هل تبقى المعارضة تراوح مكانها أم

سيكون مؤتمر البعث القادم حافزاً للتغير

 

أسامة المصري:

 

خلال عدة عقود من التاريخ المعاصر لسوريا بقيت أحزاب المعارضة في سوريا كما حزب البعث وأحزاب الجبهة الوطنية تغط في نوم عميق وكل زعيم أو قائد حزب وضع برنامجه السياسي كوسادة تحت رأسه ولم يصحو على الرغم من صوت الطائرات والقنابل والصواريخ التي دوت في أكثر من مكان قريب أو بعيد من حدود سوريا، وعلى الرغم من أن خارطة العالم السياسية قد تغيرت بانتهاء الحرب الباردة وسقوط ما كان يسمى دول المنظومة الاشتراكية، وتحول أوروبا بكل تنوعها وتعددها القومي نحو الوحدة السياسية التي ستشكل عما قريب ثاني أكبر قوة اقتصادية وسياسية في العالم، وعلى الرغم من أن  سوريا دولة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها العشرون مليون نسمة فإن أحزابها في السلطة والمعارضة مازالت تحمل أيديولوجيات قائمة على إلغاء الآخر وعدم الاعتراف بوجوده سواء كان هذا الآخر خصماً سياسياً أو يختلف بالعرق أو الدين أو بالعقيدة كما هي حالة الأحزاب الماركسية والقومية والدينية ورغم كل ما حصل من تغيرات في العالم خلال الأربعة عشر عاماً الماضية نجد أن لا جديد تحت شمس سوريا التي أصبحت حارقة، و أصبحنا مهددين بوجودنا ليس الثقافي فقط.

مضى على تسلم الرئيس بشار الأسد أربع سنوات وقد راهنت أحزاب المعارضة وقبل ذلك الشعب السوري على التغيير بعد الانفراج النسبي الذي حصل إثر تسلم الرئيس مقاليد السلطة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا تنتظر أحزاب المعارضة التغيير من السلطة دون أن تنظر هذه الأحزاب إلى نفسها وتعمل على إعادة النظر في برامجها ومنطلقاتها النظرية والأيديولوجية، وما زالت في سباتها ما خلا بعض النشاطات التي تتبدى كعمل سياسي وهو أقرب لأن يكون حركة زعماء عشائر  إذا تحركت وعمل منتديات طلبة إذا عملت ولديها صحافة ما تزال تعمل بطريقة القرن التاسع عشر.

لقد مضى على تأسيس بعض الأحزاب ثمانون عاماً وبالنسبة لأخرى خمسون عاماً وأحزاب تظن أنها ما زالت حديثة السن لكن عمرها ربما تجاوز الثلاثين عاماً لكن دون أن تجري أي تغيير ذو معنى وما زال بعضها يظن أنه يمتلك الحقيقة المطلقة وأن برامجه وأيديولوجيته صالحة لكل زمان ومكان وربما في أحيان أخرى تفكر بتصديرها أو تعميمها على دول ومناطق أخرى من العالم لغنى فكرها وتجربتها.

ليس المطلوب من السلطة فقط التغيير وأعتقد لو أن أحزاب المعارضة بادرت باتجاه تغييرات جذرية في برامجها وأساليب نشاطها وعملها لكان من الممكن أن تدفع السلطة وأحزابها على التغيير ويكون لديها حافزاً أكبر للتغيير وكان من الممكن ضمن الأجواء التي سادت خلال السنوات الماضية أن تساهم المعارضة بشكل أكثر إيجابية لو استطاعت تجاوز حالتها المستعصية قبل أن تطالب السلطة بذلك فإذا كان من المفهوم أن أي تغيير ذو معنى يطال بنية وبرامج ومنطلقات أحزاب الجبهة الوطنية سيؤثر على مصالح ومواقع هذه الأحزاب في الخارطة السياسية السورية وفي موقعها من السلطة لكن بالنسبة لأحزاب المعارضة التي من المفترض أنها لن تخسر شيئاً طالما هي أصلاً غير مستفيدة من السلطة وربما ما تحدثة من تغييرات سيكسبها مصداقية أكثر اتجاه أعضائها وأنصارها إن لم نقل شعبية اكثر لدي الشعب ففي كل أنحاء العالم نجد أن الأحزاب السياسية  تعبر عن مصالح فئات معينة من شعبها في حين نجد أن الأحزاب في سورية لم تعد تعبر سوى عن قيادييها وكوادرها سواء كانت في الجبهة أو في المعارضة ولم تعد برامجها ورؤاها السياسية سوى أحلام و أوهام كانت فيما مضى تدغدغ مشاعر وطموحات  مواطنيها من خلال الشعارات الفضفاضة التي رفعتها إثر مرحلة التحرر الوطني أو بعد الاستقلال سواء كانت هذه الشعارات وحدوية أو اشتراكية أو ما شابه ذلك.

