الإخوان المسلمون في سورية ...عن قرب مرة ثانية ...

 الطاهر إبراهيم

(وقد ورد هذا على لسان كاتب ولم يرد بصورة رسمية على لسان الحزب ، الأمر الذي يجعله غير كاف حتى إذا كان صحيحا ، علما بأننا نعرف جميعا أنه قد لا يكون خطأ لكنه ليس الحقيقة كلها.).

هذان السطران مقتبسان من مقال للأستاذ "ميشيل كيلو" تحت عنوان "رسالة إلى أخ مسلم" نشرته "كلنا شركاء" في 21 أيلول الجاري. يعلق فيها على ما ورد في مقالنا "الإخوان المسلمون السوريون عن قرب" الذي نشره "مركز دمشق"، كما نشرته "النهار" اللبنانية على حلقتين في 23 و24 حزيران الماضي.

وهذا التوصيف الذي أورده الأستاذ "كيلو"،لم يتجاوز ما قصدته حين قلت في مقدمة مقالي أعلاه   (لذا رأيت أن أقدم ما لمسته عن قرب بحكم كوني معاصرا لتلك الفترة، وان القي الضوء على بعض المواقف، التي مر بها "الإخوان المسلمون" في سوريا، من خلال معايشتي لها شخصيا، وليس انتزاعا من أجندة "الإخوان المسلمين أو خصومهم، ولعل فيها توضيحا لبعض الاستفهامات التي وردت في مقال الاستاذ كيلو، وهي على كل حال رؤية خاصة لا تلزم أحدا غيري).

إن المعايشة الشخصية ما كانت لتعبر إلا عن رؤية من عاش تلك الأحداث وهي محكومة لثلاثة محددات: زمن خاص ، ومكان خاص، ورؤية خاصة.

ولعلي في هذه العجالة أستطيع أن أجيب على بعض التساؤلات التي وردت في رسالة أستاذنا الكبير "ميشيل كيلو" بحسب تسلسل ورودها في الرسالة:

الإخوان المسلمون آخر من انغمس في الفتنة الطائفية وأول من انعتق من إسارها:

يحاول الإنسان ما استطاع إلى ذلك سبيلا أن يبتعد عن الخوض في حديث الطائفية، حتى لا يوقظ فتنة نعتقد أن من يوقظها ملعون. لأننا قد نستطيع تحديد بداية الفتنة، ولكننا لا نعرف أبدا نهاية هذه الفتنة ولا على ما ستنحسر عنه. وكنا نتمنى أن لا يلجأ الأستاذ "كيلو" إلى التعميم بل يسمي أشخاصا ويقول زيد وعمر من الإخوان أثارا فتنة كذا، في مكان كذا، في عام كذا.أما أن يقول: "وإن هذا الحزب –يقصد الإخوان المسلمين- ليس هو الذي أدخل العنف إلى السياسة السورية ، وإن كان قد عرف منعطفا خطيرا في نهاية السبعينات جعله يتبنى خطا طائفيا عنيفا ، أدى إلى كارثة سياسية نزلت بسوريا وطنا ومواطنين ، قتل خلالها عشرات آلاف الأبرياء لاعتبارات طائفية". إن نفي الطائفية بالمطلق عن كل أفراد تنظيم الإخوان نوع من الوصول إلى المثالية والنرجسية، التي لا يقول بها عاقل. وفي نفس الوقت فإن وضع الإخوان تنظيما وأفرادا في "سلة الطائفية" لا يقول بها منصف،وهو إجحاف يصل إلى درجة الظلم. واستطرادا ألا يلفت انتباه كاتب كبير مثل الأستاذ "كيلو" أن الطائفية لم يكن لها وجود في سورية طيلة العهد الوطني وحتى آخر أيام الانفصال. وقد بدأت الطائفية والحزبية بالظهور منذ اليوم الأول لانقلاب  آذار عام 1963 ، عندما قام "صلاح جديد" الذي استلم إدارة شؤون الضباط بتسريح مئات الضباط من طوائف معينة دون الطوائف الأخرى.

الطائفية ياسيدي الأستاذ لا يؤججها في بلد إلا سلطة غاشمة التي تملك مفاصل التعيين والتسريح في شتى مناحي الحياة الحكومية. أما الجماعات والأحزاب فليس أمامها إلا الألم والتحسر على الوطن وهي تراه قد صار مزرعة لمن ملك نواصي الحكم.

