ديمقراطية الإخوان المسلمين...

 منير محمد الغضبان

بسم الله الرحمن الرحيم

أجمل ما في مقال الأستاذ الشهابي ( الديمقراطية وديمقراطية الحزب الديني : نموذج الإخوان المسلمين ) هو الجملة الأولى  فيه :

( أرسل هذه المقالة إلى موقعكم المحترم على أمل فتح حوار جدي عبره بين الإخوان المسلمين وبقايا الشيوعيين والقوميين من جهة , والديمقراطيون الجدد من جهة أخرى )

فإذن آمل أن يكون الأستاذ الشهابي عنده استعداد لتعديل أو تغيير وجهة نظره من خلال الحوار إذا بدا له خطاً في التصور الذي يحمله عن الإخوان المسلمون بصورة خاصة , وعن الإسلام بشكل عام , ومن هذا الأمل أستجيب بحرارة , وسعادة لهذه الدعوة

ولنقف عند الحكم الصارم الذي أطلقه

( من الطبيعي أن يتهم الديمقراطيون السلطة بالدكتاتورية لأنها فعلاً دكتاتورية , أما أن تتهمها الأحزاب الدينية هذا الاتهام فغريب عجيب )

إذن الأحزاب الدينية وخاصة الإخوان المسلمين والذين أصدرت السلطة الحكم بالإعدام على من ينتمي إليهم , فهؤلاء لا يحق لهم الكلام بالحرية ولا الديمقراطية , أيستغرب الأستاذ الشهابي ويتعجب ممن حكم عليهم بالإعدام لانتمائه للإخوان المسلمين أن يتهم من أصدر هذا الحكم بالدكتاتورية , وأما الذين كانوا نائمين خلال أربعين عاماً لم يسمع لهم صوت واحد بانتقاد النظام أو المساس بتجبره , ودكتاتوريته وقمعه , فهم الوحيدون الذين يحق لهم أن يقولوا ذلك , فالذي خرس عن قول كلمة الحق خلال أربعين عاماً , وكان يهتف للسلطة , وينساق لها كالغنم ويحييها , هو الذي يحق له أن يقول للسلطة إنها دكتاتورية , والذي قدم دمه , وروحه , على أعواد المشانق , وذبح منهم ألف مثقف بدون محاكمة في مجزرة تدمر هؤلاء لا يحق لهم أن يتهموا السلطة بالدكتاتورية ؟؟؟ !!

وننتقل إلى الحكم الصارم الثاني الذي يعلمنا فيه الأستاذ الشهابي أحكام ديننا قائلاً : ( هذه الأحزاب من الطبيعي أن تتهمها بذر الرماد في العيون لشكلية الإسلام فيها طالما أنها لاتجبر الناس على الصلاة , ولا تعاقب على عدم الصيام في الشهر الفضيل , وتسمح بالمطاعم التي تقدم الخمور علناً للمسلمين وغير المسلمين ناهيك عن الكباريهات والبارات والديسكو ...) إلى آخر القائمة التي قدمها ليصل إلى القول :

( ويترتب على هذه الأحزاب توجيه إنذار للسلطة السورية مفاده : إما أن تلغي هذه الأجواء وتقمع بلا هوادة المواطنين الذين يخلون بسلوكهم وآرائهم بتعاليم الإسلام , أو أن نستعد للأسوأ , مواجهة الثورة , هذا الإنذار للسلطة هو الموقف الطبيعي المنسجم وطبيعة هذه الأحزاب )

 نأمل من الأستاذ علي وقد أعلن استعداده لقبول الحوار بروح ديمقراطية أن يترك لنا على الأقل نحن دعاة الإسلام تقرير مسؤوليتنا وفهمنا لديننا حتى نفهمه إياه بصفتنا دعاته لا أن يقيم نفسه حاكماً دكتاتورياً علينا , يعلن أنه يفهم الإسلام أكثر منا , وعلينا أن نتتلمذ على يديه فنتعلم مسؤوليتنا منه , كما لا نتعالم عليه بصفته فقيه الديمقراطية وربانها , والذي يحق له فقط ولمدرسته أن يوجهوا تهمة السلطة بالدكتاتورية , وإذا سلم لنا بذلك على الأقل أننا نفقه في دين الله أكثر منه , وقد أمضينا عمرنا كله بالدعوة إلى الإسلام ودراسته , من الممكن أن ياخذ الحوار شكله الموضوعي البعيد عن فرض الآراء  وتجهيل الآخرين واتهامهم بالمراوغة والمكر ,كما يقول : ( إن هذا الذي أسميه كذبا يسمونه مكراً , والمكر واجب مع الأعداء حتى أن الله نفسه ليس ماكراً فقط بل هو خير الماكرين " ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين " سورة الأنفال )

    ومن شدة فقهه في العربية ولغته , ينضم إلى صف اليهود الذين اتهموا الله بالبخل , واتهموه بحاجته إلى الخلق عندما قال: (( من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسنا )) فقالوا : (....إن الله فقير ونحن أغنياء ..) وقالوا : ( يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ...)

