هل يأتي على الوطن العربي حين من الدهر

يترك فيه الرئيس منصبه طوعا؟

 

بقلم : الطاهر إبراهيم 

الأحداث التي تمر بها سورية بكل ما يكتنفها من ضغوط خارجية تلوح بها الدولة الأعظم أمريكا، وتحديات الإصلاح السياسي المؤجل من قبل نظام الحكم وحتى إشعار آخر، في سياق ذلك كله، ماذا يعني أن يصرح الرئيس الدكتور بشار الأسد أمام الوفد الإعلامي الأمريكي الذي زار سورية في 13 أيار المنصرم، بأنه "يقدّر أن يوما سيأتي يتخلى فيه عن منصبه عبر صندوق الاقتراع, وأنه سيكون مرتاحا حين لا يكون هنا،في قصر الشعب الرئاسي".

وحتى نفهم ماذا يعنيه هذا التصريح، -وابتداء فإن هذا الموقف يختلف بشكل جذري عن موقف والده الرئيس الراحل "حافظ الأسد" من هذه القضية- نضع كل الاحتمالات الممكنة ثم نحاول أن نفاضل بينها حسب المعطيات السورية الحالية.

أولا: يجب أن لا يغيب عن بالنا أن الرئيس بشار عاش لمدة ثلاث سنوات في بريطانيا، قبل أن يستدعى إلى دمشق من قبل والده بعد مقتل أخيه "باسل" في حادث سيارة غامض . ونقل عنه ،في مرحلة إعداده لكي يصبح رئيسا للجمهورية قوله "في بريطانيا حزبان رئيسيان يكون أحدهما في الحكومة والآخر في المعارضة، وفي اليوم التالي بعد ظهور نتائج الانتخابات تنعكس الآية بينهما فأين المشكلة إذن ؟".

أمر آخر يجب أن لا يغيب عن البال، وهو اختلاف ثقافة الحكم عند "الأسد الابن" عنها عند "الأسد الأب"، وهو اختلاف تكوين الرئيس بشار عن تكوين والده في شباب كل واحد منهما على حدة.

ففي الوقت الذي خاض والده رحلة الصعود إلى سدة الرئاسة الأولى، وتبادل مع منافسيه البعثيين أدوارا انقلابية، جعلت الرئيس الأب يتوقع ويحذر من أية مفاجأة أو كمين،عند كل زاوية ومفترق طرق، يمكن أن يتعرض له في طريق الصعود إلى القمة. وقد أكسبه هذا مناعة نفسية ضد أي شعور بالشفقة تجاه خصومه وهو يراهم يتساقطون الواحد تلو الآخر .لأنه كان يعتقد أنه إذا لم يكن الغالب فسيكون حتما المغلوب، ولا حل وسطا بينهما. ولذلك كان يعتقد أنه ،في أسوأ الأحوال، سيكون الضحية لو انهزم، وسيكون الضحية ،أيضا، لو قبل بالموقف المهادن. وهو قد شطب من قاموسه كلمة "الشفقة"، فهو لم يكن يريد أن يشفق عليه أحد، وفي نفس الوقت كان موقفه خاليا من التردد والشفقة بمن يقف في طريقه الصعب في الوصول إلى سدة الحكم.

وقد أكسبته معايشة الكمائن والمفاجآت ،في الحكم وقبله، صلابة جعلته يهيمن على كل من حوله ،خصوصا بعد أن صفا له الجو، ودان له جميع من وصل معه في رحلته "الصعود إلى السلطة" في سورية، ومن لم يرضخ فقد تمت إزاحته من الطريق. وفي جوابه لأحد الصحفيين، حول مرضه الذي قد يعيقه عن ممارسة مهامه كرئيس: " يكفي أن تستطيع استعمال الهاتف، لتعرف وتسيطر على كل ما يدور حولك"، وهذا يعني انه كان رئيسا ينفذ الجميع أوامره ويخشاه الجميع.

بينما اختلف طريق الرئيس بشار، الذي كفاه والده المفاجآت والكمائن التي كان من الممكن أن تعترض طريقه في الوصول إلى السلطة. وحتى السيناريو الذي رآه الناس يوم 10 حزيران قبل أربع سنوات على شاشة التلفزيون السوري، يوم أذيع نبأ وفاة الرئيس الأب، تدل التلقائية التي تم فيها تعديل مادة في الدستور السوري لتتناسب مع عمر الدكتور بشار، كأنما الأمر كان قد هيئ له من قبل، حتى لقد بدا المشهد، وكأنه عرض لفيلم تم تصويره بأشخاصه وأحداثه من قبل. وحتى اعتراض النائب "منذر موصللي" في جلسة تعديل الدستور تلك، يعتبره بعض المراقبين مشهدا ثانويا متفقا عليه مع هذا النائب من قبل، بعد أن صوت بالموافقة مع كل أعضاء المجلس.

