غسان الإمام يغني خارج سرب المثقفين السوريين

 

الطاهر إبراهيم   *

 

نشرت صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية يوم 13 آب"أغسطس"الجاري مقالا للأستاذ غسان الإمام تحت عنوان:"المرجعية الإخوانية السورية:الجلوس الصعب على كرسي الاعتراف" صوّر فيه الأستاذ غسان "جماعة الإخوان المسلمين" السورية بصورة لم يألفها شانئو هذه الجماعة و محبوها .ولأنه لا مشاحة في الاصطلاح، فلن أعلق على غرابة العنوان، لأن ما كتب تحت هذا العنوان كان أغرب وأعجب.

لكن اللافت في ما حواه المقال أن الأستاذ "الإمام" كان "إماما" في إصراره على عدم إيراد الأدلة على اتهاماته لجماعة "الإخوان المسلمين السوريين" التي ملأ بها مقاله، مما أفقد المقال المصداقية والمهنية الملْتزِمة بأصول وقواعد الكتابة المحترمة.

وإذا كان قد طالب جماعة الإخوان في مقاله هذا، أن " تمارس نقد تجربتها علنا بصراحة وأمانة"، فهلا كان الأستاذ "غسان" أمينا وهو يتهم بدون دليل. وقد قيل قديما:"إذا كنت ناقلا فالصحة، أو مدعيا فالدليل". وعندما تفتقر الاتهامات إلى الأدلة تصبح نوعا من الشتائم، لا يلقى لها بال، ويترفع عنها الكتاب والمفكرون الذين يحترمون أقلامهم.

ولأن الأستاذ لم يتبع منهجا في مقاله غير منهج الاتهام، فأنا مضطر لتفنيد أهم الاتهامات حسب تسلسل ورودها في المقال.

الافتراء على الشيخ مصطفى السباعي

ولسوء حظ "غسان الإمام" أنه وجه اتهاماته إلى رجل شامخ، يعرف قدره القاصي والداني كما عرف قدره خصومه ومحبوه من رجالات سورية.

وقد بدأ كاتبنا باتهامه الشيخ "مصطفى السباعي" يرحمه الله، فقال: "كنا نحن طلبة الأربعينات نرفض خطابه الإخواني التكفيري للنصارى، وكعادة الإخوان، كان يرفض الحوار، وينصرف عنا صامتا وفي نفسه غضب مكتوم".   

ابتداء نذكّر بأن الأستاذ غسان خالف كل معاصري الشيخ "السباعي" الذين شهدوا له بحسن علاقته مع كل طوائف ومذاهب المجتمع السوري، وخصوصا النصارى منها.

 فلو كان خطاب الشيخ السباعي تكفيريا للنصارى حقا، لما رأينا الأستاذ "فارس الخوري" -رئيس أول مجلس نواب في عهد الاستقلال ومندوب سورية إلى الأمم المتحدة للدفاع عن قضايا سورية في عامي (1945–46 )- ،يرسل ابنتيه للقيام بالدعاية الانتخابية للشيخ "السباعي" ،عندما ترشح للانتخابات التكميلية عام 1957 ضد  "رياض المالكي" مرشح الجيش الذي كان يسيطر عليه ضباط من حزب البعث في ذلك التاريخ.

 ولو كان خطاب "الإخوان المسلمين" تكفيريا للنصارى لما قام "الخوري" -وكان رئيسا لوزراء سورية في عهد الرئيس "هاشم الأتاسي"- بعرض وساطته الشخصية لقاء تخفيف أحكام الإعدام التي أوقعها نظام عبد الناصر على الإخوان المسلمين المصريين في عام 1954 ".

ولو كان الشيخ "السباعي" من الذي يروجون للتفرقة بين أديان وطوائف الشعب السوري، ما كان الدكتور "محمد الفاضل" عميد كلية الحقوق في جامعة دمشق، وهو من الطائفة العلوية، ليقف مؤبنا الشيخ السباعي بعد وفاته في عام 1964 في حفل مشهود، حضره وزير التربية والتعليم ولفيف من الوزراء والسفراء، حيث كانت كلمة "الفاضل" أبلغ كلمة تأبينية قيلت أثناء حفل تأبين الشيخ السباعي، نقتطف منها هذه الجمل:(ولقد شوهد السباعي وإخوان السباعي في حومة فلسطين – رعى الله فلسطين- يتسعرون بالإقدام ، ويتفجرون بالحمية الوطنية، ويهتفون بالتضحية، ويجدعون بالإيمان أنف النكبة... بينما كان الغواة المضللون يلتهمون زاد الأمة العربية مع الوحش،وينضجون شواءهم في حريقها..)،(انظر مجلة حضارة الإسلام العدد الخاص في تشرين الأول والثاني وكانون الأول عام 1964).