أحب أن أؤكد لك وقد كنت عضواً في لجنة المفاوضة مع السلطة في الثمانينات بعد أحداث حماة , وكنت نائباً للمراقب العام للإخوان المسلمين آنذاك , أنا قد وضعنا مطالبنا الكاملة من السلطة بقرار من قيادة الإخوان المسلمين وهي ستة بنود ، سأنقل لك بالنص الحرفي مقتطفات من البيان الذي قدمته القيادة لقواعدها بعد انتهاء المفاوضات

(... لقد تم اللقاء بين لجنة من القيادة , ولجنة عن النظام السوري لمعرفة ما لديهم وتقويم مستوى التفكير والتوجه الذي ينطلقون منه في هذه الخطوة

وكان تصور السلطة في سورية للقضية خلال هذا اللقاء متمثلاً في عودة المعارضين أفراداً عاديين ينضوون تحت سلطانها في ظل الدستور الحالي والقوانين السائدة دون أي ضمانة لأي تعهد أو وعد بانفراج سياسي , وبعد ذلك يفرج عن السجناء , إلا من كان متهماً في حادث قتل , ويعود الطلاب والموظفون كل إلى عمله .

وإزاء هذا العرض للسلطة قدمت اللجنة القيادية تصورها المعتمد لمعالجة القضية من خلال المطالب التالية :

1-         إلغاء قانون الطواريء الذي يبيح اعتقال المواطن والحكم عليه عرفياً دون الرجوع إلى قانون العقوبات أو التقيد بأصول المحاكمات .

2-                     تعليق الدستور الذي تحكم سورية بموجبه ريثما يتم وضع دستور جديد

3-         إعلان الحريات  العامة السياسية والمدنية بما يكفل للمواطنين حق الاجتماع والتعبير عن الرأي والمشاركة في الحكم من خلال إجراءات تمهيدية أهمها :

-  إطلاق سراح جميع المعتقلين والمحكومين السياسيين

-  السماح لجميع الملاحقين سياسياً بالعودة إلى وطنهم .

-  التعويض على المتضررين

-  إلغاء قانون 49

4-                     الدعوة إلى انتخابات حرة ونزيهة يشارك فيها أبناء الشعب في اختيار ممثليهم الحقيقييين

5-                     اختيار هيئة تأسيسية تضع دستوراً للبلاد بمثل رأي أكثرية الأمة , ويكفل حقوق الآخرين

6-          اعتبار الجيش مؤسسة وطنية لأبناء الشعب كله مهمتها الذود عن الوطن , وليس الحكم وإرهاب الناس , واعتبار مؤسسات الأمن الأخرى لأبناء الشعب كله مهمتها الحفاظ على أمن المواطن وحماية الوطن من المؤسسات الخارجية .

أيها الأخوة الأحبة :

إن ما طرحناه أمام وفد السلطة إنما يتركز في قضية الحرية , لثقتنا ان القضية الأولى للجماعة هي قضية الإسلام , ولكن الطرح  الإسلامي لن يكون هبة من نظام , وإنما يكون تعبئة لشعب يملك حرية الكلمة , وبالتالي فلن يتخلى الشعب عن إسلامه وعقيدته .. والله أكبر ولله الحمد

القيادة في 27/ربيع الأول /1405هـ       20/12/1984م )

هذه مطالبنا يا  أستاذ علي التي قدمناها للسلطة , وأحب أن أذكر بالنقاط التالية :

1-         لقد وقف بعض الشباب العاطفيين الصغار يقولون مثل قولك عقب سماع البيان : ليس في المطالب إقامة شريعة الله في سورية , هل تخليتم عن الإسلام ؟

فأجبناه : نحن لا نطالب بتحكيم شريعة الله من لا يتبنى دين الله , إنما يطبقها أناس يؤمنون بها وبصلاحيتها للحكم , ولن يتم هذا إلا من خلال اختيار الشعب لممثليه الذين يؤمنون بهذه المبادئ .