لقد انطلقت الأحزاب في سوريا من خلال ثلاث تيارات فكرية قومية وماركسية ودينية وقد فشلت هذه التيارات الفكرية في تحقيق أي من الشعارات التي رفعتها عبر مسيرتها الطويلة وليس ذلك وحسب بل إن الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي قد سار باتجاه مأسوي ويكفي الآن ازدهار التيارات السياسية الدينية الأصولية وغياب لأي دور فاعل للتيارات السياسية الثلاث أما على الصعيد الاقتصادي فإن أكثر من نصف المجتمع السوري يعيش  تحت أو على خط الفقر إضافة إلى البطالة و بالمستوى الاجتماعي فإن التفتت الاجتماعي وتعدد الولاءات ما دون الوطنية إضافة إلى الأمراض الاجتماعية الأخرى كالأمية وتدهور مستوى التعليم وانهيار منظومة القيم الأخلاقية كل ذلك والأحزاب السياسية السورية ما زالت تنام فوق وسادة برامجها وشعاراتها التي لا تعرف الأجيال الحالية أي شيء عنها ولا على ماذا تختلف خاصة إذا عرفنا أن ضمن كل تيار فكري أو سياسي هناك أحزاب تحمل نفس الاسم كالشيوعيين أو البعثيين أو الناصريين وكذلك بالنسبة للإخوان المسلمين وتلويناتهم وجماعاتهم الدينية والسياسية أما عن الأحزاب الكردية فحدث ولا حرج فهي الأخرى أصيبت بداء الانقسام والتفريخ ومن الصعب بالنسبة لأي مواطن سواء كان كردياً أم غير كردي التمييز بينها بعد أن مضى على تأسيس بعضها قرابة الخمسون عاماً دون أن تقدم لمن تتحدث باسمهم أي شيء حتى ولو كان بسيطاً وما زالت هي الأخرى قومية في بنيتها رغم وطنية مطالبها.

ألم يحن الوقت لوعي الواقع من قبل الأحزاب السياسية خاصة بعد كل هذا الفشل الذريع إن كان على الصعيد العربي ومسار العمل العربي المشترك وشعاراته المتتالية من التضامن إلى التنسيق إلى آخر تلك المصطلحات التي دأبت على استخدامها الجامعة العربية وأنظمتها سائرة بالعمل العربي في خط انحدار تسارعت وتيرة انحداره في السنوات الأخيرة وكذلك الأمر بالنسبة للأحزاب الكردية السورية خاصة أنها ترفع شعارات مطلبية و تعلن دائماً التمسك بالوطنية السورية وأنها لا تفكر بأي انفصال إلا أنها لم تحاول تجاوز نفسها إن كان في برامجها أو نشاطاتها واهتماماتها. أليس من واجب الأحزاب السورية الآن وأكثر من أي وقت مضى أن تضع برامجها وفكرها وأيديولوجيتها على طاولة البحث إن لم نقل التخلي عن هذه البرامج بالكامل لصالح برامج تلامس هموم وحاجات الشعب السوري ذات طابع وطني ديموقراطي تقوم على أساس احترام حقوق الإنسان وعلى الاعتراف بالآخر في بلد فيه من التعددية القومية والدينية والطائفية بحيث لا يسمح هذا التنوع الذي عاش لفترة وجيزة يعبر عن انتماؤه للوطن بدل الانتماء للقومية أو الدين أو الطائفة أو العشيرة في فترة الكفاح الوطني وما بعد الاستقلال، ألا يستحق وجودنا بتنوعه وامتداده العميق في التاريخ أن نحترمه ونحترم تاريخ و ثقافة صنعها الجميع ، ألا يجب أن يسأل أصحاب الفكر السياسي القومي المتعصب كيف يمكن لمواطن يعيش تحت أو على خط الفقر أن يكون لديه هموم قومية أو أنه ينضوي تحت رداء تلك الشعارات التي مل سماعها وهي لن تغنيه عن الجوع أو الحاجة إلى التعليم والحرية والشعور بالأمان مثلاٌ .

أليس من واجب جميع الأحزاب الموجود في سورية وخاصة الكوادر والقيادات أن تبدأ بإعادة النظر بأساليب عملها ونشاطاتها وسياساتها كما برامجها ومنطلقاتها النظرية والأيديولوجية إذا كانت هذه الأحزاب حريصة على مستقبل الوطن وأن تتعامل مع الواقع لا مع الأوهام والأحلام فالشعب السوري مل الخطب والشعارات نحن في سوريا قوميات وأديان وطوائف متعددة لكن ما يجمعنا أننا كلنا سوريون ولدنا في سوريا ونعيش فيها ولأجلها ومن حق الأجيال القادمة على القيادات الحزبية أن ترسم لها معالم مستقبل أفضل. والتخلي عن هذه الأيديولوجيات التي لم نجني منها إلا مزيد من التشرذم والتفتت  لمجتمعنا السوري، و العمل على التغيير باتجاه التعبير عن مصلحة الوطن وبما يتلاءم مع الواقع و متطلباته وكي لا تساهم هذه الأحزاب في تعميق الشروخات التي حصلت في المجتمع السوري عبر سنوات من سيادة التيارات الفكرية الثلاثة التي تبنت برامج طوباوية لا يمكن كما أثبت الواقع تحقيق أي من أهدافها لا على الصعيد القومي ولا الوطني وأي حديث عن حوار أديان أو قوميات وثقافات وسياسات غير ذي جدوى في ظل هذا الواقع الذي يتمترس فيه القادة وأحزابهم وراء رؤاهم الأيديولوجية المتعصبة، وحيث أصبح من الضروري العمل على تجاوز هذا الواقع المتخلف الذي لا مكان فيه لرؤية الآخر فما بالك بالحوار معه. فلكل دينه و معتقده وأصله والوطن للجميع فلنعمل لأجله.