ولا يمكن أن نمنع شعبا كاملا بكل طوائفه المتعددة أن يشعر بالكره للنظام البعثي في سورية، وهو يرى الذين يتناوبون على المناصب العليا في الجيش وفي القيادة السياسية العليا هم من طائفة معينة، لدرجة أنه مضى وقت كان عدد الفرق العسكرية في سورية خمس فرق، يقود ثلاث فرق منها ضباط من طائفة واحدة.إن الذين يتبنون "الخط الطائفي"هم القيادات التي كرست الطائفية بقصرها المراكز الحساسة على أبناء طائفتها، وليسوا الذين يتألمون مما حل بالبلاد بفعل تلك القيادات.

لقد ذكرت في مقالي "الإخوان المسلمين عن قرب.." أن النظام البعثي في سورية تأكد لديه أن الذين بدأوا مسلسل الاغتيالات في سورية، هم جماعة "الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين" وأن الرائد "محمد غرة"هو أول ضابط "علوي" مخابراتي تم اغتياله انتقاما لمقتل الأستاذ "مروان حديد" -مرشد الطليعة المقاتلة- تحت التعذيب في سجون النظام السوري في عام 1976 . وإن كون بعض قيادات الطليعة قد انشقت عن الإخوان المسلمين وبدأت مسلسل اغتيال شخصيات علوية،لا يلزم من ذلك أن "الإخوان المسلمين" تنظيما وقيادة وأفرادا هم من "قد عرف منعطفا خطيرا في نهاية السبعينات جعله يتبنى خطا طائفيا عنيفا" على حد تعبير الأستاذ كيلو. الشرائع السماوية كلها نصت على أنه "لاتزر وازرة وزر أخرى". فأبو البشرية الثاني "نوح" عليه السلام كان ابنه كافرا، ولم ينقص ذلك من شرف ونبل سيدنا نوح عليه السلام.

من يعتذر ممن؟

ويعجب ا الإنسان المنصف مما قاله الأستاذ كيلو الذي ما عهدناه إلا من المنصفين، عندما طالب الإخوان المسلمين: "بكشف الأسباب الحقيقية التي دفعتهم إلى تحول الثمانينات العنيف والدموي ، وتوقعتُ أن يعتذروا علنا للضحايا الذين سقطوا على أيديهم ، وبعضهم فقراء ودراويش لا شأن لهم".

 وكأني بالأستاذ كيلو يطالب أن تعتذر أسر 1181 مغدورا  -حسب ما نقل المستشرق الفرنسي "ميشيل سيرو"- من الضحايا الذين قتلتهم "سرايا دفاع رفعت أسد" شقيق الرئيس "حافظ الأسد"، في مجزرة تدمر ليلة 26-27 حزيران 1980 .

وأن تعتذر أسر أكثر من مئة مغدور في مجزرة مقبرة "هنانو" في حلب في صبيحة يوم العيد في عام 1980 ، عندما قتلهم  جنود العميد "شفيق فياض" –والكل يعرف إلى أي طائفة ينتمي- قائد الفرقة الثالثة التي كانت تطوق حلب وتقوم بالتفتيش في بيوت الآمنين.

أم لعل الأستاذ "كيلو" يطالب أن تعتذر أسر أكثر من عشرة ألاف شهيد (حسب تقدير الكاتب البريطاني "روبيرت فيسك" الذي كان مراسلا لصحيفة التايمز ودخل حماة أثناء حصارها وشهد ما كان يحدث فيها من قتل وتدمير) من الحمويين ،الذين قتلتهم "سرايا الدفاع" بقيادة العميد رفعت الأسد والوحدات الخاصة بقيادة العميد "علي حيدر" –والكل يعرف إلى أي طائفة ينتمي هذان العميدان- في شباط من عام 1982 عندما حوصرت "حماة" وقصفت براجمات الصواريخ وبمدفعية الميدان ،التي خرست على الحدود مع إسرائيل، ولكنها دكت وهدمت عدة مساجد كما شهد بذلك "فيسك".

وهل يعتذر عشرات الآلاف من المهجرين في أصقاع الأرض ،الذين كثيرا ما جرد الأستاذ كيلو قلمه للدفاع عنهم، وطالب بإنصافهم لأن النظام السوري يرفض عودتهم إلى وطنهم الأم سورية بتحريض من أجهزة الأمن البعثية.

