سـوريا إلـى أيـن

 بقلم :علي  الشهابي

ورقة عمل

 

ورقة العمل المكتوبة في هذا العدد القليل من الصفحات مطروحة للحوار بين كل المعنيين بموضوعها ، دونما استثناء . ولأنها تدّعي أنها تنطلق من تفكير استراتيجي ، فهي تدعو لبدء العمل باتجاه تحقيق منطقها . وهنا ، في هذا المجال ، يصحّ القول " إن القول بداية الفعل ".

وما ينبغي تأكيده أنها ينقصها الكثير في حيثياتها ، وخصوصاً من الزاوية الأكاديمية . لكني أتمنى أن يعوّض ترابط إطارها العام عن هذا النقص ، لأن مشروعاً بهذا الطموح لا بد أن تتضمن مسودته نواقص كثيرة ـ أعرف قليلها وأجهل جلّها ـ  طالما أنه لا يمكن تحقيقه بجهد فردي ، بل يحتاج إلى ورشة عمل فكرية حتى يكتمل نظرياً ، هذا إن اكتمل . ولهذا من البديهي أن هذه الورقة ، بحكم منطق كونها ورقة عمل ، تستدعي النقد والنقض لأن كليهما يغنيها بطريقته : بالنقد لأنه يشارك في تأليفها ، وبالنقض طالما أنه يسهم في تبديد ضباب الاتجاه ، ولأن نقض الفكر للفكر أهون من نقض الحياة له ، إذ لا يجرّ في أعقابه الويلات .                                                                                                                                               

 

                                                        سـوريا إلـى أيـن                                              

 

ورقة عمل

 

بديهي أن الإصلاح غير ممكن دون فاعلية المعنيين فيه ، والأكثر بداهة أن فاعلية المواطنين السوريين في هذا المجال بالحدود الدنيا جرّاء مصادرة الحياة السياسية على مدى عدة عقود . وقد يكون العنصر الأهم في استمرار تدني هذه الفاعلية عدم وضوح رؤية اتجاه مسار المجتمع السوري لأن التيارات السياسية المعششة فيه والتي تبدو أنها تتنازعه هي الأصولية والقومية والشيوعية . ولأنها أعجز من رؤية هذا الاتجاه نراها لا تتنازعه بقدر ما تعوم على سطحه ، بدليل تجاوبه السلبي معها . هذا الدليل برغم فصاحته و قوة إقناعه يظل دليلاً سلبيا ، يظل أعجز من أن يكشف بالملموس أسباب عدم تجاوب المواطنين في سوريا مع هذه التيارات ، لذا لابد من الخوض في الأسباب .

الحـركة الأصولـية

لا شك في أن الأصولية الإسلامية إحدى نتاجات الدين الإسلامي . لكنه لا يفرّخها ببساطة ، بل تفقس منه بالضبط كما يفقس الصوص من البيضة . وحتى تفقس لابد  لها من حاضنة تؤمن لها الشروط  الضرورية ، وهذه الحاضنة هي التخلف . والأدق ، إن هذه الحاضنة هي المأزق الذي باتت تعيشه المجتمعات  المتخلفة . وهذا لا ينفي بقدر ما يتضمن أن الأصولية ثمرة تزاوج الدين والتخلف لأن الدين لا يصير متخلفا ، أي أصوليا ًً، إلا في المجتمع المتخلف . فمنطق الأصولية منطق السير بالاتجاه  المعاكس للحياة ، وإذا كان الأصوليون ما زالوا يعيشون في هذه الحياة ، فهذا ليس بفضل نمط رؤيتهم للحياة بل بفضل الحياة : لأنها لا تسمح لأحد بالعيش خارجها . فالأصولية تناقض  بديهيات الحياة المعاصرة لأنها بطبيعتها لا تنسجم وعمل المرأة مع الرجل ، ولا بركوبهما معا في السرفيس ، ولا مع الساتيلايت أو حتى التلفاز ، لكنها مضطرة للتعايش وهذه الظواهر . فهي تقف ضد هذه الظواهر في بداية ظهورها ، أما عندما تعم فسرعان ما يتغاضى خطابها عن مناوئتها لأنه يعدو منفرا ً للمتدينين العاديين . فالصورة الحقيقية للأحزاب الأصولية هي طالبان ، وإذا كنا لا نجد في مجتمعنا نسخة طبق الأصل عن طالبان ، نسخة أوريجينال ، فهذا مردّه إلى أن التطور الاجتماعي عندنا ما عاد يسمح بوجود مثل هذه النسخة . فالأصوليون أينما كانوا نسخة معدّّلة عن طالبان ، نسخة بلا جلباب وعمامة ، وقد تكون بطقم وربطة عنق ، تتماشى ومواصفات المجتمع الموجودين فيه . هذه هي حقيقتهم ، حتى لو تحدثوا عن الحرية والديموقراطية واستعدادهم للعمل المشترك مع الآخرين وتبادل السلطة عبر الانتخابات . 

صحيح أن كل ما في الحياة الاجتماعية ينقض الأصولية ، لكنها باتت تتغذى مما يبدو الشكل الأمريكي للعولمة ، من الأمركة . فهي تزدهر في مقارعة الآخر لأنها بالأصل ظاهرة هوية مستنفرة تدافع عن ذاتها بحشد كل مشاعر الانتماء لدى جمهورها ، لكنها تخبو بعيداً عن هذا الصراع لتغدو عبئا يجثم على صدر المجتمع الذي استنفرته للدفاع عن هويته .                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                          

فالغالبية العظمى من شعوب العالم ، حكومات وحركات سياسية ، ضد الأمركة وتواجهها بالشكل الممكن والمعقول إلى هذا الحد أو ذاك ، بالشكل الذي يفعل فعله باتجاه تحجيمها أو تعديل مسارها بحيث يمكن دمجها في أشكال العولمة الأخرى الموجودة الآن ، أو التي قد تفصح عنها الحياة . أما الأصولية فتتعامل معها بردة الفعل لتصير انعكاساً لها ، هذا الانعكاس يزيد رصيدها الشعبي في البلدان الإسلامية لأنها تتزيّا بزي القطب المناهض للأمركة . إلا أن هذه الزيادة سرعان ما تخبو ، وسوف تخبو ، لأن الأصولية ليست قطباً بل ردّة فعل إقليمية مصيرها الانحسار لأنها تناقض الأمركة من موقع السعي لإقامة مجتمع مستحيل الوجود في الحياة المعاصرة بدليل عدم وجود ، واستحالة وجود ، من يدعمها أو يؤيدها أو حتى يتعاطف معها في العالم أجمع ، إلا بعض مسلمي العالم المتخلف . وهؤلاء على كثرتهم أشبه ما يكونون في معادلة العلاقات الدولية بالصفر الكبير .                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                    

على ضوء هذه الخطوط العامة نرى صورة المجتمع السوري إيجابية جداً . فالمتدينون فيه كثر ، كما هي الحال في كل مكان ، أما الأصوليون فقلة قليلة . وهذا ليس مرده قمع السلطة للإخوان المسلمين والحركات الدينية بدءاً من نهاية السبعينات ، فجلّ ما يفعله القمع أن يضعف أو يؤجج الحركة ذات التربة الاجتماعية الخصبة ، كما هي الحال في السعودية . بل مرده أولاً إلى طبيعة المجتمع السوري وآلية فعل السلطة السياسية فيه ، وثانياً إلى مواقفها الخارجية .

