وزارة الداخلية السورية ...من عبد الحميد السرّاج إلى غازي كنعان... مع التحية...

الطاهر إبراهيم

لا أجانب الحقيقة إذا قلت أن الود يكاد يكون مفقودا بين المواطن السوري ووزارة الداخلية. فلا يكاد يرد ذكر وزارة الداخلية إلا ويحضر معه الاعتقال السياسي وقانون الطوارئ ومنع السفر و...و.. ولا أجدني بحاجة إلى إيراد الأدلة على هذه المقولة، فهي تكاد تصل حد الإجماع عند المواطنين، في بلد مثل سورية.

ولقد جاء تعيين اللواء "غازي كنعان" وزيرا للداخلية في التعديل الوزاري الذي أجراه الرئيس بشار الأسد على حكومة المهندس "ناجي العطري" في أوائل هذا الشهر تشرين أول "أوكتوبر" الجاري، لكي يلقي صخرة كبيرة في مياه المواطن السوري الراكدة، بعد أن بقيت ساكنة لأكثر من أربعة عقود لماذا؟.

لا بد من العودة قليلا إلى الوراء، إلى عهد الوحدة التي وحدت سورية ومصر في دولة سميت "الجمهورية العربية المتحدة" في شباط "فبراير" من عام 1958 . فقبل الوحدة كان هناك جهاز أمني مخابراتي اسمه "المكتب التاني" ،بالتاء كما يلفظها السوريون. وكان ذكر هذا الاسم يثير القشعريرة في أوصال أي سوري، خصوصا بعد أن أسندت رئاسته إلى العقيد "عبد الحميد السرّاج". ولا يذكر اسم "الإقليم الشمالي" –سورية أثناء الوحدة- إلا ويقترن معه اسم "السرّاج"، بعد أن صار وزيرا للداخلية في حكومة هذا الإقليم.

ولقد قيل الكثير عن عهد "السرج"،الذي أصبح شبحا يحوم في كل مكان.فهو مرة يكشف مؤامرة مزعومة من زعيم عربي ضد عبد الناصر. وأخرى يلقي فيها بأعداء الوحدة في السجون بعد اتهامهم بالتورط المزعوم في قبض المال من سفارات أجنبية،وبعضهم تم تذويبه بالأسيد. وثالثة تذكر أن "السراج" قاد سيارة ركاب أجرة، فأوقفه شرطي المرور لأنه خالف التعليمات، وأصر هذا الشرطي على تحرير مخالفة له رافضا الرشوة، فكشف الوزير الهمام عن شخصيته، وقلد الشرطي وساما على أمانته أثناء أداء واجبه.

ولعل البدعة الأكثر إيذاء التي حفل بها عهد "السراج" هي شيوع مقولة لئيمة ظاهرها خلاب وباطنها من قبلها الخراب، وهي "كل مواطن خفير". ولا يغترّ أحد بهذا الاسم لأنها كانت تعني: أن على المواطن أن يتلصص على أخبار جيرانه وزملائه في العمل وينقلها إلى عناصر "المكتب الثاني" الذين سيتدبرون أمرهم في أقبية فروع ذلك المكتب.

قدمت بهذا الاستطراد التاريخي عن "عبد الحميد السراج"، بعد أن شعرت أن هناك أوجه شبه كثيرة بينه وبين الوزير الجديد اللواء "غازي كنعان". فكلاهما قضى معظم حياته العسكرية في أجهزة الأمن. وكلاهما صار وزيرا للداخلية قادما من رئاسة جهاز أمني. ولعل الشبه الأهم، أن كليهما لا تستطيع أن تسبر غور ما ينطوي عليه صدره قبل أن يتحول ذلك إلى واقع ملموس.

ولقد كتب أحد صحفيي جريدة "النهار" البيروتية مرة، معلقا على نقل اللواء "غازي كنعان" من لبنان إلى رئاسة جهاز الأمن السياسي في سورية: "في لبنان لا يقال: هل هناك من لا يعرف غازي كنعان؟ بل الأصح أن يقال هل هناك لبناني لا يعرفه غازي كنعان؟".

