المبكي في سورية....والمبكي أكثر....

الطاهر إبراهيم

"حبيب كحالة" الاسم العلم في عالم الصحافة، أنشأ صحيفة أسبوعية سورية ناقدة اتخذت من الكوميديا السياسية أسلوبا لتوضيح وتصحيح ما كان يلاحظه الأستاذ "كحالة" على الساحة السورية في عهد الاستعمار الفرنسي. أعتقل الأستاذ كحالة عددا من المرات في عهد الاستعمار، وكان لا يبيت إلا ليلة أو ليلتين ثم يأمر القاضي بإطلاق سراحه. استمرت هذه المجلة "الفذة" في موضوعها، الطريفة في محتواها، طيلة عهد الاستقلال الديموقراطي الوطني وفي عهد الوحدة مع مصر وشطرا صغيرا من حكم حزب البعث حتىعام 1966 ، حيث اعتقلت حكومة البعث هذه الصحيفة وأصدرت عليها حكما بالإعدام رميا في سلة "الممنوع"، بعد أن ضاقت تلك الحكومة ب "قفشات" هذه الصحيفة، فأوقفتها عن الصدور.

وقارن إن شئت ،أيها القارئ الكريم، موقف عهد البعث من "المضحك المبكي" بموقف رئيس الوزراء السوري الأستاذ "حقي العضم" في أواخر عهد الاحتلال الفرنسي لسورية. فقد أورد الأستاذ "كحالة" في صحيفته "المضحك المبكي" الطرفة التالية:

اجتمع كلب وأسد على حمار ميت،فقال الأسد أنا حقي كل اللحم، فتلفت الكلب وبصبص بذَنَبِه ثم قال: أنا "حقي العضم". فذهب بعض المتزلفين إلى رئيس الوزراء "حقي العضم" وقال له: ألا ترفع دعوى سب وقذف على المجلة يا "حقي بك" ؟. التفت إليه الرئيس التفاتة المغضب وقال له باللهجة السورية: "أيوه حتى اللي ما سمع بالقصة يسمع بها!".

تذكرت هذه الطرفة وأنا أتابع تدهور الوضع الصحي للدكتور "عارف دليلة" الذي أصر على متابعة الإضراب عن الطعام ولو أدى ذلك الإضراب به إلى الموت. فقد قال المحامي "أنور البني": أن (دليلة رفض العناية الطبية وهو في السجن مفضلا مواجهة الموت احتجاجا على استمرار اعتقاله والحكم عليه بسبب آرائه السياسية واستمرار المعاملة اللا إنسانية له في السجن).

ولعل آلام الاعتقال التعسفي-وليس في مهنة الاعتقال التي احترفتها أجهزة الأمن السورية  اعتقال غير تعسفي- تهون أمام الآلام التي يعانيها المعتقل المفرج عنه بعد عشرين سنة ، أو أكثر أو أقل، وهو يخرج إلى الحياة ليرى كل شيء في بيته قد دمر، أولاده، أمواله، جسمه الذي أصبح بقايا إنسان.وربما تكون زوجته قد تزوجت إما لانقطاع أخباره أو لأنها لم تصبرعلى شظف العيش بعدأن غيبته سجون المخابرات السورية وبقيت من دون معيل. كان هذا المعتقل المسكين يعيش ظلمة السجن، على أمل أن يخرج منه فيلقى زوجه وولده وجيرانه، فينتهي ألمه وينبثق نور أمله. فلما خرج وجد الحياة خارج المعتقل أظلم وأطغى و"أدق رقبة" من ظلام السجن.

كان يغني في السجن أبيات الشاعر السوري "فخري البارودي" الذي سجنه الفرنسيون:

يا ظلام السجن خيم         إننا نهوى الظلاما

ليس بعد السجن إلا          نور فجر يتسامى

فلما خرج قال في نفسه: يرحمك الله يا "بارودي" هل كنت تقول هذا الكلام لو كنت خريج إحدى سجون المخابرات السورية ؟.

كانت سورية في عهد الاستقلال فيها المضحك المبكي، أما الآن فليس فيها إلا المبكي والمبكي أكثر، بعد أن اعتقلت أجهزة الأمن حرية الكلمة وفرضت الحصار على عقول المثقفين.