(واستطرادا فقد عقدت قيادات في النظام ،مؤخرا، اجتماعا بحثت فيه عودة هؤلاء المنفيين، وتمت بلورة ثلاثة اقتراحات، الأول يقضي بإبقاء المهجرين حيث هم مبعثرين في قارات العالم الخمس، وبذلك يتم الخلاص منهم ومن مشاكل عودتهم. والثاني أقر بوضع حل للعودة الكريمة لهؤلاء المنفيين. أما الاقتراح الثالث فيقضي بالاستمرار بالسماح لهم بالعودة –بالقطارة عن طريق البوابة الأمنية- مع ابتزاز من يرغب بالعودة، بأخذ فدية ضخمة قد تصل إلى عشرة آلاف دولار من كل من يود العودة).

لم أورد الأمثلة السابقة اعتقادا مني الأستاذ كيلو لا يعرفها، بل أعتقد أنه يعرف أكثر منها، وهو دائما يحض الدولة على إنصاف كل من حاق به الظلم من مهجرين ومعتقلين. ولكني أعتقد أن هناك حيثيات لم يحط بها الأستاذ كيلو في إشكالية المواجهة بين النظام والإخوان المسلمين، كما  نعتقد أنها كانت مواجهة من طرف واحد إلا في النذر اليسير من الحالات التي لا يعتد بها، وسأذكر باختصار:

أولا:ابتداء من اليوم الأول لنشوب المواجهة بين أجهزة الأمن والمسلحين الذين أكدنا أنهم من "الطليعة المقاتلة"،فقد كانت المشاركة الوحيدة للإخوان المسلمين هي قيام أجهزة الأمن باعتقالهم والزج بهم في "قواويش" في سجون اكتظت بهم، حتى لا يكاد المعتقل ينام إلا على جنبه.

ثانيا:تم الاتفاق على التهدئة في أواخر عام 1979 ،وقام بالوساطة بين الطرفين القيادي السابق البارز في الإخوان المسلمين الأستاذ "أمين يكن" رحمه الله تعالى.

ثالثا:قام الجناح الاستئصالي في السلطة بنقض الاتفاق في 31 آذار 1980 عند ما قامت أجهزة الأمن باعتقال إدارات النقابات المهنية المنتخبة ديموقراطيا، وعاد التصعيد من جديد بين المسلحين وأجهزة الأمن .

رابعا: جرت محاولة فاشلة لاغتيال الرئيس "حافظ الأسد" في يوم 25 حزيران 1980 ، وفي اليوم الثاني للمحاولة أرسل رفعت الأسد "سراياه" للقيام بمجزرة "تدمر" التي استشهد فيها 1181 من معتقلي الإخوان المسمين.

رابعا: لم تقف ردة الفعل على محاولة الاغتيال عند مذبحة "تدمر" فحسب، بل تجاوز التصعيد هذا الحد. فقد كانت ال "أنا" متضخمة عند أركان النظام، فصدر القانون "الفضيحة" 49 لعام 1980 ،الذي يقضي بإعدام كل من انتسب لجماعة الإخوان المسلمين.

بكلمة أوضح فإن النظام أعلن الحرب الكاسحة على الإخوان المسلمين، وأن كل من يلقى عليه القبض ويثبت أنه من الإخوان المسلمين يحكم عليه بالإعدام، وتم التنفيذ في الكثير من المعتقلين ، حيث حوكموا محاكمة  صورية، وأعدم الآلاف في سجن تدمر (انظر بلا حدود مع الاستاذ هيثم المالح في حزيران 2002).

فإذا وصل الفرد أو الجماعة إلى مرحلة سينفذ فيه حكمٌ بالموت على كل حال، أليس من حقه الطبيعي والغريزي أن يعمل على رد العدوان؟. عند هذا الحد أصبح من حق الإخوان المسلمين أن لا يسلموا رقابهم للذبح، وأن يعملوا على إسقاط نظام حكم حزب البعث الذي أوغل في دماء الشعب كله. ومع كل هذا فإن القوات الخاصة وقوات سرايا الدفاع هي التي حددت زمان ومكان المعركة، عندما بدأتها في "حماة" في شباط عام 1982.

