"الرباعية" تبايع "ملك إسرائيل"!

عبد اللطيف مهنا

في اجتماعها النيويوركي الأخير كشفت اللجنة الرباعية المكتشف من قبل كل من عداها، إلا وهو أن المرحومة خارطة الطريق قد غدت في ذمة التاريخ. الرباعية المجتمعة بكامل أعضائها وعلى رأسهم الأمين العام للأمم المتحدة لم تؤبن المغدورة، لكنها وهي تصر على بعث عظامها الرميمة، وتساوي بين المحتل والشعب المحتلة أرضه عبر قولها: "إن الوضع الميداني سواء بالنسبة إلى الفلسطينيين أو الإسرائيليين ما زال بالغ الصعوبة"، اعترفت بأنه "لم يتحقق أي تقدم جوهري" بالنسبة للخارطة الفقيدة...

يبدو أن الرباعية لا تحاط علماً بما يردده شارون بين الحين والآخر مؤكداً ما لا تريد الرباعية الأقدام عليه، أي إعلان وفاة من عاجلها هو فأرسلها إلى حتفها منذ يوم ميلادها. كما لم تسمع بما يقوله واحد مثل شلومو بن عامي وزير الخارجية الإسرائيلية السابق، الذي كتب قائلاً:

"رئيس الوزراء (شارون) أوضح في مقابلات العيد الصحفية (عيد رأس السنة العبرية) بصورة لا تقبل التأويل بأن الستار قد أُسدل على خريطة الطريق، هو راهن على فك الارتباط مع غزة باعتباره خطوة وحيدة يفترض بعدها أن تستريح إسرائيل بحرية بعيداً عن الضغوط لتطبيق الخطط السياسية التي لم ينجح في الحصول عليها بطريقة سياسية بواسطة خطوة الأرض المحروقة في قطاع غزة... تصريحات أريئيل شارون توضح لقادة الانتفاضة أن أبواب غزة هي أيضاً حدود الأفق السياسي الذي يسمح لهم بالنظر إليه"...

وحيث أن الرباعية بأطرافها الأربعة المتنفذة في العالم، الأمريكي، والأوروبي، والروسي، والأمم المتحدة، ترى في خطة الفصل مع قطاع غزة الشارونية النكهة والاستهداف خطوةً إيجابيةً

تستحق التنويه بها، وكذا الأمر إقليمياً بالنسبة لأغلب المحيط الرسمي العربي والإسلامي،  ومعه السلطة الفلسطينية، يصبح من تحصيل الحاصل أن يرسو المزاد التصفوي عليها، وهنا سر الضجة الإسرائيلية الراهنة...

تكشف هذه الضجة الإسرائيلية الأقرب إلى المفتعلة حول خطة الفصل مشهداً غرائبياً لا يمكن إنتاجه إلا في إسرائيل، حيث يتقن هنا توظيف المتناقضات في خدمة المتفق عليه استراتيجياً، وتجري التكتيكات جميعها في حدود هذا التوظيف... المستعمرون يتظاهرون بأعداد كبيرة ضد الخطة الشارونية، عشرات الآلاف يزحفون إلى حيث منزل شارون، ويُنعت هذا بما لا ينعت به مارق على الثوابت التلمودية، وحتى حدود التشهير به، أو وصفه ب"إمّعة للفلسطينيين" و"يخلق ريح إسناد لإرهاب يهودي". ناهيك عن التهديدات الهاتفية له بالقتل، وصولاً إلى التحذير من حرب أهلية يهودية، وهذا التحذير ليس تحديداً من قبل المستعمرين فحسب، وإنما جاء أيضاً من قبل شارون نفسه، بينما تطرح المعارضة الليكودية ممثلةً في رئيس الوزراء الأسبق نتنياهو مقترح الاستفتاء الشعبي حول الخطة... نحن هنا أمام حكاية ابتزاز مزدوج تتجاذبها أطراف اليمين الإسرائيلي: المستعمرون يرفعون من أثمان استحقاق إجلائهم، إن وقع، وسقف التعويضات المطلوبة جراء مغادرتهم للمستعمرات، ونتنياهو ومن معه في الليكود يجد في الاستفتاء مخرجاً، حيث يؤيد الفصل ولا يتبناه، ولا يريد إغضاب المستعمرين، أو فقدان مواقعه القيادي في صفوف اليمين، أما شارون فهناك جردة حسابات معلقة على الأمر تصب جميعها في صالح برنامجه التهويدي وسياسته المتبعة المستندة على الركائز التالية:

الأولى: لا احتلال إسرائيلي وإنما دفاع عن النفس في مواجهة إرهاب فلسطيني لا مقاومة وطنية للاحتلال، حيث يمكن الإفادة في قلب الحقائق هنا بصفاقة عزّ  نظيرها، من سطوة الواقع الدولي المناسب لذلك، والذي تفرضه تداعيات 11 سبتمبر، وحروب "الحرب على الإرهاب"، والتواطؤ الأوروبي، والتخاذل الإقليمي، أو العجز العربي.

