ليس ضد الرئيس ، ولكن ضد مشروع حزب البعث في الحكم....

 الطاهر إبراهيم

في كل مرة يظهر على شاشات القنوات الفضائية أحد الكتاب ،"الذي يمشط لحيته ليستلم منصبا وزاريا في تعديل وزاري مرتقب" أو أحد السفراء السوريين، الذي يريد أن يدعم منصبه لأنه من غير البعثيين. وكثيرا ما نسمع هذا الكاتب أو ذاك السفير -إذا ما حاصره مستضيفه- يقول :إنه مع مشروع الرئيس بشار الأسد.

مفهوم هذا الكلام أن الضيف لم يستطع أن يبرر الفشل الذي يلاحق معظم السياسات السورية، داخليا وخارجيا، وأنه يهرب إلى الأمام ليقول لنا:إن النوايا الحسنة للرئيس بشار الأسد لا بد أن تنتصر في النهاية، رغم الممارسات التي تحبط تلك النوايا بسبب فشل الوزراء والمساعدين في الارتقاء في ممارساتهم إلى سوية النوايا الحسنة في مشروع الرئيس للحكم.

وقبل أن نبين ما في هذا الدفاع من الأخطاء، ينبغي أن نلقي الضوء على مضمون عنوان المقال لأنه الأساس الذي من أجله أفردنا هذا المقال تحت ذاك العنوان.

ابتداء، لا نريد أن نعود إلى خطاب القسم ونبين أن ذاك الخطاب كان في واد، والممارسة التي جاءت بعده كانت في واد آخر، فقد تصلح عندها مقولة الكاتب أو السفير في الدفاع عن نوايا الرئيس في مواجهة الفشل الذي يطبع السياسة السورية داخليا وخارجيا. وعندها قد يكون الفشل مبررا ،بممارسات أباطرة "الشد العكسي" الذين وقفوا كالعقدة في منشار مشروع خطاب القسم، بعد أن استعصى على الرئيس أن يزيح ،من طريق مشروعه في الخطاب، أولئك الراسخين في الفساد والإفساد اللذين ضربا أطنابهما في أروقة الوزارات والدوائر على مدى أكثر من أربعين عاما.

نحن نريد أن ننظر إلى مقولات الرئيس نفسها ،بعد خطاب القسم، التي اعتبرها منهج تحرك في الحكم، ولم يساوم عليها ،خصوصا،بعد أحداث "ربيع دمشق" التي أودت إلى السجن بعشرة من قادة الفكر الليبرالي في سورية.

أولا: لا إصلاح سياسيا بل تحديث تطوير

ما ذا يعني هذا الكلام في لغة الحكم؟ إنه يعني ببساطة الإبقاء على السياسة التي قادت سورية إلى ما هي فيه الآن من استعصاء داخلي وتهديد خارجي، وإعادة استنساخ لسياسات ثبت فشلها على مدى أربعين سنة، بعد إعادة دهانها بأصباغ تخفي وراءها التآكل في هيكلية الدولة. ويعني أيضا الاعتماد على نمط معين من الوزراء، غير خاضع لأي نوع من أنواع الاختيار حسب الأهلية التي يتطلبها المنصب، إلا إذا اعتبرنا المكانة الحزبية هي نوع من الأهلية، وهذه ما لم يقله أحد من الساسة قديما وحديثا.

ونحن نتساءل لماذا هذا الإعراض عن تسمية الأمور بمسمياتها؟ سورية (النظام) غارقة في الفساد إلى أذنيها، والوضع المتردي يحتاج إلى الإصلاح. فإن كانت أسباب الفساد ناجمة عن وجود أناس مفسدين في مراكز صنع القرار وتنفيذه، فمعنى ذلك أن الآلية التي جاءت بهؤلاء إلى مناصبهم فاسدة، أي أن هيكلية الحكم فاسدة وهذا يقتضي التغيير وليس الإصلاح فقط.

وإذا كانت المبادئ التي قامت عليها حكومة البعث هي الخاطئة، وجاءت بغير المؤهلين للحكم، فهذا يتطلب إعادة النظر بكل تلك المبادئ والمفاهيم والقيم التي قامت عليها دولة البعث، والعودة إلى الشعب السوري ليختار جمعية تأسيسية،تضع دستورا جديدا لسورية يفرز حكومة تضع هذا الدستور موضع التنفيذ.

هناك من يقول بأن الإصلاح يعني محاكمة عهد بأكمله، هو عهد الرئيس الراحل "حافظ الأسد" ويضع رموز ذلك العهد أمام المساءلة. ونحن نقول إذا كان الإصلاح لا يتم إلا بذلك فليكن. وبذلك يتحقق المبدأ المشهور "لا أحد فوق القانون". وإذا كان عهد الرئيس الراحل ليس عليه ما يُضير، كما يقول أنصاره،فإن المساءلة العادلة وفق ضوابطها الصحيحة ،لن تمس من كان فوق الشبهات، بل ستصقل جوهر ذلك العهد وذلك الرمز، كما يفعل المحك بالذهب الخالص.

ونكون صرحاء أكثر عندما نقول إذا كانت هناك مجموعات استفادت من عهد الرئيس الراحل ولا تريد الإصلاح لأنه سيضع عهد الرئيس الراحل "حافظ الأسد" وسدنة ذلك العهد على المحك ،وربما تنكشف أمور وأمور، يريد هؤلاء أن تبقى طي الكتمان، فنحن نقول أن لا مصلحة للشعب السوري بالتستر على من خان أمانة المسئولية، وله كل الحق أن يسأل كل من تولى مسؤولية في هذا الوطن مهما كانت رتبته. وتبقى تبرئة الذمة تقع على عاتق المسئول، الذي عليه أن يبرهن أنه كان كفؤا وأمينا أثناء ولايته، ولاتضير المساءلة من  استقام على الطريقة الصحيحة.