وسنقدم في ما يلي، شهادة شاهد عاش تلك الأحداث من داخل حماة، لا يمكن أن يُتهم بممالأة الإخوان المسلمين. وهذا الشاهد هو الكاتب البريطاني المعروف "روبرت فسك"، الذي كان مراسلا لجريدة "التايمز" اللندنية، وكان المراسل الأوربي الوحيد الذي استطاع أن يدخل إلى مدينة حماة أثناء تلك الأحداث. وهذه الشهادة من مقال مأخوذ من كتاب ( بيتي ذ ناشن ) "PITY THE NATION" ص: 181 - 187، لروبرت فيسك، الطبعة الأولى، شباط 1990.

ملاحظة: سنحرص في نقلنا عن المصدر أعلاه أن نورد العبارات كما وردت في المقال، حتى ولو كان فيها اضطراب من حيث الصياغة، وذلك حفاظا على أمانة النقل. 

يقول فيسك :(الحكومة السورية قد تدعي أن القتلى كانوا بالمئات، لكن قدّرنا فيما بعد أنهم كانوا بحدود 10 آلاف، وبعض التقديرات جعلت القتلى بحدود 20 ألفاً، أعلى حتى من مجموع قتلى الغزو الإسرائيلي للبنان بعد شهر من أحداث حماة...). وهذا التقدير لعدد القتلى، لم ينفرد به "فيسك" وحده. فقد أورده الكاتب البريطاني "باتريك سيل" في كتابه "حافظ الأسد ..الصراع على الشرق الأوسط "، -الذي أرخ لحياة الرئيس السوري السابق حافظ الأسد وكان على علاقة وثيقة به، وتم وضع كل الوثائق التي يحتاجها بين يديه بمعرفة الرئيس شخصيا-، يقول "سيل" "إن عدد القتلى كان يتراوح بين خمسة آلاف وخمسة عشر ألفا".وقد كرر "سيل" هذه الشهادة في قناة "الجزيرة" في برنامج أكثر من رأي، الذي يشرف عليه "سامي حداد". وشهادة "باتريك سيل" معتبرة لأنه صديق شخصي للرئيس السابق حافظ الأسد، وهو بهذه الخلفية لا يمكن أن يكون منحازا لصالح المعارضة الإسلامية.

كما أنه ليس صحيحا ما يزعم من أن "ما حدث كان حملة لتحرير مدينة سيطرت عليها هذه الجماعات وحولتها إلي ثكنة مسلحة‏."، لأن "فيسك" يؤكد أن "سرايا الدفاع" التي كان يقودها "رفعت الأسد" الشقيق الأصغر للرئيس "حافظ الأسد"،هي التي قامت باستفزاز سكان مدينة حماة. يقول فيسك:

( بدأت العملية من قبل 500 جندي من سرايا الدفاع وعدد كبير من عناصر المخابرات، بحصار حي "البارودية" القديم على الضفة الغربية لنهر العاصي، حيث يعيش متدينو أهل حماة في حارات ضيقة، وأزقة مغطاة بالعرائش....).

فالقضية إذن ليست معركة بين حكومة شرعية ومتطرفين، وإنما استباحة لمدينة "حماة" الآمنة، قامت بها سرايا الدفاع التي لم تكن مهمتها في يوم من الأيام الدفاع عن حدود الوطن، بل كانت تصول وتجول في كل مدن سورية إلا على حدود الوطن مع العدو الصهيوني. ولقد أشار إلى ذلك، ضابط من سرايا الدفاع طلب الركوب في سيارة فيسك التي دخل فيها إلى مدينة حماة.فقد سأل ذلك الضابط زميله:(لماذا لا يدعوننا نحارب في الجولان بدلاً من هذا؟ الرجلان كانا يعرفان بعضهما، كلاهما بيته في حماة...).

ولنقرأ ما جاء في رواية فيسك فما ذا يقول؟:

(وطبقاً لدبلوماسيين غربيين في دمشق؛ فإن الإخوان المسلمين المختبئين في "البارودية"، أحسوا أن النظام سيبطش بـهم، ولذلك فإنـهم وضعوا عناصر استطلاع فوق سقوف الحي..). فلم تكن ثورة قام بها متطرفون كما كان يزعم في حينه، وإنما ردة فعل يفرضها حرص الإنسان على حياته عندما يتهددها خطر. وهذا الخطر لم يكن محتملا وإنما متأكدا. وعندما يكون الأمر متعلقا بحياتك التي يسعى الآخر للاعتداء عليها دون وجه حق، فإن من حقك بل من واجبك أن تدافع عنها كما ورد في الحديث الشريف" سأل صحابي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا جاء من يريد أخذ مالي، قال لا تعطه، قال فإن قاتلني قال قاتله، قال فإن قتلني قال أنت شهيد، قال فإن قتلته قال هو في النار.." أو كما قال عليه السلام. وتلك الجحافل التي كان يقودها "رفعت الأسد" إنما جاءت لتهديد حياة الحمويين المحصورين في بيوتهم ،والحياة أغلى من المال.

