الحقيقة الضائعة في دكاكين النضال البعثية...الباعة فيها مثقفون بعثيون ...

 الطاهر إبراهيم

مهما حاول البعث السوري أن يخلق لنظامه شرعية بعيدا عن خيارات الشعب وعما تفرزه صناديق الاقتراع، فإن صوته يبقى غير مسموع إلا ضمن دائرة ضيقة من المستفيدين منه بطريقة غير مشروعة، بعد أن فصّلت مواد الدستور على قياس البعثيين فقط.

أما الأحزاب والتوجهات ومؤسسات المجتمع المدني في سورية ، وليس جماعة الإخوان المسلمين فقط، فإنها ترفض أن يحتكر حزب واحد السلطة في سورية، مهما زعم أنه يملك  جماهيرية تؤهله لاحتكار السلطة.

ونحن نعتقد أن التداول على السلطة هو حق لكل الأحزاب والتوجهات، ولكن من خلال "صناديق الاقتراع" التي هي المقياس الأقرب للعدالة في الوصول إلى الحكم. أما عبارات "الحزب القائد" و"الحزب الرائد" فهو كلام فارغ، لا يستند إلى أساس منطقي، وليس له ما يؤيده في عالم الواقع. لماذا ؟

لقد بقيت الأحزاب الشيوعية تحكم لأكثر من نصف قرن زاعمة أن الشعب كله يؤيدها. ثم تبين بعد تفكك الاتحاد السوفييتي والدول التي كانت تدور في فلكه، أن تلك الأحزاب كانت هامشية ولا وزن جماهيريا لها.وهذا يشير إلى أن الحكم بعيدا عن خيار الشعب، لا يؤسس إلى مشروع حكمٍ قادرٍ على البقاء، طالما أنه بعيد عن رغبة أغلبية الشعب.

ولقد لاحظ الذين تابعوا فعاليات مؤتمر المعارضة السورية، الذي انعقد في "لندن" أواخر آب عام 2002 ، أن الذين حضروا المؤتمر تحت شعار "سورية لكل السوريون" قد أدركوا هذا المعنى، فأكدوا ،وبإجماع المؤتمرين، على أن سورية لن تكون حرة وقوية إلا إذا سلكت الطريق الديموقراطي، وكانت السلطة فيها تعددية وتداولية، تأتي عبر صناديق الاقتراع، وليس عبر الوثوب إلى الحكم عن طريق الانقلابات.

و قد أكدت هذا المعنى جماعة الإخوان المسلمين ،في ميثاق الشرف الذي صاغته وأعلنته في وسائل الإعلام في 3 أيار 2001، (تحول بعد ذلك إلى ميثاق الشرف الوطني الذي اعتمدته أحزاب المعارضة في مؤتمر لندن 2002 ) وأنها ترفض رفضا قاطعا الاحتكام إلى السلاح كوسيلة للوصول إلى الحكم، لأن الحكم الذي يأتي بانقلاب يذهب بانقلاب، ولأن السلاح يجب أن لا يرفع إلا في وجه الأجنبي العدو الذي يعتدي على الوطن وشعب الوطن. وهذا الموقف الأخير لم يولد مع ميثاق الشرف، وإنما كان منذ بدايات نشأة جماعة الإخوان  المسلمين، وكان حاضرا عند المفاصلة التي تمت مع عناصر "الطليعة المقاتلة". فقد أصرت الجماعة على الاقتصار على المنهج التربوي سبيلا للتغيير في سورية،ما جعل "الطليعة" تيأس من استجابة قيادة الإخوان لمشروعها في مواجهة قمع الأجهزة الأمنية بعنف مكافئ لذلك القمع.

وقد أكد هذا المعنى مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في سورية الدكتور الشيخ "مصطفى السباعي" رحمه الله تعالى، الذي قال: ( لا تطلقْ كلمةَ "العدو"إلا على الأجنبي المحارب، أما المواطن الذي تختلف معه فهو "خصم". والعدو لا تنفع معه إلا الشدة، والخصم يفيد معه كثيراً: حسن الخلق، والإغضاء عن الإساءة .. وترك الفرصة له ليفهمك ..) ، (من كتابه هكذا علمتني الحياة فقرة 568).

