حرص الراعي السوري على حليب الماعز اللبناني ... فانفتح باب الحظيرة السورية أمام الذئب الأمريكي.... الطاهر إبراهيم

 

لا يوجد ،في العلاقة بين دولتين، عطاء أو أخذ لوجه الله فقط.فلا يمكن لدولة قوية أن تمنح دولة أخرى قرضا أو تسهيلات، أو أن تغمض عينها عما تفعله تلك الدولة الأخرى في منطقة نفوذها ،إلا بعد أن تقبض المقابل وبالكيل الوافي.

واستطرادا فإن الجيش السوري عند ما دخل إلى لبنان في عام 1976 ، فقد كان دخوله ضمن "قانون الأخذ والعطاء" الدولي، وإنْ لَبِس لبوس إنهاء التحارب بين اللبنانيين.

وبعيدا عن الخوض في حيثيات تلك الحقبة، فقد سمحت أمريكا للجيش السوري بالدخول إلى لبنان ضمن معادلة، لا يصعب على المراقب السياسي إدراك ما أخذته أمريكا من سورية مقابل السكوت عن هذا الدخول، خصوصا في منطقة شديدة الحساسية لإسرائيل.بل إن هناك من يقول :إن دخول الجيش السوري إلى لبنان هوحاجة أمريكية أكثر منه رغبة سورية.

وقد حافظت سورية "حافظ الأسد" على التعامل مع أمريكا من خلال هذه المعادلة -ليس فقط في لبنان بل على المستوى الإقليمي- "بمهنية"من يعرف أين يقف ومتى يبدأ السير. وتجلى ذلك عند ما قبل "الأسد، الأب" أن يرسل فرقة من الجيش السوري لتعمل تحت العلم الأمريكي في الحرب ضد العراق في عام 1991 .

لقد كانت تلك الفترة ضبابية أمام أعين الشعب السوري. فهو من جهة لم يكن مرتاحا لكون الجيش السوري طرفا في التقاتل اللبناني: مرة ضد الفلسطينيين وأخرى ضد الموارنة. فقد كان الإعلام السوري يشوش الصورة قبل انتشار الفضائيات وشبكات الإنترنت. أما الآن، فإن ما أوردته حول الموضوع يعرفه كل الشعب السوري، ويشعرون بالشفقة على من لا يزال يوهم الناس بأن سورية "البعث" كانت وما زالت قلعة الصمود والتصدي في وجه أمريكا.

ومع مجيء الرئيس بشار إلى الحكم في تموز من عام 2000 ،تغيرت المعادلة بعض الشيء، وبدأنا نرى بوادر اختلاف في التعاطي مع أمريكا، وإن كان "على الخفيف" كما يقولون. ربما يكون مرد ذلك إلى محاولة الانعتاق، ولو بعض الشيء، من الإسار الأمريكي، أو أنه ناشئ عن الاختلاف في التكوين النفسي للأسد الابن عن الأسد الأب.

وقد كان للحدة في لهجة الخطاب السوري ،قبيل احتلال العراق، أثر كبير في توتر العلاقة بين سورية وأمريكا. ورأت الأخيرة أنه لا بد من أن تضع حدا لهذه النزعة الاستقلالية عند الرئيس بشار الأسد، فأرسلت وزير خارجيتها "كولن باول" إلى دمشق في أيار من العام الماضي ومعه قائمة طويلة من الطلبات الأمريكية، (ليس أقلها طلب إرسال قوات سورية إلى العراق للجم المقاومة) لم تشهد سورية مثلها منذ إنذار "غورو" للحكومة السورية قبل الاحتلال في عام 1920، فحاولت سورية اللعب على عامل الوقت لامتصاص الغضب الأمريكي.

وفي ظل الفشل الذي تعانيه أمريكا في مستنقع العراق من جهة، وإصرار أمريكا "المحافظين الجدد" على انصياع سورية لقائمة الطلبات التي حملها "باول" معه إلى دمشق من جهة أخرى، وتحت محصلة هذين التوجهين، بدأنا نشهد مدا وجزرا في المواقف السورية، وكأن النظام السوري قد أضاع بوصلة الاتجاه الصحيح.

المراقبون المخضرمون للعلاقة بين سورية ولبنان، يجزمون بأن النظام السوري، وتحت رغبته في إبقاء لبنان تحت وصايته، قد يكون أوقع نفسه تحت وصاية أممية بموجب القرار 1559 ، وبالتالي تحت الوصاية الأمريكية، التي تجيد ابتزاز الجميع بمن فيهم دول مجلس الأمن. ففي سبيل الحصول على حليب الماعز اللبناني أُدخل الذئب الأمريكي إلى الحظيرة السورية. 

