ليس كل الورد يفوح منه العطر...

ما كل ورد شذى بل بعضه ورقٌ                    ويجرح الشوك من لا يحسن الحذرا....

 الطاهر إبراهيم

ما يزال مقالنا الذي نشرته –مشكورة- "السياسة الكويتية" ونشرته "كلنا شركاء" تحت عنوان " سورية /الوطن/ حق أصلي للمواطن السوري. ومنع المنفيين من العودة هو اغتصاب لهذا الحق" تتجاوب أصداؤه، وتتوالى الردود عليه: بين مستحسن له ممن قاسى من مثل ماقاسينا من ظلم الراسخين في الحكم في دمشق من البعثيين، وبين مهاجم لنا ممن يعيش في سورية، يخشى سطوة أولئك الراسخين في الحكم.

وكان الدكتور المهندس "محمد غسان طيارة" ممن هاجم موقفنا الذي بيناه في ذلك المقال فكتب:

"إنني لا أعرف أسباب معارضة الأستاذ الطاهر إبراهيم، ومن أي فريقٍ للمعارضة هو؟ ولكنه عرَّف عن نفسه بأنه من مؤسسي رابطة أدباء الشام، لم أستطيع هضم هذه التسمية".

بهذين السطرين ابتدأ "طيارة" –في مقاله تحت عنوان "الزمن الضائع في الحوار بين المثقفين"- هجومه الكاسح على ما جاء في مقالي ذاك. وقد نشرت مقال "طيارة" "كلنا شركاء" بتاريخ 2  أيلول "سبتمبر" الجاري.

وكنت قد كتبت هوامش وتعليقات على ما جاء في هذا الهجوم، ضمن ردٍ لي على مقال الأستاذ "فراس السيد أحمد" تحت عنوان "همسة عتاب أخوية في أذن الأستاذ الطاهر إبراهيم"، وقد كان بدوره انتقد بعنف ما ورد في مقالنا أعلاه. وقد نشر ردنا على انتقادات السيدين فراس وطيارة في "السياسة" وفي "مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية" تحت عنوان "دكاكين النضال البعثية تفتح أبوابها في دمشق من جديد".

وكنت حرصت في المقال "الرد"على قضيتين اثنتين: الأولى الابتعاد عن التجريح في الأشخاص الذين ترد أسماؤهم في مقالتي، أما الثانية فهي توثيق المعلومة التي أوردها ما استطعت إلى ذلك سبيلا.

وكان مما لفت انتباهي،هو اعتراض الأخوين "طيارة" و "فراس" على اسم "رابطة أدباء الشام" التي أنا عضو فيها، ولماذا هذه التسمية؟ (ولماذا لا تكون باسم "رابطة أدباء بلاد الشام"؟ وزاد الدكتور "طيارة" ..فهذا أفضل قبولاً وأذكى رائحةً). ومع أنه "لا مشاحة في الاصطلاح"، فلو عدنا إلى أحاديث الرسول محمد "صلى الله عليه وسلم" لوجدنا أنه كان يطلق "الشام" مجردة عن أي كلمة أخرى كما ورد في حديث النار التي (..تحشر الناس من "عدن" تسير معهم وتقيل معهم، فسأله الصحابة فماذا تأمرنا يا رسول الله؟ قال عليكم بالشام..)، وفي حديث آخر (..اللهم بارك لنا في شامنا). كما أن اختيار الاسم تم بتوافق من جميع الأدباء الذين تداعوا إلى تشكيل هذه الرابطة. وكان اللافت في هذه الرابطة، هو تنوع فنون الأدب التي تنشر على موقعها، وجودة وغزارة الانتاج فيها. ويتم "تحديث" الموضوعات فيها كل يوم جمعة، ويمكن أن يجد القارئ موقعها تحت اسم "أدبا شام "

و"السمة"الثانية التي لفتت انتباهي هو أن الأخوين عادابنا بالذاكرة إلى أحداث مؤلمة جرت قبل ربع قرن، دفع الشعب ضريبتها، مع أن طرفي الخصومة، النظام والإخوان المسلمين، وبتوافق غير متفق عليه، ما عادا يذكران تلك الأحداث في تصريحاتهما.

