صلاة روبرتسن، ومخدر فايسغلاس..وإنسانية الاتحاد الأوروبي...

عبد اللطيف مهنا

 

ما المختلف ما بين القس الأمريكي الداعية التلفنجي بات روبرتسن وفايسغلاس رئيس ديوان مجلس الوزراء الإسرائيلي وكبير مستشاري شارون، ومالذي يجمع بينهما وبين الجنرالين شارون وموفاز وحتى معهد جافي؟!ّ

الأول: لعله الأكثر صراحةً، والثاني: الأكثر وضوحاً، والثالث: الأمهر مناورةً، والرابع: الأكثر احترافاً في القتل، أما معهد جافي فالأكثر أكاديميةً صهيونية!

...وإذا ما توسعنا أكثر وتسائلنا، وما هو المختلف والجامع بين كل هؤلاء والاتحاد الأوروبي؟

كان الجواب بدون عناء يذكر، الأخير هو الأكثر تذاكياً والأشد نفاقاً!

كيف؟

لنبدأ بالأب بات روبرتسن:

قبل أقل من أسبوعين جاء الرجل الأشهر من أن يعرّف مع أربعة آلاف من إتباعه إلى فلسطين المحتلة لهدفين قال أنه تجشم عناء الارتحال من الولايات المتحدة إلى الديار المقدسة من أجلهما هما:

الاحتفال بعيد العرش اليهودي، والتضامن مع حركة الاستعمار التهويدي في الضفة الغربية وقطاع غزة... وفور وصوله أقام مع مريديه صلاة دعم لإسرائيل، أعقبها بالتأكيد للقاصي والداني، أن "الكنيسة الإنجيلية (الأوسع إتباعاً في الولايات المتحدة) تؤيد تماماً الرئيس بوش بسبب سياساته المؤيدة لإسرائيل". ولم ينس في ذات الوقت من أن ينذر رئيس الولايات المتحدة، وهو في أوج حملته الانتخابية وأكثر أيامها حرجاً، قائلاً:

"...وسيفقد دعمناً إذا ما مسّ القدس بتحويل شرقها عاصمةً للدولة الفلسطينية."

إلى هنا، ما قاله روبرتسن، الداعية المسيحي المتصهين الذي يتوفر له من الإتباع عشرات الملايين في بلاده وأوروبا والعالم، لا يعدو لازمةً تتكرر في عظاته التلفزيونية الأسبوعية التي يحرص على مشاهدتها أكثر من ثلاثين مليوناً من الأمريكيين، لكن الأهم، وهو ليس با الجديد أيضاً، هو:

مطالبته بطرد فلسطيني الضفة الغربية وقطاع غزة، داعياً المملكة العربية السعودية والأردن إلى توطين ثلاثة ملايين ونصف هم أهل هاتين المنطقتين على أراضيهما.

طبعاً الأب روبرتسن، كرر رفضه للدولة الفلسطينية، التي يريد تهجير مواطنيها، لأنها، كما قال، تهدد السلامة الإقليمية لإسرائيل، ولأنها سوف تكون مصدراً لتطوير أسلحة الدمار الشامل والاضطرابات، والأهم لأن قيامها "يتعارض مع مشيئة الرب"!

وكما أن العرب مسؤولون عن استمرار الصراع لا لشيء إلا لأنهم "لا يريدون السلام، وكل ما يريدونه هو تدمير دولة إسرائيل"، فإن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الانروا) تشاركهم ذلك، لذا المطلوب حلها "لأنها تؤدي دوراً ناشطاً في إبقاء مشكلة اللاجئين"...  بالمناسبة تزامن هذا مع إطلاق جنود الجنرال موفاز النار على سيارات الانروا، واتهام المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لهذه الهيئة الدولية بأنها تنقل في هذه السيارات صواريخاً وأسلحةً للفلسطينيين..!

كل ما تقدم، يقدم على أنه مسألة عقائدية، حيث يقول روبرتسن على هامش صلاة أقامها في الكنيست الإسرائيلي "إنها ليست مسألة سياسية... إنها مجرد مسألة لخطة الرب... المسيحيون واليهود لديهم تراث مشترك ورب مختلف عن رب المسلمين"!

...إذن هي خطة الرب المختلف عن رب المسلمين! ...فماذا عن فايسغلاس؟!