هذا هو السباعي الذي شتمته من خلال مقالك يا أستاذ غسان. وقد ذكر الدكتور "الفاضل" في الفقرة أعلاه فئتين: الأولى كانت تقاتل في فلسطين وكان السباعي علما فيها، والثانية كانت تلتهم زاد الأمة العربية، ولم نسمع–وأنت في سن يسمح لك بالقتال في فلسطين- أنك قاتلت في فلسطين، أم لعلك كنت مع الفئة الثانية التي كانت تلتهم الزاد. 

ولا يكتمل الرد إلا بعد أن نثبت للأستاذ "غسان" أن ادعاءه بتكفير النصارى،لم يكن افتراء على الشيخ السباعي فحسب، بل وافتراء على جماعة الإخوان المسلمين أيضا.

فلا نظن أن ذاكرته "مسحت" إلى الدرجة التي ينسى فيها أن الإخوان المسلمين في حلب قد خاضوا انتخابات عام 1961 ، من خلال قائمة ضمت إليهم كلا من الدكتور "رزق الله الأنطاكي" والأستاذ "ليون زمريا" والأستاذ "عبد الله يوركي حلاق" وجميعهم مسيحيون، ترشحوا على قائمة الإخوان المسلمين في حلب. كما ترشح الأستاذ "أديب نصور"، وهو مسيحي أيضاً، على قائمة الإخوان المسلمين في حماة في تلك الانتخابات. 

الافتراء على الإخوان في عهد الانفصال

ولا بد أن نشكر الأستاذ "غسان" على تذكّيره لنا –عن غير قصد منه طبعا- بفضائل تؤكد وطنية وصدق جماعة الإخوان المسلمين بعد ما كاد ينساها الناس، فهو يقول: " في عصر الانفصال (61 ـ 1963) كرس عداء الإخوان السوريين للوحدة القومية... وتحالفوا في مجلس النواب مع القوى الإقطاعية والعشيرية لضرب أهم إنجاز للوحدة: الإصلاح الزراعي..".

ورحم الله من قال:  "وإذا أراد الله نشر فضيلة       طويت أتاح لها لسان حسود"

ابتداء ننصح الأستاذ غسان أن يكثر من تناول نبات "الفطر" الذي ينشّط الذاكرة، ليعيد إليه نشاطه وحيويته فيتذكر معنا أن الإخوان المسلمين كانوا الوحيدين من بين الكتل والأحزاب السورية الذين رفضوا توقيع وثيقة انفصال سورية عن مصر، التي قدمها "الانقلابيون"إلى  خمس وعشرين شخصية سورية وقعوها جميعا ورفض الأستاذ"عصام العطار" المراقب العام توقيع هذه الوثيقة، ورفض معه التوقيع أيضا الأستاذ "رشدي الكيخيا"،مع أن حزبه، حزب الشعب كان قد وقع "الوثيقة" مع الأحزاب والكتل التي وقعتها مثل حزب البعث الذي وقع عنه الأستاذ "أكرم الحوراني " والأستاذ "صلاح البيطار" .

كما أن الإخوان المسلمين لم يكونوا يوما مع القوى الإقطاعية أو الرأسمالية، كما زعم. بل لقد كانت "الجماعة" مع رفع مستوى الطبقات الفقيرة إلى سوية الطبقة المتوسطة، لا إفقار الطبقة المتوسطة لتصبح في سوية الفقراء كما فعل ذلك حزب البعث الذي أنزل متوسطي الدخل إلى مستوى الفقراء خلال حكمه على مدى أربعة عقود. ولقد كان كتاب "اشتراكية الإسلام" للشيخ السباعي -رحمه الله تعالى- ترجمة حقيقية، لا ادعاء زائفا، لتبني "الإخوان المسلمين" لعدالة قضية العامل والفلاح.

واقرأ معنا أيها القارئ الكريم ما أورده "مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية " في لندن، في ترجمته للشيخ السباعي نقلا عن الذين أرخوا لهذا الشيخ الجليل:"وقد تبنى مصطفى السباعي في البرلمان السوري حركة العمال ودافع عن حقوقهم وطالب برفع مستواهم المادي والاجتماعي والأخلاقي، وتبنى مطالبهم في مجلس النواب، وطاف القرى وعاش مع الفلاحين وعرف مشاكلهم وطالب برفع مستواهم وإنصافهم...". 