قدمت بهذه المقدمة بعد أن قرأت ماجاء في مرافعة الدكتور المهندس غسان طيارة ( نقيب مهندسين سوريين سابق غير منتخب،عينته الحكومة السورية، ومن أكل من طعام السلطان ضرب في سيفه)القيمة، التي قدم فيها لمقاله الذي نشرته "كلنا شركاء في الوطن " في 2 أيلول الجاري، تعقيبا على مقال لي تحت عنوان: "سورية /الوطن/ حق أصلي للمواطن السوري ومنع المنفيين من العودة اغتصاب لهذا الحق"، نشرته "كلنا شركاء في الوطن" يوم 27 آب المنصرم.

وكان قد سبقه إلى ذلك الأستاذ "فراس السيد أحمد" في همسة العتاب الأخوية التي أراد أن يهمسها في أذني تعليقا على مقالي الذي ذكرته آنفا. وقد نشرت همسته تلك "كلنا شركاء في الوطن"، يوم 29 آب المنصرم.

فكل التحية للأخ "فراس السيد أحمد" وكل التحية للمهندس الزميل الدكتور "غسان طيارة" وليسمح لي الكدتور غسان أن أبدأ بالأخ فراس لأن رده علينا كان هو الأسبق.  

فكما اتسع صدري لهمسة الأخ فراس التي أحسبها كانت صرخة مدوية وليست همسة، أرجو أن يتسع صدره لبعض الهوامش على ما جاء في همسته المدوية، وأن يسمح لي أن أختلف معه في الطريقة التي يعتبرها كل واحد منا هي الأصح للحرص على هذا الوطن.

أولا:لن أجادل الأستاذ فراس في الطريقة التي قسّم فيها المنفيين إلى (عملاء لأمريكا، أكراد انفصاليين، إخوان مسلمين، بعثيين يمينيين، دعاة مجتمع مدني متسائلا:كأن المجتمع في سورية ليس مجتمعا مدنيا؟).

فالبحبوحة التي يجدها من كان على وفاق مع نظام الحكم، لا يجدها معارضٌ للنظام ممن يتحسس نفسه صباح كل يوم ليتأكد إن كان ما يزال في بيته أم في ضيافة "الشباب" في أحد أقبية أجهزة الأمن. لذا تراه "يمشي الحيط الحيط ويقول يا ألله السترة. و"المجتمع المدني" يا صاحبي معدوم في سورية، طالما أن حزب البعث احتكر مؤسسات هذا المجتمع كالنقابات والجمعيات و..و.. وحولها إلى مؤسسات بعثية.

وإذا كنت لا أعيب على من وقف في صف النظام ودافع عن موقفه ذاك عن قناعة، فإني أتمنى أن لا يعيب علي هو الآخر عدم قناعتي بصواب سياسات النظام. وكما قيل قديما "خلافنا في الرأي لا يفسد للود قضية".

ولذلك فإني أشد على يد القاضي الثالث في محكمة الجنايات في القصر العدلي التي حوكم أمامها النائبان "رياض سيف" و"مأمون الحمصي" عندما تحفظ على الحكم الذي أصدرته المحكمة بإدانة النائبين والحكم بالسجن خمس سنوات على كل منهما.

فقد أصر هذا القاضي على أن يثبت في حيثيات الحكم وجهة نظره فيما نسب إلى النائبين قائلا: (ما يعتبر الآن جريمة يحاكم عليها القانون قد تكون بطولة يستحق عليها الثناء في عهد آخر، ولذلك أمتنع عن المصادقة على الحكم...) (يمكن الرجوع إلى ملف القضية للتأكد من هذه الملاحظة).

واستطرادا فإننا ،وبنفس الطريقة، يمكن أن نحكم على الحركة التصحيحية التي انقلب فيها الرئيس الراحل "حافظ الأسد" على رفيق دربه اللواء "صلاح جديد" في نوفمبر عام 1970 .فلوأن هذه الحركة فشلت،لربما كان الأخ فراس يذكر في رده اسم الرئيس الخالد  "صلاح جديد..أو نور الدين الأتاسي.. أوغيرهما" بدلا من الرئيس الخالد حافظ الأسد. ولربما كان الرئيس الحالي هو "أسامة صلاح جديد" أو أستاذنا الكريم الصحفي محمد علي الأتاسي". والفيصل في القضية كلها يا صاحبي، أن حافظ الأسد نجح في انقلابه، وأن الفشل كان من نصيب صلاح جديد، الذي بقي يوصف بأنه رجل سورية القوي حتى أشهر قليلة من انقلاب الحركة التصحيحية.

