تركيا وعضوية  الاتحاد الأوروبي...

أربعون حولاً من الانتظار ونصفها أو ربما مثلها من التفاوض!

عبد اللطيف مهنا

 

انتظر الأتراك أربعين حولاً على أعتاب الاتحاد الأوروبي، أي منذ وضعت أول لبنة فيه ليغدوا فيما بعد اتحاداً كما هو عليه الحال الآن. وظلوا طيلة الوقت يلحّون ليؤذن لهم بالدخول، ويجهدون ليقبلوا عضواً فيه. يدفعهم لذلك وازعان:

الأول، إخلاص الطبقة السياسية التركية المتنفذة، ما قبل وصول الإسلاميين للسلطة، للأتاتركية وموروثها الكمالي ذو الاستماتة لأكثر من سبعين عاماً في سبيل أوربة تركيا والقطيعة التامة ما أمكن مع محيطها الجغرافي والحضاري، حيث دأبت "العلمانية التركية" ذات  المقاييس الكمالية على محاولة تغيير جلود الأتراك وقطع صلاتهم مع ماضيهم انسجاماً معه هذا التوجه التغريبي، بدءاً بإلغاء الطربوش وإحلال القبعة مكانه، مروراً باستبدال الحرف العربي باللاتيني، وانتهاءً بإقفال المساجد.

والثاني: طمعاً في مغانم العضوية في جوانبها الاقتصادية والتنموية الموعودة، حيث يرون أمامهم النموذج الأسباني والبرتغالي المغري، وكيف انتشلت المساعدات الأوروبية هذين البلدين ليغدوان على ما هما عليه اليوم من تطور يحسدان عليه، كما أن رغبة الأتراك الدفينة في أن يشكل بلدهم جسراً بين الشرق والغرب ومركزاً في الأول يلعب دوراً يرونه منشوداً ضمن إستراتيجيات الاتحاد الأوروبي الاقتصادية الثقافية، وحتى السياسية، تشكّل دافعاً قوياً مشجّعاً على الاستماتة في سبيل التحاقهم، وإن تأخر، بركب الاتحاد مهما عزّ المنال، وتمنعت أوروبا أو تلكأت أو ناورت وماطلت في سياق حرصها، الدفين أيضاً، على صدهم. وهو الصد الأقرب إلى رفضهم مواربةً، مع سعيها إلى النأي بنفسها عن هذه التهمة ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً... أوليس من أجل هذا تحرص تركيا، في هذه الأيام القليلة الماضية، على استضافة المنتدى الوزاري الأوروبي الإسلامي الذي امتنع الاتحاد الأوروبي عن حضوره بحجة دعوة قبرص التركية إليه، بالإضافة إلى ندوة أطلقوا عليها "تناغم الحضارات وتفاعلها"؟!

أخيراً، أوصت المفوضية الأوروبية ببدء المحادثات أو المفاوضات حول مسألة عضوية تركيا العتيدة للاتحاد، مرفقةً توصيتها هذه بمجموعة من الشروط القاسية التي لم تواجه أي عضو آخر من أعضائها المنضمين لها حديثاً من الشرق الأوروبي، وزادت فحذرت من أنها "ستوصي بتعليق المفاوضات عند حدوث أي انتهاك خطير" من قبل الأتراك لهذه الشروط. ولم تكتف بذلك بل شددت على أن هذه "المفاوضات بطبيعتها عملية مفتوحة لا يمكن ضمان نتائجها مسبقاً" كما، وزيادة في الإيضاح، لم يتوانى رئيس المفوضية برودي، محذراً:

إن "رد المفوضية نعم، إلا أن هذه نعم مشروطة... الرصيد الذي تمنحهم إياه ليس شيكاً على بياض". وتبع ما قاله برودي كلاماً أكثر صراحةً جاء على لسان أكثر من مسؤول أوروبي يقول: إن الانضمام التركي للحظيرة الأوروبية "ليس مؤكداً". بل حتى هذه المفاوضات التي من المحتمل أن تترتب على توصية المفوضية الأوروبية ووفق شروطها، تظل في إطار التوصية فحسب، تلك التي تقول أن تركيا قد أوفت بما يعرف "بمعايير كوبنهاغن"، أي دفتر شروط الأوروبية لقبول عضويتها، وعليه ترى المفوضية أنها قد "استكملت شروط التفاوض حول العضوية الكاملة"... أي لن تدخل هذه التوصية في السياق العملي قبل أن يقرر الاتحاد الأوروبي بدءها في مؤتمره المنتظر، أي قمة كوبنهاغن، بداية العام القادم. بل وحتى إن بدأت هذه المفاوضات فقد تستمر لأكثر من عقدين قادمين، ويقول المفوض الأوروبي لشؤون توسيع الاتحاد غونتر فيرهويغن إن أي دوله من دول الاتحاد يمكنها أن توقف العملية إذا شاءت!

لعله هنا بالضبط مكمن انزعاج الأتراك من التصريحات الفرنسية المطالبة باستفتاء الشعب الفرنسي حول الأمر، والتي بدأها وزير المالية نيكولا ساركوزي، المرشح لخلافة الرئيس جاك شيراك، عندما طالب بإجراء الاستفتاء ، مؤكداً أن تركيا لن تنضم إلى الاتحاد لمدة خمسة عشر عاماً قادمة، ثم جاء تأييد الرئيس شيراك نفسه مكرراً ما قاله وزيره. كما أن انقره ليس من السهل عليها نسيان ما يعنيه قول الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جسكار ديستان من أن تركيا ليست أوروبية وعاصمتها تقع خارج أوروبا!

باختصار يشعر الأتراك أن ما يدعونه بأسف يشوبه الغضب "النادي المسيحي" لا يريدهم، أو ليس من السهل عليه ابتلاع مسألة عضويتهم بين صفوفه، ويشعرون أكثر فأكثر بأن القارة العجوز لا تقوى على نسيان حصار أسلاف أحفاد محمد الفاتح وسليمان القانوني لفيينا بعد... كما أنها ليست في وارد الاستجابة المأمولة لنداءات رئيس الوزراء التركي رجب الطيب اردوغان القائلة: إن تركيا تعتبر نفسها جزءاً من "مجموعة القيم" الأوروبية، وإنها أنجزت ما عليها من واجبات، لذا "حان الوقت للذين حددوا هذه الواجبات أن يفعلوا ما هو ضروري"، وعليه، طبقوا علينا ذات المعايير التي طبقتوها على 25 دولة عضوية في الاتحاد... كما لم تجد فتيلاً تأكيداته بأن حزبه الحاكم ليس إسلامياً، وأن مرجعيته ليس الدين، وإنما الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان! وإن انضمام تركيا للاتحاد سيعني "المصالحة بين الحضارات"...

بل لعل الأتراك يدركون بمرارة أنه حتى وإن قبلوا في الاتحاد، أي حصلوا على ما هو أكثر من "الشراكة المميزة" التي يريدها الأوروبيون لهم، فسيظلون أوروبيين من الدرجة الثانية، ورهن الإحساس بأنهم المشتبه في أوروبيتهم، وينظر لهم كدخلاء ينتمون إلى الآخر. وهم لن ينخدعوا بذرائع معلنة للمعارضين لانضمام بلادهم للاتحاد، مثل: حجة "التكلفة المالية" لهذا الانضمام. كما لن تجد في إقناعهم بغير ذلك مظاهر الحفاوة التي يستقبل بها رئيس وزرائها رجب اردوغان في جولاته الأوروبية، حيث يصفه المستشار الألماني شرويدر، وهو يسلمه جائزة كوادريغا تقديراً للإصلاحات التي قام بها، بأنه "رجل العام في أوروبا"!