ولعله يزول بعض ما في النفس عندما يستعرض الإنسان ما وقع فيه من مصائب ليشاركه الآخرون الإحساس بها، مع أن تقسيم الهم على المجموع لا يعني تجزئته،بل هو المشاركة الوجدانية فقط.

وسنستعرض بعض المبكيات في سورية، وما أكثرها، علنا نجد من يشارك السوريين هذا الهم الذي تنوء منه الجبال الراسيات:

فمن المبكي في سورية أن يسجن "عماد شيحا" (أطلق سراحه في أول آب الجاري)عميد المعتقلين في العالم لأكثر من ثلاثين عاما. دخل "عماد" السجن وعمره عمر الزهور 21 عاما، وخرج منه وعمره 51 عاما، عودا يابسا منخورا، قد جف منه الماء.

أما المبكي أكثر، فهو أن الجريمة المزعومة التي بسببها ألقي "عماد شيحا" في السجن، ليست خيانة الوطن، ولم تكن بسبب التخابر مع إسرائيل، بل كانت اتهامه بمهاجمة مصالح أمريكية في دمشق في أوائل السبعينيات، أي في الوقت الذي كان حزب البعث يهاجم أمريكا ،ليل نهار، من على جميع منابره الإعلامية.

ومن المبكي أن تصدرمحكمة أمن الدولة العليا في دمشق منذ أيام قليلة أحكاما بالسجن أربع سنوات على "هيثم قطيش" وأخيه الممثل  "مهند قطيش"  بالسجن ثلاث سنوات، والصحافي  "يحيى الأوس" بالسجن سنتين، وذلك على خلفية مراسلة إحدى الصحف الالكترونية في دولة الإمارات. كما أصدر ،قبل شهر، القاضي العسكري حكما بالسجن على"عبد الرحمن الشاغوري" بتهمة توزيع المطبوعة الإلكترونية "أخبار الشرق" التي تصدر في لندن.

والمبكي أكثر في هاتين القضيتين أنهما تتصلان بصلة النسب مع"جمعية المعلوماتية"التي يرأسها الرئيس بشار الأسد شخصيا. والمبكي أكثر وأكثر أن أجهزة الأمن لو تابعت نشاطها في هذا الاتجاه فقد تلقي القبض على أكثر من ربع مليون سوري يقومون بنفس الجرائم المزعومة اللاتي أشرنا إليها آنفا. علما أن سورية هي أقل دول المنطقة استخداما للإنترنت.

ومن المبكي، أن سورية هي من أكثر دول العالم انتهاكا لحقوق الإنسان، وأن منظمة العفو الدولية لفتت نظرها أكثر من مرة إلى كثرة المعتقلين السياسيين في سجونها، وأنها من أقل دول العالم سماحا لناشطي منظمة العفو الدولية لزيارة تلك السجون. كما أن لجان حقوق الإنسان في سورية تعمل بدون غطاء نظامي لنشاطاتها لأنها ممنوعة.

ومن المبكي أكثر، أن أجهزة الأمن السورية اعتقلت الأستاذ المحامي "أكثم نعيسة" رئيس لجان الدفاع عن حقوق الإنسان في سورية منذ أكثر من ثلاثة أشهر. والسبب الحقيقي لاعتقاله هو مطالبته السلطات بالكف عن تعذيب السجناء السياسيين، وهو يخضع الآن للمحاكمة أمام محكمة أمن الدولة، دون اعتبار لظروفه الصحية المتدهورة.

ومن المبكي في سورية أن تصريح وزير الخارجية السوري فاروق الشرع بوقوع ظلم علي السوريين المهجرين والمنفيين من بلدهم -خلال لقاء بمناسبة عيد الصحافيين أواخر الشهر الماضي-، قد تأخر قرابة عشرين سنة منذ تسلم حقيبة "الخارجية"، وهو من أكثر الناس معرفة بأحوال الذين يقاسون في المنفى.

أما المبكي أكثر، فإن الحكومة السورية كلها تغض الطرف عما يقاسيه هؤلاء المهجرين المنفيين بتركها الحبل على الغارب لأجهزة الأمن تفعل بهم ما تشاء، تمنع عنهم وعن أولادهم جوازات السفر، وتستدرجهم للعودة إلى سورية من البوابة الأمنية، بعد أن تبتزهم بفرض ما يقارب نصف مليون ليرة سورية "على كل راس" يعطى موافقة للعودة، مستغلة الحاجة الإنسانية لجمع شمل الأسر التي يعيش بعضها في المنفى وبعضها في سورية.