 ولعلي أضيف هنا معلومة قد لا تكون عند الأخ فراس بحكم فارق السن.وهي أن "صلاح جديد" كان من بين الضباط الذين شاركوا في انقلاب 8 آذار عام 1963، بينما كان حافظ الأسد ضابطا مسرحا أعاده "صلاح جديد" مرة ثانية إلى الجيش، فكانت مكافأته، بأن انقلب عليه الرئيس الخالد وأودعه السجن حتى أخرج منه إلى قبره ميتا في عام 1996 .

ملاحظة:يمكن التأكد من صدق المعلومات أعلاه بالعودة إلى سجلات إدارة شؤون الضباط التي تؤكد وجود المقدم " جديد" عضوا في مجلس قيادة الثورة منذ اليوم الأول لانقلاب 8 آذار، وأنه تم إعادة الرائد الطيار المسرح حافظ الأسد إلى صفوف الجيش في نفس اليوم.

ثانيا:ورد في همسة الأخ فراس "هل يجوز أن نعتبر عصابة الإخوان المسلمين التي كادت أن تدمر البلد معارضة؟"ودلل على استهجانه بأن اتهم هذه العصابة بأنها قتلت عباقرة البلد مثل الدكتور "محمد الفاضل" والدكتور نعامة و...

(لا بد أن نشير هنا إلى أن أعمال العنف التي جرت في سورية بين عامي 79 – 1982، مرفوضة أيا كانت الجهة التي باشرتها، سواء أكان العنف من أجهزة أمن الدولة. أو كان من المعارضين الذين كان ينتمي معظمهم إلى"الطليعة المقاتلة"، وهو تنظيم انشق أفراده عن جماعة الإخوان المسلمين بعد أن رفض الإخوان القبول بمبدأ العنف المضاد لعنف أجهزة الأمن كما أسلفت . وهنا لابد أن أذكر أن الدولة عقدت صلحا مع قيادات الطليعة في عام 1984 ،عاد أكثرهم على إثرها إلى سورية، وكان منهم طبيب أسنان دخل مجلس الشعب كمستقل، وهو نفسه الذي ذكره الدكتور طيارة في مقاله.).

مرة ثانية سوف أستشهد بسجلات رسمية وبأدبيات تاريخية لحزب البعث، يمكن أن يعود إليها الأخ فراس لأنه على ما يظهر من حماسه المتدفق ضد معارضي نظام الحكم بأنه من الناس الواصلين.

 الاغتيالات السياسية التي حصلت في سورية معظمها حصل في عام 1979 وأوائل عام 1980 ، وسأقدم للأخ فراس ما يدحض اتهامه للإخوان المسلمين بأنهم قتلوا عباقرة البلد بشهادة شاهد لا أعتقد أنه يستطيع أن يردها وهي شهادة الرئيس الراحل حافظ الأسد حيث أشاد بالإخوان المسلمين وهو يخطب في اجتماع جماهيري في 23 آذار عام1980 حيث قال وبالحرف الواحد: (إن الإخوان المسلمين في سورية ليسوا مع القتلة، ولا  خلاف لنا معهم إطلاقا بل نحن نشجعهم، ولهؤلاء الحق، بل وعليهم واجب أن يقترحوا علينا وأن يطالبونا بكل ما من شأنه خدمة الدين ورفع شأن الدين) ( ورد جزء من هذا الخطاب في الفصل الذي كتبه الأستاذ"جمال باروت" في مجلد(الأحزاب والحركات القومية العربية في القرن العشرين-الذي صدر عن المركز العربي للدراسات الاستراتيجية في دمشق ).

ومن المفارقة اللافتة للانتباه، أن الرئيس حافظ الأسد الذي أشاد بالإخوان المسلمين في خطابه آنف الذكر، هو نفسه الذي أصدر القانون 49 لعام 1980 ، الذي يحكم بالإعدام على مجرد الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين. ولا يزال هذا القانون ساري المفعول حتى تاريخه.