والآن وفي معمعة خطب الود من الجانب التركي والصد المناور الأوروبي، هل انتظرت تركيا أربعين عاماً على أبواب الاتحاد لتصرف نصفها أو حتى مثلها في التفاوض عسى أن يسمح لها بولوج الجنة الأوروبية غير السهل ظاهراً والممتنع جوهراً؟

هناك من يقول أن الأتراك ممثلين في حزب العدالة والتنمية الحاكم لا يهمهم دخول الاتحاد بقدر ما يهمهم الإفادة من ما يتيحه لهم الأمد غير المنظور للتفاوض حول هذا الدخول، بمعنى أن الاستجابة للاشتراطات الأوروبية القاسية طمعاً في إنجاح هذا التفاوض هو مطلب وهدف بحد ذاته بل ورقة في يدهم تتيح لهم الانعتاق نهائياً من إرث سيطرة العسكر الثقيل، وتساعدهم على تقليم أظافر الأتاتوركية المتجذرة، ومن ثم المضي قدماً في مشروعهم لبناء دولة إسلامية عصرية على طريقتهم الخاصة.

إذا أن رزمة الاشتراطات الأوروبية وعملية الاستجابة لها سوف تؤدي فيما تؤدي إلى ذلك، فالطلاق مع التعصب القومي وقمع الأكراد مثلاً، وحرية التدين أو الكف عن معاداة الدين، أو إطلاق الحريات إجمالاً، والقطيعة مع الانقلابات، والكف عن النفخ في قربة معاداة الجوار، والقطع مع المحيط، أو التخلي عن مسخ الهوبة التاريخية والثقافية للأتراك، كل ذلك يعد طلاقاً بائناً مع أهم سمات الأتاتوركية، ويصب في طاحونة إسلامي تركيا الذين يحظون بدعم شعبي واسع يعززه حربهم الجادة ضد الفساد المستثري لعقود في الطبقات السياسية التركية... إذن رب  ضارة نافعة!

لقد نقل عن وزير الخارجية عبد الله غول قوله:

"نحن لا نصلح بلادنا فقط من أجل الوفاء بالمعايير الأوروبية، لدينا جدول أعمالنا الخاص ومتطلباتنا التي تتجاوز ما يريده الأوروبيون منا، أنها ثورة صامتة تلك التي تجري هذه الأيام في تركيا... أنا ورئيس الوزراء رجب الطيب اردوغان ننتمي إلى جيل تعرّض للاضطهاد السياسي الذي أصبح من التاريخ ولن يتكرر أبداً. صارت المؤسسة العسكرية للمرة الأولى في تاريخ تركيا الحديثة تحت رقابة السلطة المدنية. لم تعد تستطيع أن تنفق ليرة واحدة على الجيش  من دون موافقة مجلس النواب. لقد عينت بنفسي مؤخراً شخصاً مدنياً من السلك الدبلوماسي أميناً عاماً لمجلس الأمن القومي، الذي لم يعد مركزاً للحكم أو لصناعة القرار التركي، بل صار مجرد هيئة استشارية"...

وإذا كان هذا هو حال الأتراك والأوروبيين، أي ووفق فهم كلا الطرفين للمسألة بإبعادها وتعقيداتها، والمستور منها قبل المعلن، يجتمعان على هدف التفاوض بغض النظر عن نتائجه... فالأتراك يحتاجون وقتاً يوفره التفاوض لإرساء مهام تتيحها لهم التهيئة للانضمام الذي قد يتم أو لا يتم، والأوروبيون في حاجة لتفاوض يبعد عنهم تهمة رفض الشريك المسلم، وينأى بهم عن ما يوصمهم بمقاربة صراع حضارات، أو المشاركة في الحرب على الإسلام تحت مظلة ما يسمى الحرب على الإرهاب... هل انتظر الأتراك أربعين حولاً على عتبات البيت الأوروبي ليمضوا نصفها إن لم يكن مثلها بانتظار دخولهم إليه؟!

الطرفان لا يطرحان هذا من حسابهما، بل يقولان أنهما يتوقعانه!