فايسغلاس، تحدث عن خطة أخرى، هي خطة شارون المسماة بفك الارتباط من طرف واحد... كان واضحاً، ولم تكن زلة لسان، أو عبارات تم تحريفها، إذ لا يجدر، بل لا يمكن تصور أن يدلى رجل في موقعه بكلام هو هكذا عفو الخاطر، وإنما يفترض بعد دراسة، ومن أجل هدف، وتوخياً لنقل رسالة... لعل لوضوحه هذا سببان:

الأول، إقناع غلاة المتطرفين من على يمين من هو مستشاره، بالتخفيف من شدة انتقاداتهم لخطة رئيس الوزراء العتيدة، ودعوتهم للتمعن في استهدافاتها وفهم مراميها، وبالتالي وجوب تأييدها وانتظار بركاتها.

والثاني: أن ما يدفعه إلى الكلام الواضح الفاقع هذا هو انتفاء الحاجة للمواربة، حيث المعادلتين الدولية والإقليمية ولا أفضل منهما للمضي جهاراً نهاراً في استكمال استهدافات المشروع الصهيوني في المنطقة، وما الذي، في ضوء هذا التواطؤ الدولي وصنوه العجز القاتل العربي،  يمنع من ذلك؟!

قال فايسغلاس:

"معني خطة الفصل هو تجميد العملية السياسية"، وليسمع من يسمع، وخصوصاً عشاق ما تسمى المسيرة السلمية من المتشبثين بجدثها المهترئ عرباً كانوا أم عجماً... وزاد موضحاً:

"عندما تقوم "بتجميد العملية السياسية، فإنك تمنع إقامة دولة فلسطينية وتحول دون البحث في قضايا اللاجئين، والحدود والقدس... وإجمالاً فإن كل هذه الرزمة المسماة بالدولة الفلسطينية سقطت عن جدول أعمالنا لفترة غير محدودة من الزمن. إن الخطة توفر كمية المخدر المطلوبة من أجل أن لا تكون هناك عملية سياسية مع الفلسطينيين".

وعليه، فالخطة ما هي إلا تجميد للعملية السياسية، و"بشكل شرعي" في رأي المستشار الشاروني، الذي يضيف مؤكداً:

"هذا بالضبط ما حصل، فالعملية السياسية تعني إقامة دولة فلسطينية على كل المخاطر الأمنية الكامنة فيها. كما أن العملية السياسية هي إخلاء المستوطنات، وإعادة اللاجئين، وتقسيم القدس، كل هذا بات مجمداً في الوقت الراهن. وبوسع شارون أن يقول صادقاً: أن في الأمر خطوة جدية ستقود إلى عدم زحزحة 190 ألف مستوطن من بين 240 ألفاً من أماكنهم. وما اتفقت عليه في الواقع مع الأمريكيين هو أن قسماً من المستوطنين لا يخضع البتة للنقاش وقسماً آخر لن نناقش أمره قبل أن يتحول الفلسطينيين إلى فنلنديين، وهذا هو معنى ما فعلناه".

من تحصيل الحاصل أن تثير أقوال فايسغلاس أو صراحته لغطاً إسرائيلياً سرعان ما خفت، وإن يسارع شارون المناور إلى إبداء تمسّكه بخارطة الطريق التي من تحصيل الحاصل أيضاً أنه قد أجهز عليها بتحفظاته الشهيرة وهي لا تزال في مهدها... وليس من غير المتوقع أيضاً أن يواجه شارون ما واجهه في الكنيست، عندما جاءه ممهداً لعرض خطته لاحقاً. لأن شارون، ورغم سلامة القصد الصهيوني الذي لا خلاف حوله مع من هم على يمينه أو يساره، يواجه من يمثلون كياناً استعمارياً ذو طبيعة عنصرية تنحو إلى التطرف أكثر فأكثر بالتلازم مع إحساسها المتصاعد بالقوة... الأمر الذي وضع معهد جافي إصبعه عليه كما سنتطرق إليه لاحقاً. ومع ذلك، أمر شارون قادة جيشه، الذين أبلغوه بأن مذبحة شمالي قطاع غزة قد حققت أهدافها، بالاستمرار في مواصلتها، تهيئة ليوم الخامس والعشرين من الشهر الجاري موعد طرح الخطة على الكنيست... ثم عاد فوافق على إعادة انتشار لا تعني التوقف عن المذبحة... مع قول له دلالاته كان شارون قد قاله إثر المواجهة مع الكنيست: "إننا نحتفظ لأنفسنا بحق تكييف الخطة مع الواقع"!

