاريف، مثلاً، أن ربع الإسرائيليين يعتقدون، بأن كاهانا سيئ الصيت، كان على حق، بل لدرجة حدت بيريز لأن يحذر من مصير لشارون مشابه لمصير سلفه رابين... وأمام هذا  ما هو المخرج، كما يتساءلون؟ إلى أين تسير الأزمة مدار الجدل التي يهوّل بأنها تنحو نحو الانفجار؟ مالذي سوف تلحقه بالخطة العتيدة وصاحبها؟!

قبل الإجابة تجدر الإشارة إلى متاعب أخرى تضاف إلى ما يثقل كاهل شارون، مثل إقرار الموازنة، وتعالى أصوات الجنرالات المنتقدين إصراره على مواصلة مذبحة "أيام الندم". لا عزوفاً عن إراقة الدم الفلسطيني من قبل هؤلاء الجنرالات، وإنما لأنهم يرون بأن نجاعتهما من حيث المردود الأمني للاحتلال لا تساوي ما يدعونه الضرر الأخلاقي والسياسي المتراكم، ناهيك عن الخسائر في صفوف المحتلين.

المخرج كما يراه لفيف من سياسيي اليمين وفي المقدمة منهم ليكوديون مثل نتنياهو، وليس اليساريين فحسب، وكذا المستعمرون، هو الاستفتاء الشعبي على الخطة، الأمر الذي يوحي بأن شارون قد غدا ضمن الأقلية في حزبه وحكومته والكنيست... لكن ما هو الرد الشاروني على الجميع؟!

شارون المصمم على خطته ظاهرياً على الأقل، قال، ومنذ البداية للجميع: إن لم تكن شرعية حزبية فبرلمانية، مذكراً إياهم بأنه تخطى في الفترة الأخيرة ثلاثة اقتراحات لحجب الثقة، مصراً على عرض الخطة على الكنيست، مستبعداً هذا الاستفتاء أو هذا المخرج المقترح... أما ما يتعلق بمذبحة "أيام الندم" فلا ندم لديه على ما يواصل جيشه ارتكابه، وإنما إعادة انتشار، لكن دونما توقف قتالي، بحيث تظل العمليات في غزة مستمرة، كما يقول الجنرال موفاز، لكن "بوسائل فريدة". ولعل آخر هذه الوسائل الفريدة اغتيال الشهيد القائد عدنان الغول!

إذن شارون يختار مخرجه لا مخرجهم، ويتجه صوب الكنيست، وقبل طرح خطته عليه، تنبأت صحيفة "معاريف" بحصوله على مبتغاه، قالت: سواء باستفتاء شعبي أو بدونه فإن شارون لديه معطياته التي تشجعه على عناده، ومن بين ذلك، رأت الصحيفة أن خطته سوف تقر في الكنيست بأغلبية كبيرة، أو ستفوز ب67 مؤيداً مقابل 45 معارضاً، وامتناع 8 عن التصويت... إذن، والحالة هذه، أغلبية ليكودية مع الاستفتاء  الذي لا يريده شارون، وأغلبية في الكنيست ليست مع الاستفتاء، وإنما مع خطة شارون... ماذا يعني هذا؟

أن شارون هو الأقوى وليس من تتدهور مكانته السياسية، بل إنه، وفق صحيفة "هآرتس"، هو النقطة المحورية في السياسة الإسرائيلية اليوم، أو هو كما تصفه، ذلك الذي يجسد نقطة التقاء كافة الأطراف، بل تزيد فتعتبره الأمل الأخير أمام هذه الأطراف... ومن بعده سيأتي الطوفان!

تقول "هآرتس":  إنه رغم ما يثيره من مخاوف لدى اليسار واليمين على السواء "لا يوجد لشارون بديل آخر، ذلك لأن هذا الشخص تحول في عام الألفين إلى نقطة المحور الدقيقة في الجهاز السياسي الإسرائيلي. وإلى مركز الثقل الإسرائيلي الوحيد. وعليه أصبح شارون اليوم بالنسبة لليسار واليمين، وبالنسبة للعمل والليكود على حدّ سواء، البديل الأوحد. شارون هو الخيار الأفضل بين الخيارات السيئة المتاحة".