ومع أن جهاز "الأمن السياسي" هو أقدم الأجهزة الأمنية في سورية، وكان و ما يزال يسمى "الشعبة السياسية" تذكيرا بأنه وارث "المكتب الثاني" العتيد في عهد "عبد الحميد السرّاج". إلا أن هذا الجهاز فقد أهميته لصالح الأجهزة الأمنية الكثيرة التي تم استحداثها منذ آذار"مارس" 1963 ،ليبلغ عددها أكثر من سبعة عشر جهازا،أخذ كل جهاز أهميته من أهمية الشخص الذي من أجله أنشئ هذا الجهاز ليكون رئيسا له.

وقد تم تسريب الكثير من الأخبار عند نقل اللواء "كنعان" من رئيسٍ لفرع الأمن والاستطلاع للقوات السورية العاملة فى لبنان إلى جهاز الأمن السياسي. فقد قيل أنه اشترط أن يكون لجهازه كل ما كان له قبل انقلاب آذار 1963. وأيا كانت الحقيقة! فإن اللواء "كنعان" قام بنفض الغبار المتراكم على هذا الجهاز طيلة أربعة عقود، وأعاد له الكثير مما سلبته منه الأجهزة الأمنية الأخرى من صلاحيات، تتعلق بما يندرج في نطاق عمل وزارة الداخلية.

ولعل الحادثة الأشهر التي تُذكر في هذا المجال هو قيام رجال الأمن السياسي ، بعد أن ترأسه كنعان قبل عامين، باعتقال مندوب إحدى الصحف العربية المهاجرة في دمشق، بعد نشره خبرا مفاده أن السلطات السورية تهيئ على الحدود الشرقية أماكن إيواء لعراقيين، يتوقع أن يهربوا من العراق أثناء الاجتياح الأمريكي المتوقع، مع أن الذي سرب الخبر لهذا الصحفي المسكين هو جهاز أمنٍ سوريٍ آخر.

ولم يكن جهاز الأمن السياسي ،قبل كنعان، الوحيد الذي خسر كثيرا من صلاحياته. فقد كانت وزارة الداخلية نفسها تقلصت صلاحياتها كثيرا على مدى أكثر من أربعة عقود، بعد أن قضمت أجهزة الأمن المختلفة الكثير من تلك الصلاحيات، حتى غدت معظم إدارات هذه الوزارة هياكل من دون مضمون.

فإدارة الهجرة والجوازات كأحد أهم تلك الإدارات، وتقوم بإصدار جوازات السفر ،وهو أحد أهم وظائفها الأساسية، كما يدل على ذلك اسمها، تقلصت مهمتها حتى انحصرت في كتابة جوازات السفر بعد الحصول على الموافقة الأمنية من جهاز الأمن العسكري.

أجهزة أمنية كثيرة ومرجعيات مختلفة:

وكما هو معلوم، فقد ورث عهد الرئيس "بشار الأسد" كماً كبيرا من الأجهزة الأمنية، لا يضبط صلاحياتها ضابط محدد. بل كثيرا ما تتداخل مهماتها، ما يؤدي إلى صدام بين عناصرها.    

ويزيد في تعقيد وتشابك الصلاحيات التي أشرنا إليها، أن مرجعيات تلك الأجهزة الأمنية تختلف من جهاز لآخر. فجهاز أمن الدولة يتبع ،نظريا على الأقل، إلى مكتب الأمن القومي في القيادة القطرية. والشعبة السياسية تتبع شكليا إلى وزارة الداخلية. والأمن العسكري يتبع إلى وزارة الدفاع ، وهكذا...  

وكما أسلفت فإن هذه التبعية هي شكلية فقط. أما من حيث الواقع فإن كل جهاز أمني هو دولة قائمة بذاتها، ولا يأتمر إلا بأمر رئيس الجهاز. ولعل أوضح مثال على ذلك هو صدور قرارات رئاسية بالإفراج عن معتقلين، يتم ترحيلهم إلى إدارة الأجهزة التي اعتقلتهم، فتقوم تلك الأجهزة بالاحتفاظ بهم في سجونها الخاصة بها.وهذا ما يفسر ما كان يبشر به معتقلون مفرجٌ عنهم أسرَ زملاءٍ لهم بأن أبناءها يحزمون حقائبهم. وتمضي الأيام دون أن يخرج أولئك الأبناء.