الآن، وبعد أن وقع "الفاس في الراس"، وصدر القرار 1559 ، رأينا دمشق تحاول جاهدة معاودة تطوير الحوار مع أمريكا، كمخرج لها من مأزق هذا القرار،الذي أضاف ضغطا فرنسيا إلى الابتزاز الأمريكي. وقد شعر المسئولون السوريون بالارتياح لمجيء نائب وزير الخارجية الأمريكي "بيرنز"،ظنا منهم أنه جاء مفاوضا،ثم تبين أنه كان مصحوبا ب"أجندة أمريكية وطلبات إضافية".ومع ذلك فقد "فبرك"المزايدون في الإعلام السوري رواية مختلفة لما جاء به "بيرنز"إلى دمشق تصب في خانة المكاسب. غير أن قراري مجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين ،اللذين نددا بسجل سورية في مجال حقوق الإنسان، أحبطا "فبركة" هؤلاء المزايدين.

روايات متعددة لملابسات إصدار القرار 1559 .

يزعم بعض الناس أن لديهم معلومات لا يملكها الآخرون عن معطيات غير معلنة أو متداولة، تؤكد بأن قرار مجلس الأمن الأخير بحق لبنان رقم 1559 ،لم يخرج عن نطاق الاتفاقات التي كانت تجري من تحت الطاولة بين سورية وأمريكا منذ أكثر من ثلاثة عقود، ما يعني بقاء  التفاهم بين الدولتين حول الوضع في لبنان.

ويضيف هؤلاء بأن هذا القرار جاء إرضاء لفرنسا التي ما تزال تتهم أمريكا بأنها أخذت مكانها في لبنان. ولا ينكر هؤلاء أن هذا القرار قد يكون سلاحا مزدوجا يستخدم في ابتزاز سورية وفرنسا في نفس الوقت، حسب ما تقتضيه المصلحة الأمريكية.

بينما يشير آخرون إلى أن قرار مجلس الأمن الأخير رقم 1559 ،أكد أن الطلاق بين أمريكا وسورية طلاق بائن، ولا رجعة فيه. وأن أمريكا أطلقت صافرة البدء لتغيير استراتيجي مرقوب في هيكلية الحكم في سورية(يستشهد هؤلاء بخطاب بوش في الأمم المتحدة الذي قال فيه "مضى عهد وقوف أمريكا إلى جانب الدكتاتوريات ضد شعوبها")، وأن المسألة مسألة وقت ريثما يتم عمل فرز بين القوى الموجودة على الساحة السورية ،حصرا،واختيار من يوافق من هذه القوى على الدخول في دائرة مجلس حكم من نوع ما، ليس بالضرورة أن يكون على منوال مجلس الحكم العراقي، ولكنه بالتأكيد عليه أن يبتعد عن الطروحات المعادية لأمريكا وإسرائيل، وأن يؤسس لقيام حكم ديموقراطي من نوع ما، منزوع المخالب والأنياب ضمن منظومة شرق أوسط جديد.

ويستشهد أصحاب هذه النظرية بقراري مجلسي الكونغرس الأخيرين، الذي يندد بسجل سورية في حقوق الإنسان. ويضيفون برهانا آخر هو أن "بيرنز" ،بعد لقائه الموسع بالرئيس بشار الأسد ،انتحى به جانبا،واعتذر إليه بلطف قائلا:إنه أحضر معه بيانا مكتوبا معدا من قبل في واشنطن.  ثم تلا البيان على الصحفيين.ما يعني أن برنامج اللقاء لم يكن حوارا ،بقدر ما كان إملاء طلبات  على النظام السوري أن ينفذها وفقط .

ويخرج فريق ثالث ليقول إن حقيقة الأمر هي بين بين. فتعديل الدستور اللبناني –برأي هذا الفريق- ما كان ليتم لو لم يكن هناك ضوء أخضر مبدئي أمريكي حول التمديد حصرا، حيث لا طموح أمريكيا في من يكون رئيسا للبنان. ولكن لا تساهل أمريكي في باقي متطلبات القرار 1559 .

وأيا كان الاحتمال الأصح بين الافتراضات السابقة، فإن ما هو مؤكد، أن ما بعد القرار الأخير يختلف حتما عما قبله،لجهة سورية وعلاقتها بمجمل الأوضاع في المنطقة. وأن صيغة التخفيف التي أجريت على نص القرار بأن تخرج كل القوات الأجنبية الموجودة على الساحة اللبنانية، بعد أن ذكرت القوات السورية تحديدا في نص القرار قبل التعديل، ما هو إلا عملية تجميل لا أكثر ولا أقل، لماذ؟. 

صحيح أن القرار 1559 ،اتخذ بأغلبية ضعيفة -تسعة أصوات فقط- كما راهن على ذلك الدكتور "أحمد الحسن" وزير الإعلام السوري السابق، إلا أن الصحيح أيضا أن أمريكا ما استطاعت قبل غزو العراق أن تحصل على موافقة تسع دول أعضاء في مجلس الأمن، ولذلك سحبت مشروع القرار المعد لإجازة استخدام القوة ضد العراق، ولم يمنعها ذلك من غزو العراق وإسقاط نظام الحكم السابق.