2-         لقد قلنا هذا الكلام في الوقت الذي لم يكن على الساحة أحد يزاود بهذا الكلام نتزلف إليه  ليرضى عنا , وفي وقت ذبح فيه عشرات الآلاف , من السلطة الحاكمة وشرد عشرات الألوف كذلك فهذه مبادئنا التي أعلناها فهل تراها ديمقراطية , أم تراها مطالبة بزيادة الدكتاتورية من السلطة لتخنق الحرية الشخصية للشعب ؟؟!

3-         قالوا لنا : أنتم منبوذون من الشعب , والشعب كله يؤيدنا , قلنا لهم : ارفعوا الدبابات والطائرة التي تدمر كل من يخالفكم في الرأي أربعاً وعشرين ساعة ونحن قابلون بحكم شعبنا علينا , ولو علق مشانقنا في ساحة المرجة .

4-         قالوا لنا : مطالبكم هذه هي مطالب الجنرال غورو , أنتم تريدون تغيير النظام , قلنا لهم : نعم نحن نريد نظاماً حراً لشعبنا يختاره بإرادته , والفرق بيننا وبين غورو أننا نطالب بمطالب شعبنا وحريته , وما حملنا السلاح إلا من أجل ذلك .

5-         قالوا لنا : من حقكم أن تطالبوا  بخروج سجناءكم لكن ما علاقتكم بالسجناء الشيوعيين والبعثيين العراقيين ؟؟ قلنا لهم : هؤلاء السجناء قبل سجنائنا لأننا نريد الحرية لشعبنا لا لحزبنا ولا لجماعتنا فقط .

ومن واجبنا أن نتقدم بعين الإجلال والإكبار للأستاذ المناضل رياض الترك الذي قبل أن يسجن ثمانية عشر عاماً لأنه رفض أن يدين إرهاب الإخوان المسلمين فقط , إلا مع إدانة إرهاب الدولة التي دفعتهم لذلك , وكما ترى يا أستاذ علي : شعبنا بكل طوائفه وأحزابه من حقه أن يطالب بالحرية , والسجون ملأى بالمناضلين من كل فئاته , أما أنت ومن معك الذين تمثلون الديمقراطية الحقة كما تزعم لم نسمع بكم إلا بعد أن دعتكم أمريكا للظهور , فلا تتكلم إلا حين  ترى السكين لن تحز رقبتك , والغل لن ينال من يدك تقول : أنا الوحيد ومن معي من الديمقراطيون الأحرار الجدد هم أصحاب الحق في المطالبة , نحن الذين ذكرنا به الشاعر بقوله :

خطرات النسيم تجرح خديه         ولمس الحرير يدمي بنانه

وما أراكم إلا تمثلون قول الشاعر أصدق التمثيل :

وإذا ما خلا الجبان بأرض                طلب الطعن وحده والنزالا

أما بقية الأحزاب , وخاصة الأحزاب الدينية , وخاصة الخاصة نموذج الإخوان المسلمون , فهؤلاء ليسوا أهلا لذلك , لأنهم إذا تبنوا  الديمقراطية تخلوا عن الإسلام

الأستاذ علي :

لن أتابع الحوار في كل فكرة واردة في مقالك , حتى أرى ثمرة هذه الاستجابة لمطلبك في عرض هذه الأفكار للحوار , فإن وجدت فعلاً روحاً ديمقراطية قابلة للحوار , فمرحباً وأهلاً وسنتابع الحوار إلى منتهاه , وآمل أن تعتذر عن النيل من الله تعالى  على الأقل .  أما أعراضنا وأبشارنا وأشخاصنا , فليست ذات أهمية في سبيل الله , وليس من الديمقراطية في شيء ولا من الحوار في شيء أن تنال من رب السماوات والأرض لجهل عندك في اللغة أو غفلة عندك في الفهم , أو بلادة عندك في العقل فنقول : ( لا , بل إنهم بهذا المكر إنما يتقربون من الله عبر محاولة التشبه بإحدى صفاته " المكر " ولو كلفت نفسك وفتحت أي تفسير للقرآن لرأيت معنى قول الله عز وجل ( والله خير الماكرين ) يقول القرطبي ( والله خير الماكرين ) ابتداء وخبر , والمكر من الله هو جزاؤهم بالعذاب على مكرهم من حيث لا يشعرون ) م4,ج7,ص397, وفي المعجم الوسيط : ومكرُُ الله العاصيَ : جازاه على المكر أو أمهله ومكنه في الدنيا . وفي التنزيل ( ومكروا ومكر الله )

ومع هذا كله فالحوار قائم راجين أن يكون مع أدب الحوار

مع التحية

د. منير محمد الغضبان

باحث إسلامي وعضو في جماعة الإخوان المسلمين