المجتمع الحالي في سوريا ـ بشكل رئيسي ـ نتاج السلطة السياسية الحالية ، والأهم السابقة . صحيح أنه قد تربى على القمع السياسي الشديد ، ولكن على الحرية الاجتماعية الواسعة والتسامح الديني الشديد . فالمواطن لا قيود على حريته الاجتماعية إلا القيود الاجتماعية ، له كامل الحرية من ممارسة الدعارة إلى اعتكاف العبادة . من هذه الزاوية يمكن توصيف حال النظام السياسي بكونها علمانية متخلفةً ، وهذه قد تكون أقصى حدود علمانية يتحملها مجتمع متخلف من نظامه السياسي . وحال المجتمع السوري الذي تغلب عليه مظاهر التسامح الديني ، أي تحمله لمظاهر قلة التدين أو البعد عنه ، وضعف الحساسية بين المسلمين والمسيحيين والرماد الكثيف الذي غطى جمرات الطائفية التي تأججت نهاية السبعينات بداية الثمانينات بين السنة والعلوية ، أثناء الصراع الدامي بين السلطة والإخوان المسلمين ، هذه الحال يمكن تسميتها أيضاً علمانية متخلفة . من نافل القول إن هذه العلمانية المتخلفة على صعيدي السلطة والمجتمع متخلفة مقارنة بنظيرتها في البلدان المتقدمة ، أما في معظم البلدان المتخلفة فيحتاج بلوغها جهوداً جبارة .

هذا جانب يفسر ضعف الأصولية عندنا ، أما الجانب الآخر فمواقف النظام التي تراوحت تاريخياً بين مناهضة سياسة الولايات المتحدة وتحملها على مضض ، ومما زاد في إضعافها الموقف الممتاز للنظام من البلطجة الأمريكية في حربها الأخيرة على العراق . لهذه الأسباب نرى المواطنين في سوريا يعيرون الأصولية أذناً صماء ، هذا إن سمعوها تتكلم .

الحـركة القـومية

أما بخصوص الحركة القومية فلن أنطلق من حقيقة أن أحزابها وصلت إلى السلطة منذ عقود ولم تحقق شيئاً على صعيد الوحدة بل كرست  الدولة القطرية ، لأن رد المثقفين القوميين جاهز : الخلل في هذه الأحزاب ، أو في قيادتها ، التي خانت قضية الوحدة العربية وهي تسعى للحفاظ على السلطة ، بل سأنطلق من التحليل الملموس .

كان العمل من أجل الوحدة العربية سعياً مشروعا ًبعد الاستقلال لأن العرب ، كغيرهم من الأمم ، لهم الحق في الوحدة السياسية لتكون

 إطار تطورهم وإبراز شخصيتهم القومية . هذه الرغبة الجامحة ولّدت الأحزاب القومية في كل البلدان العربية وحصل ما حصل . فموضوع إمكانية أو لاإمكانية تحقيق الوحدة العربية في تلك الفترة قد يهم المؤرخين ، ولو أن القوميين جازمو اليقين بتحققها لولا كذا وكذا وكذا . لكن القوميين لا يعومون الآن على سطح المجتمع جرّاء هذا الموضوع التاريخي ، بل لأنهم يعتقدون أن العرب لا يتغيرون بتغير الحياة . فبرغم كل المتغيرات الدولية والإقليمية يظل عرب هذا القرن نفس عرب منتصف القرن الماضي ، وضروراتهم نفس الضرورات ، وسعيهم نفس السعي ، نحو الوحدة العربية . والطريف أن القوميين يشاركون المتدينين الرأي بضرورة إعادة تفسير مفاهيم القرآن على ضوء متغيرات الحياة ، فهل مفاهيمهم عن العرب والقومية العربية والوحدة العربية أثبت من مفاهيم القرآن ؟ نعم أثبت ، ولو لم تكن أثبت لأعادوا النظر على الأقل في بداهة مفهوم ضرورة الوحدة العربية . ولكن من البديهي أن الفكر القومي لا يستطيع من زاويته أن يرى هذه المتغيرات ، لأن ذلك من شأنه أن يحيله إلى الاستقالة بما هو فكر قومي . فهذه الوحدة باتت معاكسة لمنطق الحياة من كل الزوايا بدليل كونها :           

1ـ سيراً بالاتجاه المعاكس لمسار العالم ، فقد بات ينطبق عليها المثل الشعبي ( الله يطعمك الحج والناس راجعة ) طالما أن درجة التطور العالمي باتت تستدعي تحلل الأمم . فالقوى المنتجة المتطورة بعدما ضاقت بها حدودها القومية منذ أمد بعيد ، وبعدما أنهكها طول التغاضي عنها والقفز فوقها ، قامت منذ أمد قريب بإعلان الحرب عليها ، بإعلان أن الحدود القومية باتت أسواراً إقطاعية جديدة لابد من دكها ، ولكن ليس بالأسلوب القديم .   

والبلدان العربية غير المحكومة بالمقدمات السابقة محكومة بالنتائج ، وهذا يحتاج توضيحاً . فالقوى المنتجة في البلدان العربية لا ولم تتطور باتجاه تحطيم حدود الدولة القطرية لتنفتح على حدود السوق القومية ، أي إن الدولة القطرية ليست بمثابة إمارة إقطاعية تعيق تطور القوى المنتجة العربية لأن التطور الاقتصادي في البلد المتخلف ما عاد ينحو ، ولم ينح أصلا ً، نحو الانفتاح على بلد متخلف آخر لأن عاجزاً لا يسند عاجزا ً مثله ، أي لا يمكن أن يكون مجالاً لتطوره . بل كانت البلدان المتخلفة مجتمعة ، وكلٌ على حده ، تتكامل تبعياً مع منظومة البلدان الرأسمالية المتطورة وبات من الضروري الآن أن تسعى للاندماج بهذه المنظومة طالما أن هذه المنظومة باتت تشير ، على الأقل في إحدى حلقاتها ، إلى قابلية اختراقها وتستدعيه.

