موفاز... بين أحلام اليقظة والفرصة المواتية لتحقيقها!

عبد اللطيف مهنا

 

لخص المجلس الأمني المصغر في الحكومة الإسرائيلية المراد من وراء المذبحة التي أرسلت إسرائيل جيشها ليرتكبها شمالي قطاع غزة تحت مسمى "أيام الرد"، وفي تسمية أخرى "أيام الندم"، بهدفين: "جباية ثمن باهظ" من الفلسطينيين كرد على مقاومتهم، وإيجاد منطقة عازلة بين بيت حانون وبيت لاهيا الفلسطينيتين تشبه شبيهتها العازلة بين الرفحين الفلسطينية والمصرية أو ما يطلقون عليه محور "فيلادلفي". ميدانياً كانت جباية هذا الثمن ما كان من الاحتلال دائماً وما سيتبع راهناً ومستقبلاً، أي عشرات الشهداء وعشرات عشرات الجرحى  بين المدنيين الفلسطينيين وفي المقدمة دائماً الأطفال والنساء، أما المنطقة العازلة فترجمتها مئة دبابة وما يتبعها من جرّافات تدميراً وتجريفاً لعشرات المنازل، وإزالة مساحات واسعة من الأشجار وإتلاف عديد المزارع، والحبل على الجرار... المنطقة العازلة هذه أعلن عن إنجازها بعمق ستة كيلومترات.

هل من جديد هنا، أو هل من شيء فعله الإسرائيليون في هذه المنطقة المنكوبة لم يفعله سابقاً فيها أو في سواها من المناطق الفلسطينية في الضفة والقطاع المحتلين؟

يجيب الإسرائيليون في وسائط إعلامهم على هذا السؤال بالقول: إنه القيام بكل ما قاموا به سابقاً لكن بقوة تدميرية أكبر هذه المرة، أو قولهم بلغة أخرى، الانتقال من خط "العمليات الجراحية" إلى التدميرية الشاملة...

ما تقدم، طرح سؤالاً يطرحه الإسرائيليون قبل أن يطرحه سواهم، يقول السؤال... حيث أصحابه يلاحظون أنه لا العمليات الجراحية الدموية أوقفت ولا التدمير الوحشي الشامل سوف يوقف المقاومة الفلسطينية، إذ أن صواريخ المقاومة لم يتوقف تساقطها على مستعمرة سيدروت، كما أن قذائف الهاون لا زالت تطال غوش قطيف كبرى التجمعات الاستعمارية في قطاع غزة، حتى بعد إنجاز المنطقة العازلة المشار إليها وثلاثة أيام من بدء المذبحة... ترى ما جدوى ما يقوم به جيشنا؟!

ويزيد من إلحاحية هذا الطرح أن الإعلام الإسرائيلي نفسه الذي عكس هذا التساؤل انتقد بشدة "الارتباك الذي بدى لدى القيادتين السياسية والعسكرية أو الأمنية إجمالاً وهما تتخذان قرار المذبحة، فنسمع ونرى، على سبيل المثال، قناة تلفزيونية ساخطة هي العاشرة يقول أحد معلقيها: إنهم، أي أصحاب القرار الإسرائيلي"، لا يعرفون ما ينبغي فعله، ولا جدوى لما يفعلون"!

تجدر الإشارة أن الانتقاد الإسرائيلي هنا منصب على الارتباك في المستوى السياسي والأمني، وانعدام الجدوى، وليس على الإمعان في ذبح الفلسطينيين، ويعكس ضيقاً ناجماً عم مأزق هو تحصيل حاصل واقع معادلة الاحتلال والمقاومة كفعل يستوجب رد فعل ضروري ومنطقي، أو جدلية العلاقة بين النقيضين التي هي من طبيعة الأشياء أو مسلمات التاريخ.

ربما لا جديد في هذه الأسئلة الإسرائيلية أو أجوبة أصحابها عليها، سمعنا كلاماً مشابهاً من قبل، أقربه كان بعيد عمليتي بئر السبع الفدائيتين، عندما قالت صحيفة "معاريف" مثلاً، وهي تقارب الأمر:

المؤسسة الأمنية "كسرت دماغها في محاولة للعثور على رد ولكن عبثاً"، ونقلت عن القادة العسكريين الإسرائيليين قولهم: "ليس لدينا حل سحري"، يوقف مثل هذه العمليات.