وزير الداخلية الجديد والمهمات الثقيلة:

نقل بعض المطلعين أن الوزير "كنعان" طلب في لقاء له مع الرئيس "بشار الأسد" ،بعد دخوله وزارة "العطري" الثانية، أن تكون مرجعية كل الأجهزة الأمنية إلى وزارة الداخلية.

ولعل هذا،إن تم، سيجعل أول تحدٍ يواجه الوزير "كنعان" بعد ذلك، هو تقليم مخالب أجهزة الأمن المختلفة، وضمها في جهاز واحدٍ، وتحت رئاسة مسئول واحد يتبع مباشرة لوزير الداخلية. كما ينبغي تحديد صلاحيات هذا الجهاز بما يخدم المواطن السوري، لا في إهانة كرامة هذا المواطن كما هو جارٍ حاليا.

ولن تكون مهمة التعامل مع أجهزة الأمن المتعددة سهلة أمام الوزير الجديد، لأن كلا من رؤساء تلك الأجهزة قد بنى علاقات معقدة مع نافذين في هرم السلطة. ومن المؤكد أن تشهد أي خطوة يخطوها الوزير "كنعان" ،لإلحاق أي جهاز أمني بوزارة الداخلية، مساومات صعبة،وربما رفضٌ من قبل النافذين في ذلك الجهاز، إلا أن تكون هناك خطة حازمة لدى الرئيس بشار بتصفية تلك الأجهزة لصالح تشديد قبضته على كثير من المتفلتين منها.وعلى كل حال، فإن هذا الأمر سيأخذ فترة طويلة، ويتوقف ذلك على حسن إدارة وزير الداخلية المكلف بهذا الملف.

 وربما يسهّل الأمر بعض الشيء، ما قيل من أن تحجيم أجهزة المخابرات وإعادة هيكلتها هو أحد المطالب الأوروبية "السرية" لتوقيع اتفاقية الشراكة مع سورية، وأن أكثر رؤساء الأجهزة الأمنية الحاليين سيبلغ السقف "العمْري" الذي اعتمده الرئيس بشار الأسد –بصفته قائدا أعلى للجيش- لتصفية الحرس القديم، العسكري والأمني، في فترة لا تتجاوز أشهر معدودة.

وزير غامض وأجندة صعبة

وزير الداخلية الجديد، اللواء "غازى محمد كنعان "، من مواليد /1942/محافظة اللاذقية، خريج من الكلية الحربية /1965/ شغل منصب رئيس فرع مخابرات المنطقة الوسطى،ثم رئيسا لفرع الأمن والاستطلاع للقوات العربية السورية العاملة فى لبنان حتى عام /2002/ ثم رئيسا لشعبة الأمن السياسى، قبل أن يصبح وزيرا للداخلية في التغيير الوزاري الأخير. وباستثناء ذلك، فلا يكاد يعرف الكثير عنه إلا ما كان ينشر في صحفٍ لبنانية معارضة.

ولأن التسريبات أقلها صحيح، وأكثرها ضرب من التخمين غير الخالي من الأغراض. فإن ما سنورده عنه، بعضه مستقى من سيرته في لبنان، وأكثره أماني وآمال لا أكثر ولا أقل.

فمما لا شك فيه،أن ما يقارب عقدين قضاها الوزير "كنعان" في لبنان جعلته يتعامل مع مواطنين لبنانيين يملكون هامشا ولو ضيقا من حرية القول والعمل. بينما هذا الهامش غير موجود إطلاقا  عند المواطن السوري، خصوصا في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين.

وإذا كانت الصحف اللبنانية العديدة  كانت تشكو من انخفاض سقف الحرية الذي تعمل تحته. إلا أن هذا السقف يبدو مرتفعا نسبيا، إذا ما قورن بالسقف المعدوم للصحف السورية الثلاث الناطقة باسم الحكومة وحزب البعث.