2ـ تحدياً لكل الأمم المتطورة لأن منطق تشكل الأمة الواحدة أن تتناقض وغيرها من الأمم طالما أن منطلق الأمة الواحدة بداهة مصلحتها   الواحدة في تناقضها مع مصالح الأمم الأخرى ، ولن ترد هذه الأمم على هذا التحدي طبعاً بالورود والرياحين .

 3 ـ مرفوضةً من بعض الشعوب العربية . فالغالبية الساحقة من الشعب في كل واحدة من البلدان العربية النفطية ضد الوحدة لأن نتيجتها ضد مصلحته ، إذ سيقاسمه أشقاؤه العرب ـ وما أكثرهم ـ ثرواته ليتدنى مستواه المعاشي . أما بقية البلدان العربية فشعوبها تشعر بلاجدوى هذه الوحدة دون البلدان النفطية لأن نتيجتها ستكون تعميم ما عندهم ، وهو متماثل .

ولأن هذه الحقائق حقائق ، والحقائق تفعل فعلها في الحياة ، نرى القوميين يعومون على السطح في كل البلدان العربية لا في سوريا

فحسب ، بعدما ملّ المجتمع أصواتهم ، لا بل صارت نشازا ًحتى أن معظم مثقفيهم باتوا يخجلون من عادتهم في وصف الوحدة العربية علاجاً فورياً لأي طارئ ، بل صاروا يتأنون ويتأنون لتبدو كأنها نتاج تفكير عميق .

الحـركة الشيوعيـة

أما بخصوص الحركة الشيوعية فقد أفصح سقوط المنظومة الاشتراكية عن عومها على السطح ، وهو عوم عريق يعود إلى مرحلة عجز التجربة الاشتراكية السوفييتية عن أن تكون نقيضا للنظام الرأسمالي العالمي ، لتتحول بالتالي إلى مجرد خرّاج على خاصرة هذا النظام . فالمعنى الفعلي لهذا السقوط تقيؤ الحياة لهذه الاشتراكية التي أخذت كامل فرصتها في الحياة ولم تستطع هضمها . وأعتقد أن الذين مازالوا إلى الآن شيوعيين قسمان : الأول مازال لأنه لا يستطيع إلا أن يزال ، أي لأنه لا يستطيع أن يصير قومياً بله أصولياً . والثاني التروتسكي لأنه يعتبر أن أفكاره لا علاقة لها قط بذاك السقوط لأنه أول من قال باستحالة الاشتراكية في بلد واحد أو مجموعة بلدان متراصفة ، لا بل إنه أول من أكد على وعمل من أجل الثورة البروليتارية العالمية التي ستقوم ، من ضمن ما تقوم ، بإنقاذ السلطة السوفييتية من الارتكاس . فهل يمكن لأول من حذّر من هذا السقوط  وعمل كل ما في وسعه لرفدها بالثورة العالمية أن يفعل سقوطها فعله باتجاه تعويمه على السطح ؟ طبعاً لا ، والمنطقي أن ترسّخه لبعد نظره . إذن فسقوطها لا يعوّمه.. ولكن مع ذلك نراه يعوم .

لماذا ؟

 يعوم لأن ما يعوّمه استمرار اعتقاده بالثورة البروليتارية العالمية . فقد مر حينٌ على الرأسمالية أعطت فيها مؤشراتٍ قوية على أصالة هذه الثورة فيها ، خصوصاً بين الحربين العالميتين . ولو أن هذه الثورة مكونٌ أصيلٌ من مكونات الرأسمالية لاستخلصها التروتسكيون منها في تلك الفترة لأنهم لم يكن ينقصهم ، من حيث المبدأ ، لا التنظيم ولا العبقرية الثورية . ولكن ما أنقصهم التنظيم وضيّع عبقريتهم أن الرأسمالية لم ولا تدفع البروليتاريا على طريق الثورة لبناء الاشتراكية ، بل تدفع قطاعاتٍ من المجتمع إلى التمرد كردة فعل على قسوة الرأسمالية ، وشتان بين الدفعين .

هذه هي الحقيقة كما باتت تتبين للفكر من المنظور اللاحق للحياة . وسأوضح خطأ النظرية السياسية الماركسية بعد قليل ، في سياق تحليل بنية المجتمع . أما الآن فأواصل القول بأن هذا الفارق بين الدفعين  كبير جداً حتى أنه ينسف أساس نظرية السياسة الماركسية ، وبنسفه له ينسف معه أساس الحركة الشيوعية لأن هذا هو ذاك . ولهذا باتت الحركة الشيوعية بلا أساس ، باتت زبداً في كل مكان ، لا في سوريا فحسب .

 إذا كانت سوريا لا تسير باتجاه طالبان أو الوحدة العربية أو الشيوعية ، فهل تراوح مكانها ؟ ومالم تك تراوح فإلى أين؟

بديهي أنها لا تراوح بل تسير بالاتجاه العام الذي ينظم ، قل يحكم ، مسار العالم الذي هي منه وفيه . وهذا المسار تحكمه جملة ضرورات لعل أبرزها ضرورة استمرار تنامي وتيرة التطور الاقتصادي . فأميز ما يميز عملية الإنتاج على الساحة العالمية اليوم هو أن التناقض الأساسي فيها بات بين عالمية عملية العمل والتجزئة السياسية للعالم . هذا التناقض لابد أن ينحل على حساب الثانية ، على حساب الدولة القومية ، طالما أن النكوص عن عالمية عملية العمل استحالة . فتهدم الدولة القومية صار ضرورة اجتماعية لأن الحدود السياسية للدول صارت تكبح استمرار التطور الاقتصادي العالمي ، وهذا ما يفتح الباب واسعا أمام ضرورة العولمة .