ومن المبكي في سورية،أن التعليم قد رافق معظم النشاطات الحيوية في سورية في الهبوط عن السوية التي كانت عليها تلك النشاطات قبل مجيء حزب البعث إلى السلطة في آذار من عام 1963 . نقول هذا الكلام بمناسبة ظهور نتائج امتحان الثانوية، فقد شهدنا تضخما في مجاميع العلامات التي يحصل عليها طلاب الثانوية مثلا، بحيث أن عددا كبير من الطلاب يحصلون على العلامة التامة أي 100% . بينما كان الوصول إلى معدل 90% ، قبل عهد حزب البعث، يعتبر أمرا نادرا. أما القيمة العلمية لما تكنزه تلك المجاميع من معلومات فقد تدنت بنفس النسبة ولكن بشكل معكوس.

أما المبكي أكثر، فإن الذي يحصل على معدل 90% لا يستطيع دخول كلية الطب مثلا. بينما زميله من شبيبة الثورة البعثية حصل على أقل من 80%  وقبل في كلية الطب، بعد إضافة علامات إلى معدله، لم يحصل عليها في الامتحان .

ولعله من الطريف أن أنقل ما كتبه محرر نشرة "كلنا شركاء في الوطن" الإلكترونية، يوم 11 آب الجاري تعليقا على مقال لنا حول هذه القضية: "ولا بد من التذكير بالسبب الذي استندت إليه القيادة القطرية للحزب في تبرير إعطاء علامات لطلاب الشبيبة في الثمانينات واستمرت بقوة العطالة إلى التسعينات وهنا من المناسب ذكر بأن النسبة عندما أقرت في أول الثمانينات كانت 25 % وتم تخفيضها العام الفائت إلى 15 %  ، هو أن الرفاق الشبيبيين قد ناوبوا وحملوا السلاح وسهروا الليالي في الدفاع عن مقرات الحزب والمنشآت والممتلكات العامة وبذلك فالساعات المتوفرة لديهم للدراسة كانت اقل من زملائهم الذين كانوا متفرغين للدراسة .

ومن المبكي في سورية أيضا، أن القيادة القطرية  تعين أكثر من ثلثي أعضاء مجلس الشعب (لضمان أغلبية دائمة لتعديل الدستور حسب المستجدات الحزبية)، من البعثيين ومن أعضاء "الجبهة الوطنية التقدمية" التي تدور أحزابها في فلك حزب البعث. وينتخب أقل من ثلث أعضاء مجلس الشعب من بين المستقلين. ومن ينتخب مستقلا لا يكون بعيدا عن الموافقة الحزبية بشكل أو بآخر.

أما المبكي أكثر فهو أن "رياض سيف" ،أحد هؤلاء المستقلين، وجّه مرة في إحدى جلسات مجلس الشعب السابق ملاحظة مقتضبة ولكنها صائبة: " الحكومة السورية هي أكثر سعادة في العالم لأنها لا يوجد ما يزعجها، لا أحزاب معارضة ولا إضرابات عمالية، ولا قضاء مستقل ولا صحافة حرة". هذه الملاحظة اليتيمة كلفته خمس سنوات سجن هو وزميله "مأمون الحمصي"، الذي كان ذنبه أكبر حيث تجرأ وطالب بتحويل أبنية المخابرات في كل المحافظات السورية إلى معاهد علمية وجامعية لتعليم الشباب الذي لا يجد له مكانا في الجامعات السورية.

المبكيات في سورية أكثر وأسوأ مما ذكرنا، وليس فيها ما يدعو للضحك أو حتى للابتسام. ولربما يصدق فيها قول المثل "من برّا رخام ومن جوّا سخام".

أهل دول الخليج يبتسمون عندما يسمعون سوريا يتكلم، لعذوبة لهجته على أسماعهم، فهم يحاولون تقليد لهجته فيقول أحدهم "ولك خيو". يحسبون سورية جنة الدنيا، وهي كذلك لولا ما فيها من المبكيات.

*كاتب سوري يعيش في المنفى / عضو مؤسس في رابطة أدباء الشام