إذن، وحيث لا رد ناجع ولا حل شافٍ ولا أمن للاحتلال، لماذا مسلسل "أيام الرد" أو "أيام الندم" الإسرائيلية المتواصلة الذي لا ينتهي سواء قبل قصف مستعمرة سيديروت والعمليات البطولية ضد جيش الاحتلال الأخيرة الموجعة في قطاع غزة أو بعد ذلك؟!

الإجابة لا يمكن البحث عنها في جدلية الاحتلال ومقاومته فحسب... أو كما يطيب للإسرائيليين والغرب الذي أوجدهم ورعاهم ودعمهم ويحميهم ويغطي جرائمهم، اختصاره بالإرهاب الفلسطيني وحق المحتلين الإسرائيليين في الدفاع عن أنفسهم، حيث يتم تحجيم قضية بعدالة وخطورة القضية الفلسطينية بحصرها في نطاق ما تسمى الحرب على الإرهاب، وتصوير شعب كامل بالإرهابي، مع إباحة مطاردته داخل وطنه وخارجه واصطياد مناضليه أينما تسنى اصطيادهم، وأينما وجدوا... وإنما هي موجودة في صلب العقيدة الاستعمارية الصهيونية، وتكمن في جوهر الإستراتيجية التي تلتزمها إن لم يكن كل فغالبية القوى السياسية، بل المجتمعية في هذا التجمع الاستعماري الإحلالي العنصري المتطرف في عدوانيته المتصاعدة المتلازمة في تصاعدها طرداً مع تعاظم إحساسه المتضخم بالقوة المتأتية من بركات الدعم الغربي اللامحدود وفرص العجز العربي المتفاقم المضمونة المردود... ما تقدم ينعكس يومياً في أقوال وتصرفات وسياسات القادة الإسرائيليين، لكن أوضحه، وأكثره صفاقة كان ما جاء على لسان الجنرال شاؤول موفاز، وزير الحرب، أو المشرف على مسلسلات المذابح ضد الفلسطينيين خلال السنوات الأخيرة، في مقابلة أجرتها معه صحيفة "يدعوت احرونوت":

الجنرال، فيما يشبهه أحلام اليقظة، سرد خلطةً خطرة مما يتوقعه وما يرغب فيه، ترتكز في مجملها إلى إحساسه بندرة الفرصة التي تتيحها له المعادلات الدولية والإقليمية، تلك التي غدا في ظلها أمن الاحتلال مطلباً كونياً وذبح الفلسطينيين مسألة دفاع عن النفس، إذ يرى ضرورة الإفادة من هذه المعادلات في تحويل هذه الخلطة إلى أمر واقع، حيث كل الدلائل: ميدانياً، وقد مضى جيشه في الاستفراد بالفلسطينيين الذين ظهرهم غدا إلى الحائط، ودولياً وإقليمياً بعد أن مضت حكومته بعيداً في تحد كل الأعراف والقوانين أو ما تتضمنه مقولة الشرعية الدولية، تدفعه لأن يحلم بتحقيقها، وإن تندغم لديه الخطوط الواهية الفاصلة بين الحلم والواقع المناسب الذي يسمح بترجمته هذا الحلم واقعاً!

ماذا قال الجنرال؟

تنبأ الجنرال أن السلام الإسرائيلي سوف يعم المنطقة في غضون عشرة سنوات لا أكثر دون أن يكلف ذلك إسرائيل التنازل عن أي من أهدافها وسياساتها التهويدية أو الاستراتيجية، أي دونما الانسحاب من كل الضفة الغربية، والأمر نفسه بالنسبة إلى هضبة الجولان السورية المحتلة، رافضاً والحالة هذه رسم حدود للدولة الفلسطينية قائلاً: "من الأسهل رسم حدود دولة إسرائيل: التجمعات الاستيطانية بما في ذلك غور الأردن ستبقى بيد إسرائيل وتوفر لها عمقاً استراتيجياً وحدوداً قابلة للحماية. في الشمال يصعب تحديدها، ولكن الحدود لن تكون مغايرة للحدود القائمة اليوم بصورة ملموسة" وحيث يقول: "في كل الأحوال ليس هناك ما يحول دون استمرار الاستيطان اليهودي في الهضبة" السورية المحتلة يجزم بأن "السوريون لن يصلوا إلى شاطئ طبريا ولن تداعب سيقانهم مياهها"!