العـولمة واتجاهاتـها 

العولمة عملية دمج واندماج للأمم والشعوب بغض النظر عن اختلافاتها القومية والثقافية وطموحاتها ونفسيتها الجمعية في وحدة مجتمعية واحدة ، أي في كلية سياسية اقتصادية ثقافية واحدة ، يخرج منها الجميع كلاً جمعياً واحداً دونما اختلافات جمعية ، بل طبعاً بفوارق فردية . فالجنس البشري الذي ابتدأ واحداً فرضت عليه بدائيته التجمع في وحدات اجتماعية ضيقة أخذ يوسّعها كلما تطور ، والأدق فرض عليه تطوره توسيعها . هذه الأشكال بلغت أوجها في الدولة ـ الأمة التي صهرت وانصهرت في بوتقتها شعوب وقبائل وملل وطوائف مختلفة نسبياً أنتجت بالمحصلة الأمة كذا والأمة كذا . والعالم الآن يسير على طريق مشابه شكلياً ، على طريق دمج الأمم والشعوب في بوتقة ، أو صهرهم في محرقة لا فرق ، لينتج عنهم ومنهم شكل جديد لاجتماعهم وتجمعهم هو حكماً وبالضرورة أرقى . هذا هو مآله ، أما مساره الذي سيستغرق السنين فليس بهذه الوردية ، ولكن لامناص نقطة انتهى .

هذا التعريف البسيط للعولمة يستغرقها لأنه يتضمنها بكل تناقضاتها : حتميتها ومحاولات رفضها مروراً بتعديلها ، فاعليتها في تأسيس مستقبل وردي للبشرية وتكريسها واقعاً مظلماً بالنسبة لغالبيتها في الحاضر ، تدميرها للدولة القومية وسعيها لتكريسها ، ترحيب بعض الشعوب بها واستماتة البعض الآخر ضدها ، سلاستها وصلفها . هي كل هذه المتناقضات لأنها عولمة رأسمالية ، والعولمة لا يمكن أن تكون إلا رأسمالية لأنها لا تتحقق إلا بفعل فاعلية رأس المال في جعل الكرة الأرضية مسرحاً حراً لحركته . هذا أساسها المادي ، وما عداه أضغاث أحلام بدليل أن أعتى عتاة مناهضة العولمة ، خارج الأصولية ، باتوا مع تعديلها ، أي تخلوا عن وهم رفضها أو تحقيقها عبر الاشتراكية . 

فالعولمة لا مناص منها لأنها كانت وستظل جارية في العالم لأنها قائمة في صلب مكونات التطور البشري ، في التناقض الأساسي بين ضرورة استمرار تطور وسائل الإنتاج وضرورة إزالة العلاقات الاجتماعية التي تعوق هذه الاستمرارية . لذا ما عاد المطروح هل سيتعولم العالم ، بل كيف وبأي اتجاه ؟

هذا السؤال يجيب عليه البشر كلٌّ بحسب موقعه وكيفية رؤيته للأمور . ونحن في سوريا يعنينا هذا الموضوع كغيرنا طالما أنه يحدد شكل وطبيعة حياتنا حاضراً ومستقبلاً . وبنفس الوقت نعلم أكثر من غيرنا أننا لسنا في مطعم ، نطلب ما نريد ونشكل العالم كطاولة بالشكل الذي نشتهي ، بل محكومين بشبكة من العلاقات والمصالح الرأسمالية الدولية التي يحاول كل طرف منها أن يصوغها بالشكل الذي يخدم مصلحته . ولأننا في منتهى التخلف ، الاقتصادي لا الاجتماعي ، لا نجد أنفسنا محكومين بهذه الشبكة فقط ، بل وحدود فاعليتنا فيها تقتصر على التجاوب مع الطرف الذي تتلاقى مصلحتنا ومصلحته . بهذه الحدود ، وبهذه الحدود فقط ، نكون نفعل فعلنا في تقوية أو إضعاف هذا أو ذاك من اتجاهات العولمة . من الواضح إذن أن علينا التدخل لا للتأثير في اتجاهات العولمة هذا الأثر المحدود

 ، قليل الأهمية للعالم برغم إيجابيته ، بقدر ما للإسهام في تحديد شكل وطبيعة حياتنا . ما قيل أعلاه يتضمن أنه من غير الواضح كيف سيتعولم العالم في النهاية لأنه مازال يتعولم ، أي تعتمل فيه تناقضات تكاد لا تنتهي . ولكن ثمة آليتان بارزتان فيه لابد أن تسماه بميسمهما ، هذا إن لم تنحتاه بإزميلهما ، وهما الأمركة والأوربة .

لا أستطيع الجزم في ماهية الأمركة ، ولكن يبدو أنها محاولة الولايات المتحدة السيطرة على العالم لا لترسمه على صورتها بل لتصوغه بالشكل الذي يحقق مصلحتها . وهذا يعني أنها من موقعها الممتاز تسعى لجعل العالم ساحة اقتصادية واحدة تظل فيها الدول هياكل سياسية للأمم ، هذا الذي أطلق عليه بعض مفكريها " الحدود الشفافة " . فهي تحاول جعل الكرة الأرضية مسرحاً حراً لحركة راس المال , حراً بأقصى حد ممكن . هذه العملية تصطدم بعائق المقاومة أو المعاوقة الناجمة عن تعدد الكيانات السياسية ، لا سيما في الشطر التابع من العالم ،وما تحمله من تفاوتات سياسية وقانونية وثقافية تفرض على حركة راس المال تقطعاً تحرمه الانسيابيه التي يتوق اليها. وهي تحاول التغلب على هذا العائق بعملية تمشي على قدمين اقتصادية وسياسية . اقتصادياً بكسر قدرة الرساميل المحلية على المنافسة وامتصاصها إلى دورة رأس المال المسيطر , وسياسياً بنخر سيادة هذه الدول وتطويعها سياسياً وقانونياً وحتى ثقافياً وتحويلها بالتالي إلى مجرد كيانات  تؤمن حسن سير ودوران رأس المال العالمي . هذا في الشطر التابع ، أما في الشطر المسيطر فتقوم الأمركة بدمج الرساميل بآليات  اقتصادية عديدة ، وسياسيا بتشكيل قيادات إدارية عليا تدير هجوم رأس المال المسيطر وتنسق حركات فروعه بما يضبط التنافس بينها ضمن حدود التنافس .