والأحزاب اللبنانية مهما قيل عن محدودية فاعليتها بسبب الوجود العسكري السوري في لبنان، إلا أنها أحزاب عريقة. وكثيرا ما كان بعضها يجاهر بمعارضته لهذا الوجود. ولا شك أن العين البصيرة لا بد وأن تدرك ذلك بالمقارنة مع انعدام الحياة الحزبية في سورية، إلا لمن يريد أن يغالط نفسه فيذكّر بأحزاب الجبهة التقدمية، مع أنها أحزاب أقل من هامشية.

ولحل الحياة النيابية في لبنان هي الأخرى (رغم مقاطعة بعض الأحزاب والاتجاهات لها أحيانا بسبب النفوذ السوري في لبنان الذي كان يؤثر حقيقةً في نتائج الانتخابات النيابية)، تبدو معلما آخر من معالم ما يتمتع به لبنان من حرية، إذا ما قورن ذلك بالحياة النيابية السورية المفصّلة على مقاس حزب البعث.

هذه المظاهر وغيرها كثير ،كالاقتصاد الحر وتعدد منابر الإعلام، لا بد أنها خلقت انطباعا عند الوزير اللواء "كنعان"، قد يجعله يفكر –في ظل رغبة رئاسية بذلك كما نقل عن اللقاء الذي تم مع كنعان بعد توليه الوزارة- بنقل التجربة اللبنانية رغم محدوديتها إلى سورية،من خلال نشاط وزارة الداخلية الذي له علاقة عضوية مع كل تلك النشاطات التي أشرنا لها.

ولعل أهم ما يمكن أن يحكم تصرف "كنعان" المستقبلي هو إدراكه أن معظم الشخصيات الأمنية التي تعاقبت على سورية قد انطفأ اسمها وخبا بريقها،بمجرد إزاحتها عن المنصب، الذي استمر عند بعض "أباطرة الأمن" إلى أكثر من عقدين. بل وإن تلك الشخصيات لم تترك أثرا حسنا يذكره لها المواطن السوري.

 وهو يعرف بأن طموح تلك الشخصيات قد توقف عند رئاسة جهاز أمني، ولم يستطع أي منها أن يرقى إلى رتبة وزير. وهو طموح يبدو متواضعا عند من يملكون همة تتطلع إلى أكثر من ذلك، الأمر الذي يبدو واضحا أن الوزير "كنعان" واحدا ممن لديهم هكذا تطلع.

وهو يعرف أن القيادة السياسية في أي قطر تتجنب أن ترفّع القيادات الأمنية إلى أكثر من ذلك، ربما خوفا منها أن تتطلع إلى أكثر من ذلك، وهو خوف مشروع عند من يصل إلى القيادة عن طريق الانقلابات، أو عند الذين ليس لديهم رصيد شعبي يدعم مراكزهم. 

إذن فلا يبقى أمام الوزير الجديد إلا الطريق الصحيح وهو كسب ثقة ورضا المواطن السوري، من خلال البحث عن الصعوبات الحقيقية التي عاشها هذا المواطن مع ممارسات الأجهزة الأمنية، على مدى أكثر من أربعة عقود.

لقد كتب مفكرون وكتاب سوريون كبار العديد من المقالات التي شرحوا فيها المعاناة التي كان الشعب السوري يقاسيها، ولا يحتاج الأمر إلى مزيد من تلك المقالات، بقدر ما يحتاج إلى مسئولين يحاولون رفع المعاناة عن هذا الشعب.

المجال مفتوح الآن أمام الوزير الجديد إذا أراد ذلك. وربما يكون الأولى أن يبدأ بتصفية مراكز القوى في الأجهزة الأمنية، وفي إطلاق سراح باقي المعتقلين بعد إغلاق السجون إلا للقضائيين، مرورا بشطب إرشيف تلك الأجهزة في منع السفر ومنع التوظيف ومنع الترقية عن عدد كثير من المواطنين، وإلغاء الاعتقال التعسفي من دون إذن القاضي المدني. والعمل على إلغاء قانون الطوارئ والمحاكم الاستثنائية وفتح الحدود والمطارات أمام عشرات ألوف الأسر التي ترغب في العودة بعد منعٍ دام أكثر من ربع قرن.

فهل يفعل ذلك الوزير "غازي كنعان"؟ نرجو ذلك.   

   كاتب سوري يعيش في المنفى       عضو مؤسس في رابطة أدباء الشام