الثانية: دعم متصل من الحليف الأمريكي، الذي يضمن بدوره تمويلاً أوروبياً مفترضاً لتنفيذ الخطة رغم التحفظات الأوروبية  قصيرة المدى عادةً، من بينه تعويضات المستعمرين، أو مكافئاتهم على احتلال واغتصاب أرض الغير، بدفع ثمن تخليهم عنها! ومن بين هذا الدعم، ما أعلن عن صفقة القنابل الذكية المتطورة التي تزن طناً، والتي تخترق التحصينات بعمق مترين من الخرسانة المسلحة والموجهة بالأقمار الصناعية، حيث ستحصل إسرائيل على خمسة ألاف منها، رغم استخدامها هذا السلاح الخطير سابقاً في اغتيال القادة الفلسطينيين، ومنهم الشهيد صلاح شحادة.

الثالثة: بما أن شارون لا يعترف بوجود الآخر الفلسطيني، وسدد ضربات قاتلة لشريكه في السلام المفترض، أي السلطة الفلسطينية، فتجميد المفاوضات حيث لا من يتفاوض معه، بما يضمن الوقت الكافي لهضم ما تم تهويده، وتهويد ما تبقى من فلسطين، والضفة الغربية تحديداً، في الراهن على الأقل.

الرابعة: وحيث غزة، مقابل الضفة، فالمسارعة إلى نهش ما تبقى من الأخيرة عبر الوسائل المتبعة على مدار الساعة الاحتلالية: مصادرة الأراضي، اقتلاع  الأشجار، هدم البيوت، توسيع المستعمرات، مد الطرق الالتفافية، تكثيف الحواجز التي تضيّق على الناس حياتهم، المطاردات، الاعتقالات، والتصفيات.

الخامسة: عزل القطاع وتطويقه كلياً وتحويله إلى سجن كبير لا تطاق الحياة داخله، عبر الاجتياحات المتكررة لمناطقه، والمذابح المبرمجة والمتنقلة داخل أرجاء هذا القفص ضيق الرقعة محكم الإغلاق عبر السيطرة على المعابر والشواطئ والأجواء، وحدوده مع مصر، أو ما يسمى محور فيلادلفي.

السادسة: تحويل ما يراد الفصل عنه، أو الخروج منه، إلى سوق محتكرة للبضائع الإسرائيلية فحسب، في حين يمنع مرور منتوجاته أوعماله إلى خارجه، أي تواصل خنقه اقتصادياً وأمنياً بهدف دفع أهله في المدى الاستراتيجي للرحيل عنه، بالتوازي مع ما هو مشابه في الضفة المطلوب تهويدها وحشر أهلها في بانتوستانات مقطعة الأوصال، هي عبارة عن تجمعات سكانية شبيهة بوضع الجاليات الأجنبية، لا تصلح لإقامة أي كيان وطني قابل للاستمرار أو الحياة، أي ما يؤدي للوصول إلى الهدف الإسرائيلي المعروف "الترنسفير"، أو ما يعني طرد الفلسطينيين من فلسطين التاريخية وتهويدها بالكامل.

وإذا كان هذا الشق اليميني من الضجة، حيث يبدو شارون في غاية الاعتدال في مجتمع يميني بطبيعته العنصرية الاستعمارية، تقول صحيفة "معاريف" عنه ما يلي: "يجب وضع الأمور في نصابها بالإيضاح بأن المشروع الاستيطاني ليس فقط لم يقم رغم أنف الشعب، بل ولد وازدهر بمباركته، وصوت أغلبية الناخبين دوماً في صالحه"، فماذا يا ترى عن الشق اليساري من هذه الضجة؟!