فالأمركة سعي لتكريس الوضع القائم بعلاقته المزدوجة :  تكريس علاقة سيطرة ـ تبعية بين العالم المتطور والعالم المتخلف وشبه المتخلف ، وتكريس العلاقة الحالية للتنافس الرأسمالي مع البلدان المتطورة وشبه المتطورة التي تفعل فعلها لصالحها طالما أنها الأكثر تطوراً . بهذا الشكل يظل العالم يسير على إيقاعها وتظل باقي القوى الاقتصادية فيه تحقق مصالحها عبر كونها شريكاً  لها ، بحسب أهميتها وموقعها ودرجة تطورها . وهذا لا ينفي بقدر ما يتضمن  تداخل رؤوس الأموال العالمية في أي قطاع . لكن هذا التداخل لا يغير البتة في هذا المسار لأن رأس المال الأمريكي هو المسيطر ، لا بل لأن هذا التداخل يتم في السياق العام لمسار العالم على وقع الإيقاع الأمريكي لتكون المحصلة تغذية هذا التداخل لذاك المسار . هذا المشروع الطموح طموح فعلاً ، لكنه ليس بلا أساس ، بل يتأسس على موقعها الممتاز في العالم والمتمثل بكونها :

1- أكثر تطورا ًمن باقي البلدان المتطورة على الأقل بخمس سنوات ، وهذه هوّة شاسعة قد لا تستطيع هذه البلدان جسرها ، وخصوصاً في ظل مزايا الولايات المتحدة الأخرى .  

2- تنتج 30% من إنتاج العالم ، وبديهي أن من ينتج ثلاثين يتحكم بثمانيين إن لم يكن بتسعين بالمائة من هذا الإنتاج . ولهذا نجد كل بلدان العالم صيصاناً أمام هذا الباشق .

3- قوتها العسكرية الهائلة التي تمكنها من إثارة أو استغلال أي تناقضات عالمية أو إقليمية للسيطرة على مواقع حيوية للاقتصاد العالمي

4- مجتمعاً فتيّاً ، عكس العجوزين الأوروبي والياباني  .

ولأنها تمتاز على غيرها من القوى والاتجاهات المعولمة بهذه المزايا النوعية ، نراها تفعل ما تريد . تخرق القانون الذي تريد ، وإذا ما أرادت لخرقها أن يصير قانوناً يصير ، لأنها مشرّعة القوانين والمفسرة للتي لم تشرعها ، وعلى العالم أن يجد طريقة أو أخرى لقبولها.

هذه هي الأمركة كما أراها إلى الآن ، والتي ستترك أثرها البالغ على العولمة شاء العالم أم أبى . هذه الأمركة ، ولو أنها الاتجاه الأبرز في العولمة ، متورطة في المشكلة التي تورط العالم فيها لأنها جزء من هذا العالم مهما تغطرست ، وخصوصاً من منظور العولمة . وتتلخص هذه المشكلة بأنها تحاول تكريس الحدود القومية لتقوم بوظيفة متناقضة ، تريدها أقنيةً أمام جريان رأس المال وسلعه ذهاباً وإياباً وبنفس الوقت سدوداً محكمة في وجه الأغلبية الساحقة من سكان هذه الدول كي لا تستفيد من هذا التطور . مما يعني أنها تسعى لنزع الصفة الطبيعية عن علاقة رأس المال بالمجتمع عبر سعيها لمعاكسة ضرورة  تطور العلاقات الاجتماعية بين البشر بتطور وسائل الإنتاج . ولأن هذه الضرورة لا تتعاكس ، أعتقد أن الأمركة ستتعدّل عاجلاً أو آجلا ً. ستتعدل بفعل دفعها البشر لمواجهتها بأشكال مختلفة تختلف باختلاف مواقعهم وفاعليتهم لأنها تدفع بهم نحو الإفقار المطلق في العالمين المتخلف والمتطور . فهي لا تقدم للمجتمع المتخلف أي حلول اقتصادية تنحو به نحو الاستقرار حتى في إطار تخلفه ، وبنفس الوقت فإن التنافس الرأسمالي يدفع رأس المال في المجتمع المتطور بنفس الاتجاه ، باتجاه التنافس نحو القاع لتخفيض نفقات الإنتاج . فالمجتمع لا يمكن أن ينحكم بمجرد القسر والأيديولوجيا ، بل لا بد من سلاسة اقتصادية ترسي الأساس لفاعلية القسر عبر الأيديولوجيا ، وهذه السلاسة بالضبط هي ما تفتقر إليه الأمركة . مثل هذه السلاسة نرى بعضاً مهماً منها في تيار العولمة الرئيسي الآخر ، في الأوربة .

الأوربة ابتكار أوروبي غربي بامتياز ، وهي كأي ابتكار لا يأتي إلا في سياقه الطبيعي . يقوم أساسها في ضعف اقتصاد بلدان أوروبا الغربية وتخلفه وراء اقتصادي الولايات المتحدة واليابان ، وخصوصاً الأولى ، بعدما أدركت هذه البلدان أن استمرار التنافس العالمي بالشكل القائم يفعل فعله في زيادة تخليفها عن الولايات المتحدة خصوصاً . لذا لابد من وسيلة غير تقليدية ، فكان ابتكارها للاتحاد الأوروبي هذه الوسيلة .

انطلقت هذه البلدان من السوق الأوروبية المشتركة وطورتها لتصير الاتحاد الأوروبي القديم الذي توسع ، وما يني يتوسع ، بشكل رئيسي نحو بلدان أوروبا الشرقية . هذا الاتحاد يعني تطوراً لامتكافئاً بين أوروبا الشرقية والغربية ، وجهة لاتكافئه هذه المرة لصالح الأولى . مما يعني أنها ستضخ ، وهاهي تضخ ، رساميل هائلة في أوروبا الشرقية حتى تتطور . وهي ستتطور . وبتطورها وأثناء تطورها سيتنامى استهلاكها مما ينعكس مزيداً من النشاط والتطور الاقتصادي على أوروبا الغربية  أيضاً ، وهذا يعزز موقعها التنافسي في الساحة العالمية .أضف إلى ذلك أن هذه الخطوة تسمح بتمركز رأس المال الأوروبي ـ وحدة رأس المال بين الشطرين ـ مما يزيد التعزيز تعزيزاً .

 ثمة حاجة أخرى غير المنافسة دفعت أوروبا الغربية باتجاه ابتكار الاتحاد الأوروبي ، هذه الحاجة يبرزها تقرير أصدره الاتحـاد

الأوروبي القديم نهاية عام 1999يعلن فيه بأن الاتحاد ، إذا ما أراد الحفاظ على وضعه الراهن بحيث يقوم كل أربعة عاملين بإعالة مسن ٍ، يحتاج إلى مائة وخمسة وعشرين مليون مهاجر حتى عام 2025.  فأوروبا العجوز ، ولا أدري لماذا ثارت ثائرة الأوروبيين عندما وصفها وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد بالعجوز ، المضطرة لتجديد شبابها ، دفعتها هذه الحاجة أيضاً بنفس الاتجاه لأن ضمها لبلدان أوروبا الشرقية وتركيا يلبي هذه الحاجة .

