الآثار والآثاريون السوريون .. واقع مخيف  .. أسامة المصري

: ( كلنا شركاء ) 10/6/2004
كم من المانشيتات العريضة التي خطت كلمات براقة ومفردات منمقة مما كتبته الكتب التاريخية المدرسية وغيرها، ومما كتبته الصحف أيضاً، والتي تحدثت عن تاريخ سوريا الحضاري وامتداده لآلاف السنوات، ـــ سوريا مهد الحضارة ـــ سوريا التاريخ والحضارة ...الخ ويعرض التلفزيون في قنواته بين الحين والآخر مشاهد من مواقع أثرية وتاريخية تشجيعاً للسياحة وتأكيداً على تجذّرنا وحضارتنا قي التاريخ القديم، وكغيرنا من باقي الأقطار العربية، لم نعد نملك شيئاً من مبررات وجودنا كأمة أو مجموعة أمم عربية سوى تاريخنا الذي نؤكد عليه باستمرار، أليس من الأجدى أن نحافظ على هذا التاريخ المتمثل في تراثنا الثقافي والحضاري، والذي يستند في أحد دعائمه إلى الآثار الموجودة إن كان في مواقعنا الأثرية أو في متاحفنا التي تعبث بها أيادي اللصوص والعابثين الآخرين، والذين أقل ما نستطيع وصفهم به أنهم مفسدوا التاريخ فمن كان مؤتمناً على تراث بلده الأثري ولم يحفظه إذ لم نقل باعه أو سهل سرقته أو أتلفه فإن كلمة مفسدين ربما تكون الأقل ملائمة لوصف هؤلاء أما الذين سكتوا عنهم فلا أدري حقيقة بما يمكن أن يوصفوا به، ليس مهماً الوصف وما سأقول بل المهم أن تعالج الدوائر المختصة في وزارة الثقافة والسياحة و يفتح القضاء تحقيقا حول ما يجري وما ورد في المقالات المذكورة لاحقاً، وحتى لا نفقد كل مبررات وجودنا المادي والمعنوي.
إن ما دفعني للكتابة في هذا الموضوع هو قراءتي لثلاث مقـــــــــالات، الأولى موقعة باسم وعد مهنا بعنوان ( الجهل والتقصير يحكمان الآثار السورية... سرقة الآثار تقودها أياد محترفة ) منشورة في مجلة الاقتصاد العالمي العدد 9 / 2004 . ومقالة موقعة باسم سلمان محمد في جريدة النور العدد 127 تاريخ 12 /11 / 2003 ( آثارنا على بساط الريح . تجوب العالم وترجع إلينا وهي رميم ). ومقالة للدكتور بشار خليف في نشرة كلنا شركاء تاريخ 21 / 12 / 2003 بعنوان (الآثار السورية في دائرة الخطر ).
ولأن الصراع العربي الصهيوني كما قيل لنا قديماً انه صراع وجود وصراع ليس على الحاضر فقط بل على التاريخ أيضاً. فإن أدوات الكيان الصهيوني التنقيبية قد حرثت أرض فلسطين حرثاً كي تثبت أوهامهم التوراتية ومن ثم حرثت أرض الجولان وقبل ذلك حرثت أرض سيناء واستطاعت أن تنهب عشرات الآلاف من اللقى الثرية هنا وهناك. لكن أن تصبح تدمر أخيراً أرضاً يهودية و زنوبيا الملكة التي علمتنا كتب التاريخ أنها ملكة عربية تصبح يهودية أيضاً، مسألة يجب الوقوف عندها قليلاً، والمسألة طالما أنها ادعاءات صهيونية فلن نتوقف عندها فهم يدعون الكثير ونحن دائماً نواجه مثل هذه الادعاءات بإمكاناتنا القليلة بين الحين والآخر. لكن ما جعلني أتوقف عند هذا الموضوع مشاركة سورية في معرض زنوبيا وهو المعرض الذي أقيم في باريس في شهر آب عام 2001 تحت رعاية وزيرة الثقافة آنذاك.
ومعلوم أن زنوبيا ملكة تدمر هي علم بارز في التاريخ العربي والغاية من إقامة هذا المعرض هي إظهار القيمة الحضارية لهذه الملكة ومملكتها ، لكن هل لنا أن نعرف ما هي الانطباعات التي خرج بها زوار المعرض من جميع أنحاء العالم من خلال المادة المكتوبة باللغة الفرنسية التي قدمت إليهم والتي طبعت بإشراف وزارة الثقافة فلنقرأ التالي:
زنوبيا ملكة تدمر حكمت فترة الازدهار لهذه المدينة، أما عن التاريخ القديم ، فقد بنى تدمر الملك التوراتي" سليمان " والترجمة الحرفية كالتالي :
أنا الذي اخترت هذا البيت ليكون منه سكني
أثبت كرسي ملكك إلى الأبد
كما حلفت لداود أبيك
وقلت لا يزول ولد لك من قدامي لإسرائيل ...