ونعود إلى همسة الأخ فراس فنقرأ فيها التالي: "فالغالبية الساحقة من هؤلاء المواطنين المخلصين لوطنهم يتنقلون من و إلى الوطن بحرية و هذا أبسط حقوقهم و هو ليس منة من أحد". وقد كرر نفس المعنى الدكتور طيارة عندما قال:"نعم دخل بعض المفاوضين من قادة جماعة الأخوان المسلمين إلى دمشق من عمان وخرجوا منها سالمين".

وكان أسرع رد على ما أورده الأخوان "فراس وطيارة" هو تعقيب محكمة أمن الدولة التي حكمت يوم الأحد/29 / 8 / 2004/ (في نفس اليوم الذي نشرت فيه همسة الأخ فراس) بالإعدام على المواطن السوري "محمود علي النبهان" بموجب القانون 49 الصادر في 7/ 7 /1980 ،الذي يقضي بعقوبة الموت على كل منتسب للإخوان المسلمين في سورية. ثم خفضت العقوبة إلى 12 سنة كتّر الله خيرك يامحكمة-( انظر الحياة 30 آب الماضي). وقد كان هذا المواطن مقيما في العراق قبل الاحتلال الأمريكي، وعاد إلى سورية قبل 16 شهرا هاربا من جحيم الاحتلال، ولكن ليس إلى بيت أهله، وإنما إلى أحد أقبية المخابرات حيث تعرض للتعذيب، قبل أن يعرض على محكمة أمن الدولة.

وهكذا يلحظ القارئ الكريم مصداقية قولي الأخوين "فراس وطيارة " عن إمكانية انتقال المواطن من وإلى سورية..اللذين أوردناهما أعلاه بين مزدوجتين.

وعودا إلى القانون 49 الذي صدر في 7 تموز عام 1980 ، فإن مما يبعث على الدهشة والاستغراب أن هذا القانون صدر بعد عشرة أيام فقط من تنفيذ جريمة نكراء تصنف تحت مسمى "إرهاب الدولة"، دارت فصولها في سجن تدمر الصحراوي حيث كان يحتجز آلاف المعتقلين من الإخوان المسلمين وغيرهم.

فقد أرسل العميد "رفعت الأسد" شقيق الرئيس الراحل،  فصائل من سرايا الدفاع ،محمولة بالطائرات، لتنفيذ مذبحة في ليلة 26-27 حزيران من عام 1980 ،في سجن تدمر "سيئ السمعة"، فقتلت حوالي ألف معتقل وهم نيام في مهاجعهم. ويميل كاتب التقريرعن هذه  المجزرة المستشرق الفرنسي "ميشيل سيرو" إلى أن عدد الضحايا بلغ (1181).

 ولولا أننا لا نريد أن نضع الملح في الجرح الذي كاد أن يلتئم، لقدمنا وصفا حيا لهذه المجزرة كما شهد بذلك بعض من شارك في هذه المجزرة أثناء محاكمتهم في قطْر شقيق مجاور، بعد أن اعتقلوا في محاولة لاغتيال رئيس وزراء حكومة ذلك القطر في أوائل عام 1981 .

وما كان الإخوان المسلمون ليقوموا باغتيال الدكتور "محمد الفاضل"، وهم يعرفون أنه كان على صلة طيبة مع مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في سورية الشيخ"مصطفى السباعي" رحمه الله تعالى. وقد ألقى "الفاضل" أبلغ كلمة قيلت في حفل تأبين "السباعي" عام 1964. وقد نوه كاتب هذه السطور بالدكتور "محمد الفاضل" في مقال نشرته "كلنا شركاء في الوطن" رداعلى "غسان الإمام" عندما شتم (من على صفحات الشرق الأوسط،التي رفضت نشر ردنا على مقال "غسان" بينما نشرته مشكورة كلنا شركاء في الوطن) مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في سورية الشيخ مصطفى السباعي.

 نحن لا ننفي تورط بعض أفراد الإخوان في أحداث 79-1980 ،ولكن المسؤولية لا تقع  على عاتق طرف دون آخر.فأجهزة الأمن صعدت من الاعتقالات على الشبهة. والذين لوحقوا من شباب جماعة الإخوان المسلمين –معظمهم طلاب جامعيون- تلقفتهم "الطليعة المقاتلة"،بعد أن انقطعت صلتهم بقياداتهم التي غادرت سورية بعد موجة البطش والاعتقال التي شنتها أجهزة المخابرات في تلك الفترة. 