هذه مكاسب أوروبا الغربية من الاتحاد الأوروبي . أما مكاسب الشرقية فأوضح من واضحة ، وتتمثل بمصلحة شعوبها في أن تصير مجتمعاتها على صورة الغربية من كل الزوايا . وبنفس الوقت من مصلحة رأس المال فيها أن يكف عن التبعية ليصير جزءاً عضوياً من رأس المال الأوروبي بكل أبعاده العالمية .

العـولمة والفكـر 

على الرغم من كل الجديد الذي تفرضه الأمركة على صعيد الحياة فإنها لا تضيف جديداً للفكر ، فهي استمرار تطوري للنهج الرأسمالي ، أي على نفس نسق الماضي ، بعد تلاشي اللاجم السوفييتي . أما الأوربة فلا يمكن أن تمر على الفكر مرور الكرام ، بل ستحدث ثورةً فيه لأنها ليست مجرد نقد ٍله ، بل نقض . نقضٌ لكل البديهيات التي اعتادها واعتاد أن يرى الأمور على أساسها ومن خلالها . هي كل هذا النقض فقط لأنها تنقض علاقة سيطرة ـ تبعية بين المركز الرأسمالي المتطور ومحيطه الجغرافي نصف المتطور نصف المتخلف ، هذه التي خالها الفكر قائمة ما أقامت الرأسمالية . هذا النقض بهذا الشكل ، نقض سيطرة ـ تبعية عبر الدمج ، لابد أن ينعكس في الفكر وعلى الفكر اختلافاً في شكل رؤيته أولاً لبنية المجتمع وحقيقة تفاعل العلاقات الاقتصادية ـ الاجتماعية فيه وثانياً لوجهة التطور ومفاعيلها ،  ليتم على ضوء هذه الرؤية الجديدة استنباط شكل العمل السياسي الذي سينسق سير الحركة العامة للمجتمع ، العشوائية بالضرورة ، بالاتجاه السائرة به .

1ـ بنية المجتمـع :  بنية المجتمعات بنية رأسمالية متفاوتة التطور ، وسيتطور العالم في ظلها ردحاً طويلاً من الزمن قبل أن تغني الرأسمالية أغنيتها الأخيرة . هذا بديهي قبل الأوربة ، قبل انتقاض علاقة سيطرة ـ تبعية عبر الدمج . إلا أن هذا النقض بهذا الشكل أزاح عن الفكر منظار الأيديولوجيا الذي كان يرى حقيقة الرأسمالية من خلاله . فالفكر كان يرى ، بفعل هذا المنظار ، أن مصالح المجتمع ومصالح رأس المال متناقضة . ولمّا صار التقاؤها في المراكز المتطورة يفقأ العينين الاثنتين ، لا الواحدة ، أراه إياها ذاك المنظار رشوةً يقدمها رأس المال للمجتمع ما كان يمكنه تقديمها لولا نهبه للأمم الأخرى . ولكن بزوال المنظار الآن تبينت هذه الرؤية زيفاً ما بعده زيف ، مع أن الرأسمالية تسعى بداهة إلى الربح الذي لا يتحقق بداهة إلا بالاستغلال ، ولولا هذا لما كانت الرأسمالية رأسمالية . ولكن برغم هذا السعي إلى الربح فإن المسار العام لمصالح رأس المال ومصالح المجتمع ليس متعاكساً ، وإنما بنفس الاتجاه العام . والعلاقة بينهما ليست علاقة تناقض ، بل تبادل وتكامل . وهذا يحتاج إيضاحاً .    

من الطبيعي أن يسعى رأس المال إلى الربح ، هذا هدف نشاطه . لكنه أثناء سعيه لتحقيق هذا الهدف يخلق حاجات اجتماعية جديدة

تصير تلبيتها هدفاً اجتماعياً . هذا السعي الاجتماعي لتلبية هذه الحاجات ينعكس مزيداً من النشاط الاقتصادي الذي ينعكس بدوره تنشطاً اقتصاديا لخلق حاجات اجتماعية جديدة ، وهكذا . فرأس المال بالمحصلة يخلق حاجات اجتماعية ويخلق معها المناخ الملائم ـ الشروط الضرورية ـ لتلبيتها اجتماعياً . لأنه مالم يخلق هذا المناخ يتوقف النشاط الاقتصادي لأنه يكون قد خلق حاجات وأنتج سلعاً استثمر فيها دون أن يجد من يدفع مقابلها أو يشتريها ، وبالتالي يخسر . يرجى ملاحظة أن هذا الافتراض الأخير غير واقعي ، والقصد منه الإيضاح لأن الحاجة أو السلعة لا تصير حاجة اجتماعية فعلاً إلا شيئاً فشيئاً . وبالتالي إن أنتج رأس المال سلعة جديدة ولم تلق الرواج ، أي لم تصر حاجة اجتماعية ، فإنها تموت من البداية وخسائر رأس المال تكاد لا تذكر . وهذا على كل حال له علاقة برأس المال الفردي لا العام .

وهذا يعني أن الربح قانون رأس المال لا لسبب آخر إلا لأنه نتيجة طبيعية لفاعلية رأس المال في المجتمع . مما يعني أن العلاقة المتبادلة بين رأس المال والمجتمع أشبه ما يكون تبادلها بالعلاقة العضوية داخل الجسم بين الدم وباقي الجسد . فبقية الجسد لا تستطيع تغذية الدم إلا إذا غذّاها ، والعكس . هذه العلاقة المتبادلة بينهما تدفع المجتمع إلى التجاوب وحاجا ت رأس المال وتدفع رأس المال إلى التجاوب وحاجات المجتمع . وسأنتقل الآن إلى بعض الأشكال الأخرى لتجلي هذا التجاوب المتبادل التي كشفتها الأوربة .

فلا المجتمعات الأوروبية الغربية من مصلحتها ركود رأس المال فيها ، على العكس تتضرر ، ولا رأس المال فيها من مصلحته أن تشيخ مجتمعاته ، على العكس يتضرر . هذا السياق يستثني بالمطلق ـ ما قد يدور في خلد التروتسكيين ـ إمكانية قيام مساومة تاريخية بين رأس المال وهذه المجتمعات على الوحدة الأوروبية بحيث تسمح له بالتنشط حتى يسمح لها بتجديد شبابها ،لأن كليهما يخسر من عدم حدوث كليهما. وفي الجانب الأخر المعني بالاندماج نجد لرأس المال الأوروبي الشرقي وللشعوب المصالح المذكورة آنفاً .