وبعد أن تنبه الصحيفة إلى أن الرجل الذي هو ليس ديغول ولا رابين والذي لم يدر ظهره لماضيه، تحذر من أن "لديه غريزة البقاء المتأصلة في كل حيوان عجوز. لديه استعداد لا كابح له للقيام بكل ما هو مطلوب للوصول للهدف".

أما كيف أصبح شارون نقطة التقاء الأطراف، فيأتي الإيضاح من قبل "هآرتس" على الوجه التالي:

"المسألة بسيطة تماماً. من وجهة نظر اليسار: شارون وحده القادر، إذا لم يتمكن شارون من إخلاء مستوطنات في عام 2005 فلن يتمكن أحد غيره، والاحتلال سيتحول إلى مسألة دائمة. ولكن المسألة أكثر تعقيداً من وجهة نظر اليمين: شارون هو الترس الواقي الأخير لأغلبية المستوطنات. وإذا قام اليمين بإفشال شارون وإسقاطه فسينزع الشرعية (الإسرائيلية) كلياً عن المشروع الاستيطاني برمته. اليمين سيسقط الأعمدة التي يقف عليها بيته بيديه".

لتلخص الصحيفة إلى القول:

إن "شارون هو البراغماتي الوحيد القادر على ترجمة إرادة أغلبية الإسرائيليين السياسية، ولذلك أصبح الأمل الأخير في نظرهم... إن الحرب السياسية الفظيعة التي يخوضها شارون الآن أمام أنظارنا ليست حرباً حول حياته فقط ، وإنما حرباً حول حياتنا نحن، وعلى حقيقة وجودنا في هذا البيت".

وإذا كان شارون كما تقول يخوض حرباً حول حياة الإسرائيليين، وليست حول حياته الشخصية، ووحده القادر على ترجمة إرادة أغلبية الإسرائيليين السياسية، فما هو يا ترى كنه هذه الحياة وتلك الإرادة!

للإجابة: من المفيد الإشارة فقط، على سبيل المثال، إلى أن صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية توصلت، إلى أن قتل الأطفال الفلسطينيين ليست بالمسألة الهامة بالنسبة لأغلبية الإسرائيليين، بل فعل مطلوب يندرج في إطار تجريد الفلسطينيين من صفتهم الإنسانية، إذ تقول نصاً: "الأطفال الفلسطينيين أيضاً تحولوا إلى جزء من معركة نزع الصفة الإنسانية: قتل المئات منهم لم يعد مسألة ذات شأن... أما حياة الإسرائيليين، فيمكن الإشارة أيضاً إلى ما قالته صحيفة أخرى، هي معاريف: "أن ثلة من الجنرالات هي التي تقوم بإملاء حياتنا علينا. هذه الحياة التي فقدت كل جوهر باستثناء بعدها القتالي".

أما السؤال الذي لم يطرحه الإسرائيليون، في حومة هذا الهرج والمرج حول خطة يقول صاحبها إنها قابلة للتكيف مع الواقع، فهو:

حسناً، بالنسبة لرجل مناور هذه صفاته وتلك أهدافه، التي أقلها، ما أوضحه مستشاره فايسغلاس، ما هو الفرق حقاً بالنسبة له، أسواء نجح في تمرير خطته في الكنيست، وهذا هو المرجح، أم لم ينجح، وهذا هو المستبعد؟!

وأكثر، وماذا لو ذهب للاستفتاء، فوافقت الأغلبية على خطته أو رفضتها..؟!

أوليس الأمر سيان؟ فإن نجح، حقق مبتغاه: معتقل غزة مقابل تهويد الضفة، وفك الارتباط مقابل دفن أكذوبة "مسيرة السلام"... وإن لم ينجح، ظهر للعالم المتواطئ والعرب العاجزين، في صورة رجل سلام خذله قومه، وليمضي من ثم مرتاحاً في تحقيق استراتيجيته التهويدية لكامل فلسطين... إذن شارون هو الفائز في كليٍ الحالتين... أو كما تقول "هآرتس": شارون الذي "يريد هذا وهذا وذاك"!!!