ترى ما سر تفاؤل الجنرال هذا؟

موفاز رد ذلك إلى ثلاث:

واحدة منها هي "التطورات الإقليمية والدولية المتغيرة التي تقلص من قدرة الفلسطينيين على المساومة" وتضغط بشدة على سوريا. والثانية: اعتقاده إن اندلاع حروب مع العرب على غرار حرب 1973 "يتقلص شيئاً فشيئاً، والثالثة: ثقة الجنرال بأن إسرائيل، التي ستتخلص من عبئ  قطاع غزة عبر خطة فك الارتباط من جانب واحد المعروفة، سوف تتوصل أيضاً "إلى اتفاقات مع غالبية الدول العربية المحيطة"، معدداً دولاً عربية بعيدة عديدة قال أنه ستكون انطلاقه في العلاقات الإسرائيلية معها إذا استقر الوضع في العراق لصالح البرنامج الأمريكي فيه.

ويمضي موفاز في أحلامه التي ينعشها الواقع المواتي، فيتنبأ بأن "حزب الله سيختفي بعد عشر سنوات"...كيف؟!

لأن إيران، كما يقول، ترعاه "كذراع أمامية لها في لبنان" وهي ستشهد، كما يعتقد، عملية تغيير يتم خلالها تغيير النظام القائم ليغدو، كما يتوقع، "ديمقراطياً موالٍ للغرب. وعندما سيحصل هذا سوف تستأنف العلاقات بين إسرائيل وإيران وستعود العلاقات إلى سابق عهدها، كما كانت في عهد الشاه".

يشارك الجنرال موفاز تفاؤله جنرال إسرائيلي آخر هو رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية اهرون زئيفي، الذي يتوقع أن العام القادم سوف يشهد "حدوث انعطاف إيجابي، بمعنى أنه "سيكون أفضل لإسرائيل لأسباب عديدة من بينها تعرض سوريا للضغوط الإسرائيلية والأمريكية...

قد يقول قائل:

تصريحات موفاز وزئيفي تعكس مأزقاً، كما أنها إلى جانب كونها تقع في سياق الضغوط والحرب النفسية، هي موجّهة إلى الداخل الإسرائيلي من أهدافها التخفيف من تداعيات الفشل في العثور على رد ناجع على عمليات المقاومة الفلسطينية، واستحالة توفير الحلّ السحري المطلوب... وأخيراً تقع في سياق مستلزمات خطة شارون المشار إليها...

كل هذا صحيح، لكن، هل من فارق بين ما ترمي إليه خطة شارون هذه، التي يمكن اختصارها في غزة مقابل تهويد الضفة مع ما يتنبأ به موفاز للضفة مستقبلاً؟

وهل ما يقوله حول الجولان يتناقض في قريب أو بعيد مع ما اعتاد قوله شارون وقبله نتنياهو، وقبلهما باراك؟!

ثم أوليس ما يتمناه من زوال لحزب الله أو تغيير مستحب في إيران، أو إعادتها إلى أيام الشاه، أو إخضاع للممانعة السورية أو كسر للإرادة الفلسطينية، كان ويظل من ألف باء السياسات الغربية والإسرائيلية القائمة والمستمرة؟!!

الجنرال موفاز لم يأت بجديد يختلف عما حلم به سواه من القادة الإسرائيليين، ربما الفارق بينه وبين زملائه أنه، بمساعدة الظرف المواتي، كان يحلم بصوت عال، أو تماهت أحلامه مع الواقع بفضل التطورات الدولية المواتية لترجمة الأحلام الصهيونية التي لم تتبدل أو تتغير إلى واقع... هل هذا ممكن؟!

سؤال على العرب جميعاً الإجابة عليه إن سلباً أو إيجاباً، وهم رغم تردى الحال لا زالوا قادرين على إيقاظ الجنرال من أحلامه الخطرة، هذا إذا ما توفرت الإرادة السياسية، حتى في أدنى حدّها... ونقول جميعاً، لأنهم دونما استثناء يقعون تحت طائلة "جباية ثمن باهظ"، وليس بيت لاهيا وحدها!