أما السمة الثالثة التي طبعت مقال الدكتور "طيارة" بخاصة، فهي عدم التأكد مما أورده من أحداث. وقد أشرت إلى بعضها في ردي وأغفلت أكثرها. وعلى سبيل المثال أشار إلى إيرادي  ( للبيان الذي صدر عن مؤتمر المعارضة –في لندن- في آب 2002 بهدف تضييق شقة الخلاف مع نظام الحكم في سورية،ونسي بيان المعارضة الذي صدر منذ ما يقارب عقدين من الزمن والذي حرَّض فيه "المعارضون"على الاغتيالات وحللوا التفجيرات). فقد حددت مكان المؤتمر وتاريخه، وترك الدكتور بيان(التفجيرات) غفلا من المكان والتاريخ. ثم إني أتكلم عن تضييق شقة الخلاف بين النظام والمعارضة، ويتحدث هو عن التفجيرات.

أما السمة الرابعة التي فشت ،ليس في مقال الأخوين الكريمين فحسب، بل في كل ما يُكتب من داخل سورية العزيزة، ألا وهو أنهم يتركون وراءهم مقارعة الحجة بالحجة ويلجأون، إلى تعداد ما كان يتمتع به الرئيس الراحل، أو ما يتمتع به الرئيس بشار الأسد من صفات عالية.وكأن الكاتب يشعل الضوء الأحمر أمام محاوره ويحرجه بما ذكر حتى إذا اعترض أشهر في وجهه "الكرت الأحمر"، وأخرجه من ساحة الوطنية.

عندما جاء الرئيس بشار إلى الحكم كان للمعارضة الإسلامية منه موقف واضح وبناء. فقد جاء في تصريحاتها، أنها لا تحكم مسبقا على الرئيس الجديد اعتمادا على ما كان في عهد والده، بل سيكون الحكم على ما يفعله الدكتور بشار.

ومع أن خطاب القسم أشاع جوا من التفاؤل بما ورد فيه من وعود، إلا أنه لم يتحقق منها حتى الآن إلا أمور هامشية. ولا يغير كثيرا، أن كان عدم إنجاز الوعود جاء بسبب ممانعة مراكز الشد العكسي في السلطة، أو أن القيادة السياسية لم تعد متحمسة كثيرا للإصلاح، لأن النتيجة واحدة، أننا ما زلنا نقف في سورية في المربع الأول.

ولو كنت أنظر إلى ما كان يجري في سورية من نفس الزاوية التي ينظر منها الأخوان، فراس وطيارة، لما عشت منفيا عن وطني، الذي يصر سدنة حزب البعث على أن لا يسمعوا فيه إلا أصوات المادحين. أما السعي إلى تضييق شقة الخلاف، فهي أمور ثانوية لم نجد لها كبير أثر إذا نظرنا من زاوية ما جاء في كلام الدكتور "طيارة"أعلاه، ولو كان علي أن أوافق على سياسة

حزب البعث، لما كنت في المعارضة.

ولعلي أذكّر الأخوين بما ورد في السيرة النبوية العطرة في "صلح الحديبية"، عند ما قال الرسول "صلى الله عليه وسلم" ل "علي بن طالب" رضي الله عنه اكتب: (هذا ما صالح عليه "محمد" رسول الله، فاعترض "سهيل بن عمرو" قائلا: لو كنت أعتقد أنك رسول الله لما حاربتك، - وهذا موضع الشاهد- ولكن اكتب اسمك واسم أبيك.فأمر "صلى الله عليه وسلم" عليا أن يكتب ما قاله سهيل بن عمر).

وفي السمة الخامسة ظهر واضحا في ما كتبه الدكتور "طيارة"، أنه لم يلتزم بما جاء في عنوان مقاله "الزمن الضائع في الحوار بين المثقفين"، حيث شرق بنا وغرب،ذاكرا أحداثا ،منها القليل الصحيح وأكثرها لا تصح. ولم نفهم لماذا أوردها في "مقام" الحرص على أن لا يضيع الزمن منا.

ورد الدكتور "طيارة" وأشواكه.

ولعلي أن لا يفوتني التنويه بالرسالة التي أرسلها الأخ "فراس السيد أحمد" عبر صفحات "مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية" في لندن، أوضح فيها أمورا، اعتبر أني فهمتها عنه خطأ. وقد سررت من حرصه على أن لا يفهمه الآخرون بطريقة خاطئة، وهذا يدل على صدق في القناعة حتى ولو لم تأت وفق ما يراه أكثرية الشعب السوري، ربما لأنه ولد وعاش في عهد حزب البعث، وليس مخضرما كالدكتور "طيارة" الذي يأتينا كل مقال له بجديد.