الشيء المهم الآخر أن القرار وضع سورية تحت عدسة المراقبة الأمريكية. ولا يقلل من هذا الأمر التصريحات التي صدرت عن بعض المسئولين السوريين بأن القرار 1559 أقل سوءا مما كان متوقعا، وأن الحكومة السورية ارتاحت لما ورد في تقرير أنان بعد شهر من فرض القرار أعلاه. والكل يعرف أنه لا يوجد ما يطمئن طالما أن الابتزاز الأمريكي لمجلس الأمن وللمجتمع الدولي، ولسورية،أولا وأخيرا، قادر في أي لحظة على استصدار قرارات تضيّق الخناق على سورية. ولقد رأينا كيف استطاعت أمريكا أن تفرض منطقتي حظر طيران في شمال العراق وجنوبه من دون أن يكون ذلك واردا في نص قرار مجلس الأمن، الذي تم بموجبه إنهاء القتال بعد عاصفة الصحراء في شباط عام 1991 .

الأمر الآخر الملفت للنظر، هو ضياع بوصلة الاتجاه الصحيح في تصرفات المسئولين السوريين. لقد كانت يد سورية طليقة في لبنان تحت بصر وسمع أمريكا، ما يقرب من ثلاثة عقود، ولم يكن هذا بدون ثمن مدفوع من سورية مقابل هذا الكرم الأمريكي "الحاتمي". ولم يكن ذلك الثمن سرا على أحد في المنطقة.ولقد كانت الرياح تهب باتجاه سير السفينة السورية في لبنان، وكل ذلك معروف ومُدرَك، ولكن أيضا ليس من دون ثمن.

ولقد كان على صانع السياسة السورية أن يدرك أن الرياح حولت اتجاهها وبدأت تهب في عكس اتجاه سير السفينة بعد 11 أيلول "سبتمبر"،وخصوصا بعد اتفاق "بوش" و"شيراك" – وهما المختلفتان في سياسة كل واحد منهما تجاه أزمات الشرق الأوسط- في لقائهما في باريس يوم 5 حزيران "يونيو" الفائت، الذي أكد على ترك اللبنانيين يختارون رئيسهم من غير تدخل ومن دون تعديل الدستور. وكان ينبغي إدراك أن ذلك الاتفاق لم يكن للاستهلاك الإعلامي.

وقد فهم الناس معنى قول الرئيس "بشار الأسد" في جولته الخليجية الأخيرة "إن اللبنانيين يحبون التغيير"، وأن سورية تقف على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين. وظنوا أن النظام السوري فهم الرسالة الأمريكية الفرنسية، ما يعني أن الانتخابات الرئاسية اللبنانية ستجري على أساس الدستور اللبناني في نسخته الأصلية. ولو فعلت سورية ذلك، لكانت ،على الأقل، سحبت الذريعة الأمريكية، ولن تخسر سورية لأن أي رئيس جديد لن يختلف عن الرئيس "لحود"، في علاقته مع سورية، وما كانت أمريكا لتعارض الرئيس الجديد.

المتفائلون بقرب انتهاء الأزمة بين دمشق وواشنطن اعتبروا "إعادة الانتشار" للقوات السورية الذي أعلنه السفير السوري من واشنطن، " أول الرقص السوري"، وأن المصافحة الباسمة بين الوزير "باول" والوزير "الشرع" خطوة على الطريق. بينما حذر المتشائمون من الانخداع بابتسام "باول"، واعتبروها أنياب ذئب كشر عنها.

نشير هنا إلى بعض الفقرات التي وردت في تقرير "أنان" الذي وزع يوم 2 تشرين أول الجاري ، حيث أكد فيه: بأن على "الحكومات والقادة عدم البقاء في المناصب ما بعد حدود ولايتهم". وأشار إلى سورية بالاسم عند ما ذكر أن تمديد ولاية لحود "كان نتيجة لتدخل مباشر لحكومة سورية".

ومع ذلك قرأنا أن دمشق أبلغت موفد الأمين العام إلى المنطقة"تيري رود لارسن" اعتبارها تقرير "أنان" منصفا، وذلك قبل أن تصدر مواقف سورية لاحقة تتحدث: عن عدم دقة "التقرير"، والرغبة في الرد عليه. وهذا يشير إلى التخبط الذي يطبع السياسة السورية، بعد القرار 1559 ، مما نتج عنه تصريحات متضاربة لمسئولين سوريين.  

أخيرا: يتساءل السوريون عن المغزى الذي يشير إليه هذا الكم الهائل من التعليقات في الصحف العربية، وأغلبها ينتقد المقاربة السورية للأزمة؟ حتى أن نشرة "كلنا شركاء" تفرد يوميا بابا تسميه"الملف السوري الأمريكي" تزيد صفحات المقالات فيه عن ثلاثين صفحة.ويتساءل آخرون :"ما عدا مما بدا"؟بعد أن كانت تلك الصحف–أيام العسل مع الطحينة-تحاذر من مجرد الاقتراب من الشأن السوري. فهل هو ضوء أخضر أمريكي؟ أم أن الصحف "بدها تحكي....".

 

    كاتب سوري يعيش في المنفى   عضو مؤسس في رابطة أدباء الشام