وثمة مثال آخر يجعل تبادلية هذه العلاقة أكثر ملموسيةً ، إنه الوحدة النقدية الأوروبية .  فقبلها ، في ظل المدى الواسع لتنقل أفراد السوق الأوروبية المشتركة بين بلدانها ، كان الفرنسي في ألمانيا مثلاً مضطراً لتحويل الفرنك إلى مارك لدى إقامته هناك وشرائه لأي سلعة ، وبالتالي كان يخسر . لذا من الطبيعي أن تحد هذه الخسارة من التنقل ، والأكثر منه من شراء السلع . فرأس المال بتوحيده للنقد حقق مصلحة لنفسه ارتدت على المجتمع .       

هذه الدائرة المحكمة لتبادل العلاقة بين رأس المال والمجتمع محكمة أنّى ننفذ إليها ، وهي لا تنفي بقدر ما تتضمن حكماً وبالضرورة وجود ميول واتجاهات تعاكسها . لكن هذه الميول والاتجاهات مجرد ميول واتجاهات معاكسة للقانون العام لهذه العلاقة المتبادلة ، أي لا تنقضه وإنما تؤكده . وحتى لا يظل هذا الكلام في إطار التجريد ، فإنه يقصد أن الإضرابات والاحتجاجات وحتى الثورات البيضاء أو الخضراء ، كل هذه الأمور تدخل في إطار الاتجاهات والميول المعاكسة التي لا بد أن توجد في سياق الانسجام العام بين المجتمع ورأس المال . وهي قد تصل أحياناً إلى حد تعكيره ، ولكن سرعان ما تجد حلها في إطاره . 

 إذا كانت هذه هي علاقة رأس المال بالمجتمع ، وهي هذه ، فكيف ستغني الرأسمالية أغنيتها الأخيرة ؟ بل هل ستغنيها أصلاً ؟ لقد كف

هذا السؤال عن كونه سياسياً ليصير فلسفياً طالما أن البشرية ، كما يرى بليخانوف بحق ، لا تطرح على نفسها إلا المهمات القادرة على حلها لأن المشكلة عندما تكون فعلاً مشكلة لا توجد فقط بل وتشير إلى اتجاه حلها ، أي تشير إلى كيفيتة .

على أساس من هذا الفهم الدقيق لمفهوم المشكلة ، لا تعتبر الرأسمالية الآن مشكلة اجتماعية لأنها غير مطروحة على جدول أعمال الواقع الاجتماعي كمهمة للحل . لماذا ؟ لأنها لا تشير إلى بذور حلها ، بدليل عدم وجود من يفكر جدياً بكيفية تحقيقها على المدى المنظور . مما يعني أنها مطروحة كمشكلة فلسفية . وبوصفها كذلك تجيب عليها الفلسفة بالقول : نعم إن الرأسمالية ستغني أغنيتها الأخيرة لأنها نمط تاريخي من الإنتاج ، شأنها شأن كل ما هو تاريخي ، مصيره إلى الزوال . وتتابع الفلسفة على لسان فيورباخ بأن الحدود جزء لا يتجزأ من الوجود ، والمجرد من الحدود مجرد من الوجود . فطالما أن للرأسمالية وجود إذن لها حدود ، وكل ما له حدود فبحدوده محدود ، لا يتجاوزها قط . أما ماهية هذه الحدود وكيف سيتخطاها المجتمع فمثار تكهن للفكر في الوقت الراهن وعلى المدى المنظور ، وهي أقرب إلى التحليق الفكري منها إلى الرؤية المنهجية . 

ولكن بما أن الفلسفة تقول إن المجتمع سيتخطاها فهو حكماً سيتخطاها لأن الانسجام الحالي بين المجتمع ورأس المال قانون ، مثله مثل أي قانون ، يكون مطلقاً إذا نظرنا إليه بمعزل عن فعل القوانين الأخرى فيه . ولكن لا وجود لقانون مطلق في الحياة ، بل تتدخل دوماً ، بين حين وآخر ، قوانين أخرى لتعدًله ، لتحرفه عن مساره بحيث يصير يفعل فعله بطريقة مختلفة تؤدي بالتالي إلى نتائج مختلفة . هذا هو قانـون القوانيـن ، أي القانون العام للقوانين ، الذي تتوضح فاعليته في تعديل أحد قوانين الرأسمالية  .   

لم تحاول الرأسماليات المتطورة قط ، طوال عمرها المديد ، إقامة عالم على صورتها في البلدان المتخلفة ، وإنما أقامت عالماً رأسمالياًً متخلفاً يرتبط معها بروابط سيطرة ـ تبعية تفعل فعلها في تطوير المتطور وتخليف المتخلف . ظل هذا قانونها حتى سقوط الاتحاد السوفييتي واندياح التنافس العالمي ، لتجد أوروبا الغربية نفسها مضطرة لأن تخلق عالماً على صورتها في محيطها . إذن كانت علاقة سيطرة ـ تبعية قانون الرأسمالية ، فتدخل قانون المنافسة العالمي ليحرف مسار هذا القانون فتعدل . ويبدو أن تجربة أوروبا الغربية ناجحة لأن اليابان قامت نهاية 2003 بدعوة بلدان جنوب شرق آسيا إلى مشروع مشابه . فمن ذا الذي كان يخطر بباله أن تتراكب جملة شروط بطريقة تصير فيها من مصلحة بنى التطور تطوير بنى التخلف ؟ من ؟! ألن يكون هذا وقتها ، لو حصل ، تحليقاً فكرياً ؟

2- وجـهة التطـور ومفاعيلها : رأينا اتجاهي العولمة البارزين إلى الآن يحاول كلٌ منهما لأسبابه إما تكريس علاقة سيطرة ـ تبعية أو نقضها ، وبديهي أن تسعى البلدان المتخلفة ما في وسعها لنقضها . والأكثر بداهة أن هذا السعي محكوم بجملة شروط لعل أهمها الجغرافيا لأنه أضمنها ، طالما أن البلدان المتجاورة ما أن تندمج شعوبها طواعية حتى تنصهر ليستحيل بعدها إعادة تحللها إلى أولياتها. لكن هذا الشرط غير المتاح للغالبية الساحقة من البلدان الساعية لنقض بنية التخلف متاح لنا ، وهذه ميزة نمتاز بها على غيرنا الذي قد يمتاز علينا بغيرها . لكن ميزتنا أهم ، فلنتوقف قليلاً عند هذه الأهم ، عند الجغرافيا .