فقد خرج علينا يوم الخميس 9 – 9- 2004 ، بمقال تحت عنوان "من كل بستان شوكة وزهرة" عدد فيه مقالات اعتبرها "ورودا" وأخرى كلها شوك،وثالثة فيها القليل من الورد والكثير من الشوك، وكلها لكتاب سوريين محترمين.

ولا يعجبني أن يُنَصّّب كاتب نفسه في مقام الخبير في "تقويم" مقالات الآخرين أو نقدها ،وهو مقام لا يجرؤ عليه، بل لا يستطيعه كبار الكتاب. فنحن يمكننا أن نعدد آلاف الكتاب في سورية ولا نكاد نجد فيها عشرة نقاد. على أن النقاش السياسي لا يعتبر نقدا أدبيا على كل حال، بل حوارا بين متخاصمين سياسيا، وهو أمر صحي يدفع نحو "تضييق" شقة الخلاف بين المحاورين المتخاصمين.

وقد أثار استغرابي أن يعود بنا الدكتور "طيارة" في مقاله الجديد، مرة ثانية إلى مقالي "الوطن حق أصلي للمواطن السوري" المنشور في 27 – 6 2004، متجاهلا مقالي تحت عنوان "الحقيقة الضائعة في الحوار بين المثقفين"،المنشور في 6 أيلول الجاري، الذي رددت فيه عليه وعلى الأخ "فراس". أم أنه لا يريد أن يعيد إلى أذهان القراء ما وقع فيه من أخطاء تاريخية قاتلة؟.

فقد قال الدكتور "طيارة" في مقاله "الشوك والورد" عن مقالي "الوطن حق أصلي.." إن (هذا المقال بستان من الشوك، وقد ناقشته في المقال المنشور في "كلنا شركاء" بتاريخ 2-9-2004 ولن أستطيع مناقشته وزرع بعض الورد فيه من دون العودة إلى تاريخ الحركة التصحيحية). واستطرادا نسأل الدكتور المهندس "طيارة" هل يتذكر الورود التي بترت من فوق أعوادها، يوم 31 آذار عام 1980 ، حيث تداعت النقابات المهنية في سورية ومنها نقابة المهندسين في ذلك اليوم للاعتصام في مباني النقابات في المحافظات احتجاجا على ما كان يجري في سورية من تغييب للحرية واعتقالات بالجملة في ظل قانون الطوارئ؟ وهل يذكر أن جميع أعضاء النقابات -معظمهم ليسوا من الإسلاميين، بل فيهم السني والعلوي والنصراني والدرزي والإسماعيلي- قد تم اعتقالهم في صبيحة ذلك اليوم وبقوا في معتقلاتهم 12 عاما؟ أيعد ذلك من المنجزات أم؟.

وقبل أن أضع اللمسات الأخيرة على هذا المقال كنت أتابع الاحتفال الحاشد في "أم الفحم" الذي أقامه خمسون ألفا من فلسطينيي عام 1948 ،هاجموا في كلماتهم "شارون" والكيان الصهيوني. فهل يجرؤ خمسون سوريا على التظاهر في أحد أحياء حلب أودمشق في ظل منجزات الحركة التصحيحية التي لا يزرع الدكتور الورود إلا بعد العودة إلى تاريخها؟.

ونسأله عن شباب "داريا" المعتقلين؟ ونسأله عن الطالب "عرب" الذي فصل من جامعة حلب، ثم اعتقل هو وزميل له كانا في دمشق لمراجعة وزارة التعليم العالي عن قضيته وقضية زميله "باسل ديوب" الذي فصل معه؟ ونسأله ... ونسأله... فهل يجيب؟   

أخيرا! ألا يحق لنا أن نتساءل عن السبب الذي دعاه إلى القفز فوق مقالنا "الحقيقة الضائعة في الحوار بين المثقفين"؟ أم لعله لا يريد أن يعود بذاكرة القراء إلى ما ذكرناه في هذا المقال من أخطاء تاريخية وقع فيها الدكتور "طيارة".

وأخيرا أقول لسعادة الدكتور أن يكون على حذر من الأشواك المزروعة في مقالي، فإن الشوك يخز، وأحيانا يدمي، وفي كل الأحوال يذكّر بعواقب السير من دون تبصر.

الطاهر إبراهيم    كاتب سوري معارض     عضو مؤسس في رابطة أدباء الشام.