ثالثا: لم يستطع الأخ "فراس السيد أحمد" أن يتجاوز منطق البعثيين الذي يعرضونه في دكاكينهم النضالية منذ أربعة قرون. فهو يقول "أيحق لهؤلاء أن يتحدثوا بالوطنية وبالعودة للوطن معززين مكرمين بعد كل ما اقترفت أيديهم".

وكأن الأخ فراس يقول إن الوطن حكر على البعثيين فقط ، حسبما جاء في المادة (8) من الدستور. فمن رضي عنه حزب البعث فهو مواطن يعود معززا مكرما. ومن غضب عليه هذا الحزب فهو مطرود من رحمته.

ويعرّض الأخ فراس بالمعارضة السورية فيقول: " والعفو فَهِمَه البعض ضَعْفا فأصبحوا يهددون بأمريكا و يحتمون بها و كأنهم سيرجعون للوطن بقوة أمريكا كما حدث في العراق...".

هذه "اللازمة الإعلاميه" انتشرت كثيرا في بدايات حكم حزب البعث في الستينيات، وكانت دكاكين النضال البعثية في وزارة الإعلام تنشط في توزيع شهادات الوطنية على البعثيين فقط، بينما توزع على معارضي النظام البعثي شهادة العمالة للأمريكي.

وهكذا يظهر وكأن الأخ فراس ما زال يعيش أجواء تلك الدكاكين، ولا يقرأ حتى ما تنشره أدبيات النظام الحالي.

وسأنقل له شهادة في المعارضة السورية،التي يشتمها الأخ فراس ويتهمها بالعمالة لأمريكا ، جاءت على لسان الرئيس بشار الأسد حيث قال لمراسل "نيويورك تيمز" في ديسمبر الماضي: "هم - أي المعارضة السورية - لا يؤيدون النظام السوري,ولا الدستور ولا الحكومة,ولكنهم ضد ما يقوله الأمريكيون بخصوص نشر الديموقراطية في العراق.إنهم ضد تصدير الديموقراطية بالقوة أو بأي وسيلة أخرى". فمن يريدنا الأخ فراس أن نصدق، كلامه أم كلام الرئيس بشار؟.

وليعذرني الأخ فراس فإنه ما يزال هناك محاور كثيرة ومغالطات أكثر في رسالته ينبغي توضيحها، وقد طالت المقالة، ولا بد أن أعرج على مقالة الدكتور "غسان طيارة" لأن فيها مغالطات لا يمكن السكوت عنها أو تأجيلها.                                              ولعلي أعدد بعض المغالطات والأخطاء التي حفلت بها مقالة الدكتور "طيارة" تعدادا فقط.     أولا: يشير الدكتور طيارة إلى "مقتل المرشد العام لجماعة الأخوان المسلمين الشيخ عصام العطار على أيدي من عارضه من جماعته في التفاوض مع سورية". وهذه القصة مختلقة من أساسها، فالأستاذ "العطار" ما زال حيا والحمد لله يعيش في منفاه الاختياري في ألمانيا.

ولعل الذي علق في ذهن الدكتور "طيارة" هو إقدام حفنة من مجرمي المخابرات السورية على اغتيال الشهيدة "بنان طنطاوي" -زوجة الأستاذ عصام العطار وابنة أديب سورية الشيخ "علي طنطاوي" رحمه الله تعالى- عندما ذهبوا لاغتيال الأستاذ عصام العطار في "آخن" في ألمانيا في عام 1981، فلما لم يجدوه في بيته اغتالوا زوجته "بنان الطنطاوي" رحمها الله تعالى.             