ويتابع فيسك شهادته:   

(وعندما دخل الضباط حي البارودية كانوا يحملون معهم على ما يبدو قوائم بأسماء وعناوين المشتبه بـهم"من مسلحين" لم يتجاوزوا الاسم الأول..).

إذن فالعملية كانت عملية استدراج أرادت منها "سرايا الدفاع" و"الوحدات الخاصة" و"أجهزة المخابرات" جر سكان مدينة حماة الذين وصفهم فيسك "بالمتدينين"إلى معركة غير متكافئة، ومن ثم القيام بتصفية المعارضة الإسلامية من أهل حماة.

(..وانتقاماً لذلك فإن قوات رفعت الأسد الخاصة ومخبري المخابرات العاملين في هذه القوات كانوا يقتلون ويعذبون ويهينون عدداً كبيراً من أهل حماة يتهمونهم بالتآمر مع الإخوان المسلمين. واستهدف هؤلاء الأطباء والمهندسين. فقد ضُرب نائب مدير مصنع الصلب المحلي في الشارع من قبل القوات الخاصة، وكذلك وجد رجل يقال له الشيشكلي - كان يُظَنُّ بأنه شخصية مهمة من الإخوان - مقتولاً في ساحة مهملة خارج حماة، وكان قد اقتلعت عيناه، وأحرق وجهه بالأسيد. وقبل ستة أسابيع، كان أحد عشر شخصاً قد أُطلق عليهم الرصاص من الخلف على ضفة العاصي، وقد أخبر ثلاثة من الأجانب بأن مئتين حكم بالإعدام قد نفذت منذ عيد الفصح السابق، وهناك 10 آلاف مسيحي من مجموع سكان حماة البالغ عددهم حوالي 100 ألف قد عانوا أيضاً على أيدي قوات رفعت الأسد، وفي حالات كثيرة كان القتلى أقرباء للمطلوبين، فإذا فر أحد من الإخوان، فإن أباه أو أخاه يقتل... وطبقاً لرواية الإخوان المسلمين فإن الشيخ "أديب الكيلاني"كان يأمل بإعلان عصيان وطني عام، وأخبر رجاله بأنه من الأفضل أن يموتوا شهداء على مذبح الإسلام من أن يترقبوا السجن، والتعذيب، وأحكام الإعدام..).

هذا الوصف الحي لأحداث حماة يؤكد أن ما جرى من أهالي مدينة "حماة" جميعا وليس فقط الإسلاميين ( جاء في شهادة فيسك "أمسك الإخوان فعلاً بزمام المبادرة، بمساعدة شباب الأحياء العلمانية الذين همشهم النظام نتيجة للضربات السابقة في حماة")، إنما كان دفاعا عن حياتهم وعن مدينتهم بعد أن استباحتها قوات رفعت أسد.

لماذا سكت الإخوان المسلمين عن روايتهم لوقائع أحداث 79-1980 ؟

لنفرض جدلا أن جماعة الإخوان المسلمين أصدرت كتابا يحكي فصول تلك الأحداث ودورهم فيها فما الذي سيحصل؟ لا شك أنه هناك جهات كثيرة ستتصدى لهذه الرواية، وتزعم أن ماجاء فيها بعيد عن الحقيقة، وأن الذي جرى هو غير ذلك. وسيأتون برواية أخرى مناقضة تماما لرواية الإخوان المسلمين، وستمتلئ الساحة السورية بلغط كثير. وربما انفتحت جراح ليس من مصلحة أحد فتحها، خصوصا إذا كان من ينهض للدفاع عن النظام من مثل من أشار إلى "مقتل المرشد العام لجماعة الأخوان المسلمين الشيخ عصام العطار على أيدي من عارضه من جماعته في التفاوض مع سورية" في الوقت الذي لا يزال الأستاذ "عصام العطار" يتمتع بصحة وعافية والحمد لله.  