الأستاذ غسان يغني بعيدا عن سرب المفكرين والمثقفين السوريين:

وتحت عنوان "أسئلة بحاجة إلى أجوبة" يتساءل الأستاذ "غسان"عن "أية ديمقراطية إخوانية تُربط فورا بالحل الإخواني الذي يوصف بأنه «إسلامي "؟ 

ويضيف أيضا: "هل قدموا ضمانات للقوى السياسية غير الدينية وللأقليات المذهبية وعدم منعها من العمل السياسي "؟

لا نريد في هذا الرد أن نشق قلب كاتبنا لنعرف إلى أين يريد أن يصل؟فكل الذي يمكن أن نجزم به،هو أن أسئلته التي نثرها في آخر مقاله، كان يريد منها أن تفرق شمل المعارضة التي التأمت في مؤتمر "لندن" في آب أغسطس عام 2002 .

وتناسي كاتبنا الهمام أن النظام السوري لم يترك أمام أطياف المعارضة سبيلا آخر غير التوحد بقوة للوصول إلى سورية ديموقراطية، تعددية،تداولية -كما جاء في بيان المؤتمر-  ، بعد أن استطاع الاقصائيون في النظام استبعاد كل أطياف المجتمع السوري من غير البعثيين عن العمل السياسي، ثم أكملت أجهزة الأمن المهمة، فقامت بتشريد المعارضين في أصقاع المعمورة.

ولقد أجمع معظم المفكرين والمثقفين على الإشادة بمؤتمر لندن، وتلك الإشادات موجودة في أدبيات ودوريات أحزاب المعارضة "الإنترنتية" مثل "الرأي" الناطقة باسم الحزب الشيوعي جناح الأستاذ "رياض الترك" ومركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية و"أخبار الشرق" التي تصدر عن "معهد الشرق العربي" في لندن، وغيرها كثير. ولو استعرضنا أسماء المفكرين والكتاب الذين أشادوا ب "ميثلق الشرف الوطني" الذي أصدره "الإخوان المسلمون" في أيار عام 2001،وعرّض به الأستاذ غسان، لضاق أمامنا المجال.

وقد كان انعقاد "مؤتمر الحوار الوطني السوري الأول" للمعارضة السورية في لندن، نهاية شهر آب 2002 ،تحت شعار"سورية لكل السوريين"،نقطة فارقة في تاريخ هذه المعارضة .وقد تم اعتماد "ميثاق الشرف للعمل الوطني في سورية" بإجماع الحاضرين، من يساريين وإسلاميين وقوميين، ما كان أحد يعتقد بإمكان جمعهم تحت سقف واحد، حتى وقت قريب.

وقد حضر هذا المؤتمر معظم الطيف الديني والمذهبي والإثني في المعارضة السورية.

وعلى عكس ما ادعى الأستاذ غسان فقد امتدح مواقف الإخوان المسلمين كتاب ومفكرون،

 نذكر على سبيل المثال ما كتبه الأستاذ "فائز سارة" في "كلنا شركاء"عدد 5 تموز الماضي ،قال: "خطا الإخوان المسلمون السوريون في الخارج خطوات باتجاه التقارب مع النظام والفئات السياسية والاجتماعية المختلفة، فنقدوا تجربة الماضي،وأعلنوا تبنيهم أساليب عمل علنية وديمقراطية .." 

وفي "النهار" يوم 27 أيار الماضي، أشاد الأستاذ "ميشيل كيلو" –وهو ليس من الإخوان المسلمين-، مادحا تاريخ جماعة الإخوان المسلمين قائلا: " كان الإسلاميون قوة اعتدال لا تطرّف. وكان حزبهم،حزب الإخوان المسلمين، تنظيماً سياسياً كغيره من التنظيمات، يعمل في نطاق الدستور ويدعو إلى تداول السلطة من خلال انتخابات برلمانية حرة، ويؤمن بالنظام البرلماني الدستوري..".

وأريد أن أختم  بكلمات للشيخ "مصطفى السباعي" أول مراقب عام لجماعة الإخوان المسلمين في سورية يرحمه الله، فقد كتب يقول:

( لا تطلقْ كلمة "العدو" إلا على الأجنبي المحارب، أما المواطن الذي تختلف معه فهو "خصم". والعدو لا تنفع معه إلا الشدة، والخصم يفيد معه كثيرا حسن الخلق، والإغضاء عن الإساءة... وترك الفرصة له ليفهمك.) (من كتابه هكذا علمتني الحياة فقرة 568 ).

يرحم الله الشيخ السباعي ويهدي الله من ضل عن جادة الصواب،،،،،

 

كاتب سوري        عضو مؤسس في رابطة أدباء الشام