وبنى سليمان تدمير التي كانت خراباً في البرية ...
أما زنوبيا فقد كانت ميالة للديانة اليهودية وربما اعتنقتها وان الطائفة اليهودية في عهدها عاشت حرية كبيرة خلال القرن الثالث الميلادي .
و زنوبيا لم تكن أبدا ذات أصل عربي ولكنها كانت على علاقة ما مع القبائل العربية. ومما يزيد الأمر سوءاً ما وضع في مطلع هذا الكتاب للإشارة أن ما ورد حول سليمان مأخوذ من كتاب مؤرخ يهودي؟
لكن الملكة زنوبيا شخصية تاريخية، بينما الملك سليمان شخصية غير تاريخية وتوراتية، فهل لنا أن نرى كيف يصنع الوهم التاريخ؟ وكيف تعيد التوراة كتابة تاريخ بلادنا بجهود المديرية العامة للآثار والمتاحف ووزارة الثقافة؟؟
هل من المعقول أن يعرض دليل المعرض والذي أشرفت عليه المديرية العامة للآثار والمتاحف ـ وزارة الثقافة، أن يتضمن معلومات على هذه الدرجة من الخطورة أم أن الأمر لا ينظر له هكذا من قبل القائمون على كتابة التاريخ من جديد ( موظفو المديرية العامة للآثار والمتاحف)؟
في الحقيقة إن كل مادة وردت في هذا الدليل تضمنت تشويهاً أو تزويراً و يحتاج إلى كثير من التدقيق والتمحيص، ولماذا قدمت المديرية العامة للآثار والمتاحف هكذا دليل؟؟
وفي نفس الفترة أقيم في باريس معرض صلاح الدين الأيوبي والذي كان بصورة مشابهة لمعرض زنوبيا، حيث نشرت المديرية العامة للآثار والمتاحف كتاباً عن المعرض ( الدليل )، وطبع تحت رعاية وزارة الثقافة، وسنذكر بعض ما ورد فيه:
شخصية القائد صلاح الدين الأيوبي فهي :
من أصل كردي , وكان شخصية عنيفة ودكتاتورية وكان يكره العلماء ويحمل كرهاً شديداً للشيعة وحاول القضاء عليهم, ويتحدثون عن قتله للسهروردي كمثال على كره للعلم والعلماء. أما جيشه فكان يتألف من الأكراد والتركمان بشكل رئيسي أما العرب فكانوا وحدة صغيرة من الجيش واغلبهم من اللصوص وقطاع الطرق . وبدا هذا الكتاب كأنه يستعرض تاريخ الأقليات القومية فقط، فالعرب مجموعة صغيرة في جيش صلاح الدين، وكذلك أظهر قضية قتال الغزاة والدفاع عن الأرض والهوية وكأنه عمل تخريبي وليس له علاقة بتحرير الأرض.
أما المشاركين في هذا الكتاب ( الدليل ) فجميعهم من المستشرقين ولا يوجد بينهم باحث عربي واحد،( ونحن لا ندري إذا كان الحديث عن صلاح الدين يلزمه اكثر من طالب يحمل الشهادة الإعدادية أفلا يوجد لدى المديرية من يحمل هذه الشهادة ليقدم معلومات دقيقة عن الحروب الصليبية وصلاح الدين) وأهمل هذا الكتاب الإطار التاريخي الحضاري الذي حدثت فيه الحروب الصليبية حيث كان غرب متخلف وشرق متحضر و أهمل الكتاب أيضاً دوافع الغرب للقيام بهذه الحروب، ودور المسيحيين المشرقيين في مقاومتها وهي مسألة هامة الآن على سبيل المثال.
أما عن القطع الأثرية المشاركة في هذا المعرض ومن الطبيعي أن تشارك سوريا فيه, فهي المعنية أساساً بالحروب الصليبية وصلاح الدين، وليس اسرائيل. لكن من الملاحظ أن إسرائيل قد وضعت قطعاً أثرية من متحف ( القدس) في هذا المعرض، ومصدرها "هيئة الآثار الإسرائيلية" ومن تنقيـبات غير شرعية بالطبع ! ومنـها على سبــيل المثال : خنجر من البرونز من القدس مصدره" هيئة الآثار الإسرائيلية" وآثار أخرى كلها أنماط من الأسلحة الإسلامية ومن المصدر نفسه. وهذا خارج عن المألوف بالنسبة لمشاركة سورية في نشاطات ثقافية وحضارية مع الكيان الصهيوني.
نعم هذا ما يحدث عندنا , ونحن لدينا الآن كتاب( الدليل ) من هيئة سورية رسمية تقول أن الآثار الإسرائيلية عرضت سوية مع الآثار السورية في معرض صلاح الدين الأيوبي؟! وكتاب آخر يقول أن زنوبيا ملكة يهودية