أين معهد جافي من صلوات روبرتسن وتوضيحات فايسغلاس، ومرامي شارون الجاهز لتكييف خطته أو حتى استبدالها؟

المعهد المشهود له بحرفيته الصهيونية جداً طمأن من يريد فايسغلاس طمأنتهم عندما توصل أكاديميوه وباحثوه في تقريره الأخير إلى أن إسرائيل تتمتع "بتفوق إستراتيجي شامل في الشرق الأوسط، وهي تتجه نحو خطة فك الارتباط من موقع القوة"، مستدركاً على الطريقة الشارونية: لكن هذا "التفوق الاستراتيجي الشامل لإسرائيل لا يلغي مخاطر الإرهاب والخطر الديمغرافي الذي يهددها"، ملتقياً مع الأب روبرتسن حين يؤكد أن هذا "التفوق يستند على الإنجازات الأمريكية من حيث الأساس"... وأخيراً مع الاستدراك الملازم للطبيعة الصهيونية، بالتحذير من أنه قد يكون لغزو العراق "نتائج عكسية" تطال هذه الإنجازات وبالتالي هذا التفوق مستقبلاً...

بقي الاتحاد الأوروبي... قمة وزراء خارجيته أرغت و أزبدت إنسانيةً، وهي تتوعد السودان بالعقوبات، مجترةً حكاية دارفور إياها، مطالبةً إيران بوقف تخصيب اليورانيوم، مقررةً اعتماد أسلوب العصا والجزرة معها... القمة ذات الإنسانية المفرطة في غير محلها عادةً، سمعت باجتياح شارون لشمالي قطاع غزة، لكنها أشاحت بعينها عن المذبحة، ولم تسمع أو لم تشأ أن تسمع حكاية الطفلة الفلسطينية إيمان في رفح أو مثيلتها في خان يونس... لم تسمع بأن الجند الإسرائيلي أطلقوا النار عليها وهي عائدة من مدرستها فقط عشرين رصاصة، اثنتان منها أطلقها ضابط من مسدسه بعد أن تأكد من سقوطها هي وحقيبة كتبها التي تحتضنها مضرجةً بدمائها... طفلة خان يونس سقطت وهي على مقعد الدرس... بالمناسبة، المذبحة حصدت حتى الآن ثلاثين طفلاً... وبعد مداولاتها الإنسانية توصلت القمة إلى ما يلي:

نددت ب"الطبيعة غير المناسبة (لاحظ المناسبة هذه) للعمليات العسكرية" الإسرائيلية في غزة، وبالمقابل لم تنس أن تندد بصواريخ القسام!

لكن بيت القصيد كان الإدانة "الكاملة وغير المشروطة لكافة أشكال الإرهاب بما فيها الاعتداءات بالصواريخ على إسرائيل" مع الإقرار "بحق إسرائيل بحماية مواطنيها  من الاعتداءات الإرهابية"... لكن في حدود القانون الدولي!!!

الاتحاد الإنساني جداً ساوى هنا بين الضحية والجلاد مع الميل المعتاد إلى جانب الأخير: ندد بالطبيعة غير المناسبة للعمليات العسكرية الإسرائيلية... أي أنه كان يتوخى المناسب منها وخيب الإسرائيليون ظنه في ذلك... وأقر ثابتاً من ثوابته، أي "بحق إسرائيل بحماية مواطنيها من الاعتداءات الإرهابية"... أي عملياً برّر لها عدوانها، واعتبر مقاومة الفلسطينيين للاحتلال  ودفاعهم عن أنفسهم وكافة أشكال ذلك إرهاباً واعتداءً ضد المحتلين، بما في ذلك قليل الصواريخ البدائية الصنع..!

وأخيراً، التقى مع فايسغلاس بتكليفه لمنسق الشؤون السياسية للاتحاد خافير سولانا بإعداد خطة حول الشرق الأوسط تتمسك بتعاطي مخدر فايسغلاس أو خطة "خارطة الطريق"، الذي يريد الأب روبرتسن استبدالها بخطة الرب!

لم يتوانى سولانا فأعلن عن خطة من أربعة نقاط حصرها بالمسار الفلسطيني وحده، النقطة الأولى الأمن، بما يعني مساعدة السلطة الفلسطينية على مكافحة "الإرهاب" الفلسطيني، والثانية الإصلاح السياسي بمعناه الضامن لهذه المكافحة، والثالث الإصلاح الاقتصادي المشروط بأن يؤدي إلى السلام المنشود أوروبياً، والرابعة المساعدة فيما يتعلق بالعملية الانتخابية... سولانا، والحق يقال، أنذر إسرائيل بأنها إن اكتفت بالانسحاب من غزة فقط فقد تخسر المساعدات الأوروبية!!!

...في الختام ما ثم ما يختلف حوله الأب روبرتسن والمستشار فايسغلاس مع شارون أو موفاز، وهناك ما يجمع هؤلاء بخافير سولانا...ٍ والجميع لا شيء لديهم سوى الحل الصهيوني للقضية الفلسطينية، الذي يعني أن ليس هناك قضية أو فلسطين... فهل هناك ما نتفق عليه نحن العرب؟؟!!!