صحيح أن جلسة مجلس النواب تلك قد تمت بعد موت الرئيس "الأب"، ولكن الأمر تم وكأنه كان يتابع ،من وراء الكواليس، مشهد تعديل الدستور. بل قل مشهد مبايعة النواب للرئيس "الإبن"، وبإجماع ما حصل عليه الخليفة الراشد الأول "أبو بكر الصديق" يوم أن بويع له بالخلافة في سقيفة بني ساعدة.    

ومعلوم في علم النفس والاجتماع أن من حاز شيئا بسهولة، يسهل عليه التنازل عنه، هذا إذا كان الاحتفاظ بهذا الشيء لن يجر عليه صعوبات ومتاعب، فكيف إذا كان الأمر هو منصب الرئاسة الأولى في بلد مثل سورية التي يدرك الجميع مدى التحدي والضغط الذي تطبقه أمريكا على هذا البلد ورئيسها.هذا عدا عن أن هذا المنصب مستهدف ،من طامحين وطامعين، من مقربين ومبعدين، من محسوبين ومعارضين ممن ورثهم الرئيس "الابن" في جملة ما ورث عن الرئيس الأب. لا شك أنه أمر كله متاعب يجعل من ابتلي به،قد يحاول أن يتخفف منه في أول فرصة سانحة طبيعية، كأن تنتهي مدة الولاية الأولى.

لكن هذه القضية لها وجه آخر. فليست الحيازة السهلة هي الخلاف الوحيد بين الرئيسين الأب والإبن. فهناك الشكل الحياتي المختلف الذي عاشه كل منهما.

فقد عرفنا أن الرئيس حافظ الأسد عاش حياة عسكرية بكل ما في الكلمة من معنى. فكان يرقى،بداية حياته، درجة درجة. ثم أوفد إلى القاهرة في عهد الوحدة مع مصر،هو وبعض زملائه ومنهم "صلاح جديد"، ليكون تحت سمع وبصر القيادة. وسرح من الجيش في بداية عهد الانفصال. وأعاده رفيق طريقه صلاح جديد -الذي كان ما يزال على رأس عمله- إلى الجيش في اليوم الأول لانقلاب حزب البعث على الانفصال في آذار من عام 1963. وتبادل هو ومن حوله من الضباط البعثيين المواقف المؤتلفة والمختلفة، وتنقل في الولاء بين يسار ويمين حزب البعث، وكل ذلك انعكس على أسلوب حياته حتى آخر يوم من حياته.

أما الرئيس بشار، فقد عاش حياة محاطة بالعناية منذ عام 1970. وأصبحت هذه العناية فائقة، بعد مقتل أخيه باسل في حادثة السيارة المعروفة عام 1994، بعد أن استدعاه والده من لندن حيث كان يتخصص في طب العيون. أخضع بعدها لدورة أكاديمية في كل العلوم  -بكل ما يحتويه اصطلاح الأكاديمية من معاني- لتزويده بمختلف صنوف المعرفة العلمية والحياتية .

وقد استعان والده لتحقيق ذلك، بمختصين رفيعي المستوى في كل علم وفن. ويعتقد على نطاق واسع، أن الدكتور الشيخ "سعيد رمضان البوطي"، الذي كان على صلة وثيقة بالرئيس حافظ الأسد واستمرت إلى حد ما مع الرئيس بشار، قد ساهم بقسط وافر في تثقيف الدكتور بشار بالعلوم الدينية والشرعية.

وهكذا فإن رجلا نشأ هذه النشأة، لابد أن يختلف ،في فهم الأمور وبالتالي معالجته لها،عما كان يفعل والده.

الذين تابعوا سياسة النظام السوري في عهد الرئيس حافظ، يدركون أنه كان مختلفا في تناوله للأمور عن الطريقة التي تصرف فيها  في عهد الدكتور بشار الأسد، وأن وجهات النظر السياسية لم تكن واحدة في العهدين. فالرئيس حافظ الأسد، كان يلتزم الصمت، ونادرا ما يفصح عن وجهة نظره، في القضايا الساخنة. فإذا ما حان وقت الاستحقاق، ظهرت براغماتية الرئيس "الأب" بشكل واضح، كما حصل يوم ذهب إلى الحرب تحت راية التحالف الدولي الذي شكلته وقادته أمريكا ضد العراق في عام 1991.

أما في عهد الدكتور بشار الأسد فالأمر مختلف إلى حد بعيد. فهو لا يخفي حقيقة موقفه، ويدافع عنه بحرارة ، ويأتي بالبراهين التي تؤيد وجهة نظره. والذين تابعوا موقفه من الشأن العراقي قبل الاحتلال الأمريكي، وأثناء تنامي المقاومة العراقية للاحتلال،  يدركون وضوح الفارق بين موقفي الأب والابن.