نترك الإجابة هنا إلى صحيفة "هآرتس" التي لامت في مقال لها ما يدعى اليسار الإسرائيلي لتعاطفه مع خطة شارون التي قالت أنها تقطّع أوصال الفلسطينيين وتكرّس الاحتلال، الأمر الذي يقود إلى حالة تحذر الصحيفة منها، وهي استمرار المقاومة الفلسطينية، حيث يبدو شارون في ظل هذا التعاطف مقابل الغضبة اليمينية ضده، وكأنه "رجل السلام المطارد" وفق وصف هذه الصحيفة التي تقول:

"تعاطف أجزاء من معسكر السلام الإسرائيلي مع خطة فك الارتباط هو جزء خطير آخر من هذه الخطة. لأن هذا التعاطف يتيح لشارون ولشركائه وللرؤية التي ينادي بها أن تواصل تجسيد حلمهم الحقيقي من دون انتقادات جماهيرية أو احتجاجات أو معارضة ناجعة:

السيطرة على أكبر قدر من الأراضي في الضفة الغربية من دون عرب أو مع بعض العائلات العربية، ومواصلة توسيع المستوطنات التي تفصل بين التجمعات الفلسطينية. في هذا الحلم لا يعتبر الفلسطينيون أصحاب حقوق وطنية على أراضيهم التي تخضع كلها للاحتلال الإسرائيلي وإنما ينظر إليهم على أنه مجموعة من التجمعات السكانية الفردية التي يعد الحاكم الإسرائيلي لكل واحدة منها مصيراً مغايراً".

شارون يواصل استثمار الضجة الآتية من على يمينه ومن على يساره بحنكة رجل عُرف بإجادته للمناورات وقدرته على التكتيكات الخادمة أبداً لاستراتيجيته التهويدية المعروفة التي لا يحول عنها. وفي ظل ما تتيح له الصورة الزائفة ل"رجل السلام المطارد" حتى من قبل حزبه، يعلن بشكل يوحي بالقطع:

إخلاء قطاع غزة، الصيف القادم، لكن دونما تحديد لوقت معين، أو قول ما هو ملزم، لأنه، وفي إشارة للمعارضة، والإفادة من معارضتها، "كل هذا صعب جداً، فنحن نتعامل مع أشخاص استثنائيين أظهروا قدرة على الاحتمال على مر سنين"!

...وفي ظل هذه الضجة يواصل شارون أيضاً تنفيذ المذابح المتنقلة ضد الفلسطينيين، وقد يكون من المفيد هنا الإشارة إلى إحصاء رسمي فلسطيني يقول أنه خلال السنوات الأربع الأخيرة فقد الفلسطينيون: 3474 شهيداً و42022 جريحاً، ومن بينهم 654 طفلاً، و242 شهيدة. وبلغ عدد من اغتيلوا أو تم تصفيتهم 274 مناضلاً، أما ما استشهد من غير المستهدفين إبان عمليات الاغتيال فكانوا 136 شهيداً، ومن قضوا وهم ينتظرون على الحواجز من المرضى نتيجة الإعاقة المقصودة فهم 115، وإن من قتلتهم قطعان المستعمرين وحدها بلغوا 46 شهيداً، ويمكن في التفاصيل معرفة أن من بين الشهداء 344 شهيداً من ضباط الأمن الوطني الفلسطيني، و220 رياضياً، و31 من الطواقم الطبية والدفاع المدني، و697 من طلاب ومعلمي وأساتذة المدارس والجامعات، بالإضافة إلى 7 صحفيين، إلى جانب صحفيين أجنبيين اثنين...

إذن... وبالعودة إلى الرباعية المتمسكة بأهداب الراحلة خارطة الطريق، وسعي شارون من خلال بديلها خطته للفصل إلى الوضع المريح الذي أشار إليه شلومو بن عامي وحصوله عليه، وعلى نقيض من التحليلات المبسطة التي تتحدث عن المخاطر التي تتهدد زعامته داخل الليكود، وحظوظه في البقاء في سدة الحكم إن جرت انتخابات مبكرة كما يطرح أو يتمنى البعض، وهو الحاكم الإسرائيلي الذي له من الشعبية والقوة ما لم يتوفر لسواه من الحكام والقادة الإسرائيليين منذ بن غوريون... هل من المستغرب أن يهتف الليكوديون في مؤتمرهم هتافين متناقضين:

الأول، شارون "إمّعة الفلسطينيين"... والثاني، هتافاً تقليدياً معروفاً احتكره الرجل لعقود وتظل أصدائه بعد أن يذهب الأول أو تذهب الضجة المثارة من على يمينه ويساره:

"شارون ملك إسرائيل"؟!

اللجنة الرباعية في اجتماعها النيويوركي الأخير باركت بمواقفها ضمناً البديل الشاروني وبايعت الملك!