 

ثانيا:ويتساءل الدكتور طيارة "هل دخل السجن أحد من جماعة الأخوان المسلمين قبل مسلسل الاغتيالات؟" والجواب يعرفه سوريو الستينيات والسبعينيات، فقد تم اعتقال أكثر من ألف شخصية إخوانية في عام 1973 ، عندما خطب علماء ضد دستور 1973 ، كان منهم عالم حماة الشيخ سعيد حوى،والمراقب العام الحالي للإخوان المسلمين المحامي "على صدر الدين البيانوني"وعالم حمص عضو مجلس النواب الأسبق الشيخ "محمد علي مشعل" ،وغيرهم كثير. وكان آخرهم خروجا من السجن الشيخ سعيد حوى رحمه الله تعالى.             ثالثا: يقول الدكتور طيارة: "إني لم أقصّر في المطالبة بإطلاق سراح من لم يشترك بشكلٍ مباشر في عمليات الاغتيال من المهندسين بصفتي نقيباً للمهندسين". ونحن نسأله هل طالب بالإفراج عن أعضاء نقابات المهندسين في محافظات القطر السوري –ومنهم زميله كرامي بدور- الذين اعتقلتهم أجهزة الأمن في 31 آذار عام 1980 ، وبقوا 12 عاما في السجن لم يوجه لهم سؤال واحد عن سبب اعتقالهم.

ولع الذي لم يقصر حقيقة هو نقابة المهندسين العامة برئاسة نقيبها آنذاك المهندس "عبد الرحمن المدني" بداية عام 1980 . فقد بذلت جهدا مشكورا هي وفروع النقابة في محافظات القطر حتى أطلق سراح كل المهندسين المعتقلين. والسبب في نجاح الأستاذ "المدني" وزملائه وفشل من بعدهم، أن المدني وزملاءه كانت كلمتهم قوية ومسموعة لأنهم منتخبون انتخابا فعليا من قبل المهندسين. بينما من جاء بعدهم كان يعين من قبل رئيس الوزراء، وفروع الحزب بعد مجزرة النقابات في 31 آذار 1980.                                                                                    رابعا: وعلى ذكر المهندسين، هل يذكر الدكتور طيارة أن المهندس الدكتور "عبد الرزاق عرعور" الأستاذ في كلية الهندسة في جامعة حلب تمت تصفيته جسديا هو ومائة مواطن حلبي في مقبرة "هنانو" في حي المشارقة صبيحة يوم عيد الفطر عام 1980 ، من قبل جنود الفرقة الثالثة التي كان يقودها العميد "شفيق الفياض" أثناء حملة التفتيش في حلب. فقد كان المغدور يزور أقرباءه في حي المشارقة صبيحة عيد الفطر، فقبض عليه مع جمع غفير وأدخلوا المقبرة وأطلق عليهم النار. وللمعلومية فإن هذا المهندس الدكتور كان بعثيا.                                      خامسا: يطالب الدكتور طيارة بإطلاق سراح الأفاضل التسعة "عارف دليلة" وزملائه، لأن "ليس للدولة مصلحة من جعلهم أبطالاً، وهذا اللقب فضفاض عليهم". ونحن نقول:    تعيش "البطولة" التي تكلف صاحبها عشر سنوات سجنا.

سادسا:يذكر الدكتور طيارة "إعدام ما يقارب من مائتي ضابط في مدرسة المدفعية بحلب على يد أحد عناصر جماعة الأخوان المسلمين".ونحن ندين هذه المجزرة،ونؤكد للدكتورأنه قد ثبت لأجهزة الأمن أن الذين قاموا بها كانوا من أفراد "الطليعة المقاتلة"التي عقدت معها الحكومة السورية صلحا عام 1984 ، كما أسلفنا، وأن الإخوان المسلمين لم يشارك أي واحد منهم في تلك المجزرة.

هل بقي شيء يمكن أن نضيفه؟. أعتقد أن هناك الكثير مما يمكن أن نضيفه، ولكن نذكر الأخوين "فراس" و"طيارة" أن يتثبتا من اتهاماتهما للمعارضة السورية عملا  بالحكمة التي  تقول "إذا كنت ناقلا فالصحة أو مدعيا فالدليل". وللأسف فإن نقولات الأخوين الكريمين كلها لم توثق تاريخيا، ومعظم ادعاءاتهما تحتاج إلى أدلة. وستبقى الحقيقة ضائعة في حوارات المثقفين طالما أن اللهجة الفوقية هي التي تطبع حوار المثقف الذي يعيش في كنف ورعاية السلطة.

   كاتب سوري معارض   عضو مؤسس في رابطة أدباء الشام