ومع ذلك فإن المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في سورية المحامي"علي صدرالدين البيانوني"

قدم رواية موجزة ولكنها مفيدة لكثير من جوانب تلك المرحلة،في مقابلة أجرتها معه "النهار" البيروتية ونشرت في 18 تشرين الثاني من العام الماضي،أجاب فيها على كثير من الأسئلة التي أثارها الأستاذ "ميشيل كيلو"، وننقل منها الفقرة التالية تحت رقم 3 – 4 – 5 – 6 :

(لقد كان واضحا أن الأجهزة الأمنية كانت تعد لضرب الجماعة وتصفيتها قبل وقوع مجزرة المدفعية ،حيث بدأت الاعتقالات الواسعة في صفوف قيادات الجماعة وأفرادها، في شهر نيسان 1979 ، واتخذت مكافحة أعمال العنف غطاء لتنفيذ هذه الحملة. وقد اعترف لنا رئيس الوفد المفاوض عام 1987–اللواء علي دوبا- بأنهم أخطأوا عندما وسعوا دائرة معركتهم التي كانت مع عشرات من أفراد (الطليعة) فأصبحت مع عشرات الآلاف من الإخوان.

4- من الثابت أن الجماعة - رغم كل الاعتقالات والتصفيات - لم يكن لها علاقة بهذه الأحداث حتى شهر آذار 1980 عندما أعلن ذلك رئيس الجمهورية نفسه في خطابه المتلفز بمناسبة الثامن من آذار ،1980 وكان قد أوعز بالإفراج عن المعتقلين من الإخوان، في محاولة لمعالجة الأزمة، إثر حوار مع الجماعة بواسطة الاستاذ "أمين يكن"، تأكد الرئيس من خلاله أن لا علاقة للجماعة بهذه الأحداث، وأفرج فعلا عن مئات منهم. لكن ما لبثت الأجهزة الأمنية أن أعادت اعتقال من تمكنت منهم، ثم تتابعت حملات الملاحقة والاعتقال والتصفيات، الأمر الذي دفع كثيرا من الملاحقين من الإخوان وغيرهم أن يختاروا الالتحاق بالمجموعات المسلحة، دفاعاً عن أنفسهم، بعدما الجئوا إلى ذلك إلجاء.

5- وبعد تصاعد الأحداث وانتشارها، بفعل ممارسات الأجهزة الأمنية، لم يعد بمقدور احد السيطرة على الوضع، وبذلت الجماعة جهوداً كبيرة، للخروج من هذه الأزمة من طريق الحوار مع السلطة، وتمت جولات عدة وصلت كلها إلى طريق مسدود،لأن الذين كانوا يديرون الحوار من جانب السلطة، هم أنفسهم الذين تسببوا في هذه الأحداث، وأوصلوا الأمور إلى ما وصلت إليه.

6- وحتى لا يبقى هذا التقويم للأحداث معبّراً عن وجهة نظر الجماعة وحدها، وهي تعتبر طرفا فيها، طالبنا وما زلنا نطالب، بتشكيل لجنة قضائية وطنية مستقلة، تفتح هذا الملف، وتطلع على كافة محتوياته، وتصدر حكمها فيه، لتتبين للجميع حقائق تلك المرحلة الدامية من تاريخ وطننا العزيز وخفاياها.).

أخيرا، لعلي أشير إلى قضية لم يحاول أحد من الكتاب أن يتتبع أثرها. ولو بحثت لتم جلاء كثير مما غمض من الأحداث حتى عام 1984 . هذه القضية تتعلق باعتقال المهندس "عدنان عقلة" عام 1984 ،وهو الذي يوصف بأنه كان القائد الفعلي للطليعة المقاتلة، ومهندس مجزرة "مدرسة المدفعية" في تموز عام 1979 ،خصوصا بعد مقتل أميرها "عبد الستار الزعيم".

والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة هنا! لماذا لم يقم النظام السوري، وتحديدا الرئيس حافظ الأسد ورئيس إدارة المخابرات العسكرية "علي دوبا"، بإجراء مقابلة ،على التلفاز، مع "عدنان عقلة" المعتقل كما كان يحدث مع كل القيادات التي تعتقل؟.

أم أن عرض "عدنان عقلة" على التلفاز كان سيكشف الكثير مما كان يريد النظام السوري أن يخفيه عن الشعب السوري وعن العالم؟.

الطاهر إبراهيم   كاتب سوري معارض     عضو مؤسس في رابطة أدباء الشام.