إذن نحن نريد الإصلاح بمعناه الحقيقي، لأن البلاد تنزلق إلى الهاوية أكثر فأكثر، وأي تأخير في البدء بعملية الإصلاح سيجعل الصورة تبدو أكثر قتامة والإصلاح أصعب. والنظام الواثق من سلامة مسيرته لا يضيره أن يعرض عمله أمام مواطنيه. ومن هنا قلنا أننا لسنا مع مشروع الحكم الذي يرفض الإصلاح أيا كانت مبررات الرفض، وليس بالضرورة أن يجعلنا موقفنا هذا ضد من يرفض الإصلاح، بل نحن ضد الرفض نفسه.

ثانيا: موقف الرئيس من المعارضة.

من القضايا المحيرة التي تستعصي على الفهم، أن أكثر من أربع سنوات مضت على ولاية الرئيس بشار الأسد، لم يلحظ المراقبون فيها أية خطوة بناءة صدرت من نظام الحكم تجاه المعارضة السورية ،بشقيها الإسلامي والعلماني القومي. كما أنه لم يصدر فيها من الرئيس أي هجوم صريح على هذه المعارضة، بل على العكس من ذلك، فقد أثنى عليها في مقابلة أجرتها معه صحيفة "نيويورك تايمز" في أواخر ديسمبر عام 2003 ،عندما قال للمحرر: (سأقدم لك وجهة نظر المعارضة السورية الموجودة في كل مكان، سواء كانت داخل سورية أو خارجها. هم لا يؤيدون النظام السوري،ولا الدستور ولا الحكومة،ولكنهم ضد ما يقوله الأمريكيون بخصوص نشر الديمقراطية في العراق. اقصد أنهم ضد تصدير الديمقراطية بالقوة أو بأي وسيلة أخرى. هذا هو رأيهم،وهو في غاية الوضوح ويمكنك العثور عليه في التلفزيون والصحف. يمكنك سؤالهم.).

هذا التوصيف الذي قدمه الرئيس، هو توصيف حقيقي لواقع المعارضة، فهي لا تؤيد النظام السوري ولا الحكومة ولا الدستور المفصل على مقاس حزب البعث،بل على مقاس نخبة محددة في هذا الحزب. وهي معارضة وطنية بامتياز، خصوصا لجهة رفضها نشر الديموقراطية على الطريقة الأمريكية في سورية وباقي البلاد العربية.

وإذا كان هذا هو واقع المعارضة كما أفصح عنه الرئيس بشار الأسد. أفلا يحق لنا أن نتساءل عن الأسباب التي تقف عائقا أمام تلبية المطلب الوطني الأول لتلك المعارضة وهو إجراء مصالحة وطنية بينها وبين النظام لا يُستثني منها أحد من الفصائل؟.

"ثم ما عدا مما بدا" حتى يخطو النظام السوري تجاه أمريكا خطوات واسعة وكثيرة ، كانت من المحرمات في "أجندة" حزب البعث قبل 11 أيلول "سبتمبر" 2001 وقبل احتلال العراق أيضا. ثم نرى هذا النظام يحجم عن القيام بخطوات مماثلة تجاه الشعب السوري. بل إنه بخل بالخطوة اللازمة والضرورية له ولسورية ،الشعب والوطن، ألا وهي اللقاء مع المعارضة على قاعدة "لا غالب ولا مغلوب"؟.

إن خطوة كهذه سترمم كثيرا من التصدعات، وستسل من النفوس كل المشاعر غير النبيلة التي كرستها عقود من الشطب والإلغاء والإقصاء،وحذف الآخر من المعادلة الوطنية. أليس من قبيل الإنصاف أن تكافأ المعارضة على موقفها الوطني الذي ذكره الرئيس بشار في مقابلته لمحرر "نيويورك تيمز" مصداقا لقول الله تعالى "وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان".

ولقد آلم كثيرا من المغتربين "القسريين" أن يقف الرئيس بشار الأسد في مؤتمر المغتربين الذي عقد في دمشق يوم 9 تشرين الأول الجاري فيعدد كل المشاكل التي تعترض سورية، ثم يذكر ما هو مطلوب من المغتربين تجاه وطنهم سورية. ولم يعرج ولو بكلمة واحدة عما هو مطلوب من نظام الحكم تجاه معاناة هؤلاء المغتربين "القسريين" الذين مضى على اغترابهم "القسري" أكثر من ربع قرن. 

 وهذه المعاناة لم تكن خافية على الرئيس. ففي كل زيارة له خارج القطر كان يقابله مندوب أو أكثر من المغتربين "القسريين" في الدول التي يزورها، ويبسطون له ما يعانونه من صعوبات في منفاهم.   

ويبقى السؤال الكبير الذي يلوح في أفق سورية "الشعب والنظام" ولا يجهله الرئيس بشار الأسد وهو : أما آن الأوان حتى تصبح سورية لكل السوريين وليس لحزب البعث فقط؟ 

وإلى متى سيبقى "حرام على بلابله الدوح   حلال على الطير من كل جنس!!"؟.

   كاتب سوري يعيش في المنفى      عضو مؤسس في رابطة أدباء الشام