ولقد أكد هذا الاختلاف، أعضاء بارزون في مراكز أبحاث أمريكية، تعمل لصالح الإدارة الأمريكية أو بشكل مستقل عنها. وقد عبر أحدهم عن ذلك بقوله (كان عند الرئيس حافظ الأسد قدرة على الوصول إلى الخط الأحمر واللعب حوله من دون عبوره. الرئيس بشار عبر هذا الخط الأحمر ويعبره في استمرار...انظر مقال سركيس نعوم في النهار البيروتية يوم 2 حزيران الجاري.).

وفي ندوة عقدت في واشنطن في 18 أيار من العام الماضي، حضرها خبراء أمريكيون في شؤون الشرق الأوسط،أظهرت بشكل واضح أن القوم لا يرتاحون للطريقة التي يتبعها الرئيس بشار الأسد في ردود فعله على ما يطلب منه أمريكيا. فقد رأى "مارتن أنديك":(أن سورية بشار الأسد على عكس سورية حافظ الأسد،لا تعرف قراءة خريطة..) أما "فرانك غافني" وهو مساعد وزير الدفاع لشؤون سياسة الأمن العالمي في عهد "ريغان" فقد كان أكثر قسوة من أنديك واعتبر ( أن سورية باتت جزءا من المشكلة..).

وبرغم كل هذا التهديد الظاهر والمبطن فإن المراقب المنصف الذي يتابع تناول الرئيس بشار الأسد للعلاقة الشائكة مع الإدارة الأمريكية،يتوقع أن يؤدي التحدي الذي تشكله حاليا أمريكا ضد سورية، إلى قلب الآية، مما يجعل الرئيس بشار يقبل التحدي و يتمسك بالمنصب، وتلك قضية أخرى.

غير أن للقضية التي نحن بصددها وجها آخر. فقد نقل عن عضوي الوفد  الأمريكي "غراهام سميث" و"كاثي لالي"-، (أن الرئيس يقدر أن يوما سيأتي يتخلى فيه عن منصبه عبر صندوق الاقتراع, وأنه سيكون مرتاحا حين لا يكون هنا ،في "قصر الشعب" الرئاسي). ويضيف "سميث" (إن الرئيس قال إنه سيخلي منصبه إن كان من الواضح أن هذا ما يريده الشعب السوري. أما الآن فلديه رؤية لجعل سورية أفضل, وحين تفارقه تلك الرؤية فسيترك الرئاسة).

ونحن نعلق هنا فنقول مرة ثانية، أن تلك قضية أخرى، لأن التحديات الداخلية التي تؤخذ بعين الاعتبار قد لا يكون الفيصل فيها ما يستطيع أن يقدمه الرئيس بشار للشعب السوري أو ما لا يستطيعه، وعلى أساس ذلك سيكون بقاؤه في الحكم أو مغادرته له. بل قد يكون الأساس الذي يبني عليه موقفه هو مقدرته على التعايش مع فرقاء متشاكسون في الحكم، قد يصعب إرضاءهم، مما يجعل ممارسة مهنة طب العيون أقل كلفة وأهنأ بالا.

ولعل هذه الإشكالية الأخيرة التي أشرت إليها، تعتبر التحدي الأهم التي تحكم إمكانية ترك الرئيس بشار الأسد لمنصب الرئاسة طوعا. وعلى كل حال فإنه إن فعل ذلك، فلن يكون أول رئيس سوري يقدم على ذلك. ولا بد أن نؤكد هنا، أن هذا التحدي لم يكن موجودا في عهد الأسد الأب، لأنه كان قد اختار وانتقى معاونيه كما يقال في المثل "على الصينية". والذين ثبتوا معه حتى النهاية وتبين له أن لديهم تطلعات صرفهم من الحكم قبل رحيله.

نشير هنا إلى أنه في عهد الانفصال قد سبق أن حاول رئيس الجمهورية السورية الأسبق الدكتور ناظم القدسي، أكثر من مرة أن يترك منصب الرئاسة.وعندما كان يشعر أركان الدولة بذلك كانوا يدركونه في منتصف الطريق بين دمشق وحلب ويقبلون رأسه، فيقبل على مضض بالعودة إلى دمشق.

 وسواء أكان الرئيس "القدسي" يرحمه الله،هو الوحيد الذي حاول أن يترك منصب الرئاسة طوعا أو اقتدى به الدكتور بشار، فإن ذلك لن يغير من  المقولة المطردة ،على مستوى العالم العربي، وهي أنه ،وباستثناء لبنان، فنادرا ما يوجد من يطلق عليه اسم رئيس جمهورية سابق. ومن المؤكد أن من كتب عليه أن يترك منصب الرئاسة طوعا أو كرها، فليس له الحق في العيش في بلده.