سبق لماركس وبليخانوف أن لاحظا أهمية الجغرافيا كمنطلق لتطور البشرية ، واستناداً إليها تنبأ ألكسي دي توكفيل منذ منتصف القرن التاسع عشر بصيرورة الولايات المتحدة وروسيا امبراطوريتين عظيمتين . لكن تتبع مسار الرأسمالية ينم عن استخفافها الشديد بالجغرافيا ، لا بل عن نطوطتها عليها عبر محاولتها صناعة التاريخ غير آبهة بها . لكن الجغرافيا سخرت من سذاجتها ليقينها بأنها لا تتنطوط عليها بل تنطوط فيها.

فالرأسمالية رأت النور في جنوب أوروبا ، إيطاليا عصر النهضة ، وسرعان ما قفزت إلى أقصى غربها ، إلى إسبانيا والبرتغال زمن الكشوفات الجغرافية الكبرى لتعيش مرحلتها الميركنتيلية ، لتقفز بعدها إلى إنكلترا وهولندا وتبلغ الرشد هناك في الثورة الصناعية . هنا رأت الجغرافيا أن الرأسمالية ما عادت طفلة وأنه آن لها أن تتأدّب : شكمتها وفرضت عليها الانتشار شرقاً وجنوباً لتستغرق كل المثلث الذي سبق وحفرت زواياه ، هذه الزوايا التي حضنتها في مختلف أطوارها . وأكملت مهمتها بعد لأي ٍباستغراقها لإسبانيا واليونان والبرتغال على أعتاب البيروسترويكا .

وأول من لفت الانتباه إلى دور الجغرافيا في هذه البلدان الثلاث ، دون أن يذكره بالاسم ، هو نيكوس بولانتزاس الذي لاحظ أن العامل الحاسم في سقوط الديكتاتوريات فيها كان ضغط السوق الأوروبية المشتركة على مجتمعاتها لتطيح بها حتى تنضم إلى بلدان هذه السوق ، علماً بأن ملاحظته هذه جاءت  قبل انضمامها إليها بحوالي عقد ونصف .      

ما حدث في هذه البلدان الثلاثة بفعل الجغرافيا يحدث في تركيا لنفس السبب على الأقل منذ عشر سنوات ، يتكرر عليها نفس الضغط المختلف شكلاً ومضموناً عن كل الضغوط المعهودة . ليس تهديداً بالقوة العسكرية ولا بالعقوبات الاقتصادية ولا بالترغيب والترهيب ، بل بإغراء المجتمع ككل بتحسين كل نواحي الحياة فيه . فالاتحاد الأوروبي يضع معايير للانضمام إليه ويساعد على بلوغها ، ويمكن تكثيف هذه المعايير ـ الشروط بـ :

  1. الوحدة المجتمعية ، أي رغبة جميع من في الدولة بالعيش معاً في مجتمع واحد .
  2. الحرية الاجتماعية الكاملة ، أي سيادة العلمانية .
  3. الديموقراطية السياسية بما تتضمنه من سيادة القانون وحرية التفكير والمعتقد والرأي والتعبير .  

مجتمع تتوفر فيه هذه الشروط لابد أن يكون منظماً وحضارياً ، أي أبعد ما يكون عن الفساد ، وبالتالي أهلٌ لمزيد من التطور باتجاه تجاوز التخلف . والنظرة المتأنية لهذه الشروط تبين أنها معايير حضارية ، لا اشتراطات تضطر المجتمع للتضحية ببعض كنوزه مقابل كذا وكذا ، بل إن خسارته لها ربح له لأنها هي هي سمات تخلفه ، وبنفس الوقت هي نفسها شروط إعادة إنتاج هذا التخلف . 

وبرغم الشوط الواسع الذي قطعته تركيا على صعيد تحقيق هذه المعايير فإنها لم تفرغ نهائياً من أيٍ منها ، على الأرجح لأن هذه المعاييرـ الشروط ، وخصوصا العلمانية والديموقراطية ، لا تتحقق بمعزل عن بعضها وإنما تتكامل لتكتمل معاً . فعلى صعيد الوحدة المجتمعية تقدمت المشكلة الكردية فيها باتجاه حلها ضمن تركيا واحدة تضمن للأكراد حقوقهم الثقافية . وهي مازالت تعاني أيضاً على صعيدي الحرية الاجتماعية والديموقراطية ، وتتجلى هذه المعاناة بتمام عريها من خلال وصول حزب الرفاه الإسلامي إلى السلطة وتنحيته عنها عام 1997.

فقد نال هذا الحزب أغلبية مكّنته من تشكيل الحكومة ليقوم بعدة إجراءات باتجاه أسلمة المجتمع . ولما لم ترق هذه الإجراءات للجنرالات ، حراس العلمانية ، أقالوه عن السلطة ثم حظروه . حزب الرفاه وجمهوره تفهموا هذه الإقالة ثم الحظر ، ولم يقاوموا قط .

 صحيح أن هذا التفهم يعني أن حزب الرفاه وجمهوره ـ الغالبية وقتها ـ غير متعصبين لإسلامهم ، وهذه نقطة لصالح المجتمع التركي ، لكن المجتمع الذي مازال يفرّخ أحزابا ًدينية أو تحتاج فيه العلمانية حراساً حتى تظل بأمان لمّا يتعلمن . وحتى يتعلمن لابد أن تكون العلمانية حامية نفسها بنفسها بضمانة المجتمع الضامن لحمايتها كجزء من حمايته لنفسه . والمجتمع الذي يسمح للجنرالات بتنحية حزب الرفاه عنوة ، أي بانتهاك أصول الديموقراطية عنوة ، ليس ديموقراطياً بعد . والمجتمع غير العلماني وغير الديموقراطي يتضمن بالضرورة بذور عدم الاستقرار لأن غيابهما بمثابة قنبلة موقوته قد تنفجر لدى أول هزة ، ولهذا لم يقبل الاتحاد الأوروبي حتى ترشيحها للانضمام إليه في العام الذي يليه .

 لكنه عاد ووافق على طلب ترشحها بعد عامين لا لاكتمال الديموقراطية والعلمانية في غضونهما بل لسببين يصبان في نفس السياق ، سياق بلوغها معايير الاندماج الآنفة . فقد قبل ترشيحها كمشروع عضو فيه أولاً لإفهام تركيا ككل ، أحزاباً وشعباً وجنرالات ، بثلاث ضرورات لابد لهم من استخلاصها كتغذية راجعةfeedback  من تجربة حزب الرفاه : ضرورة عدم قيام أحزاب دينية ، وإذا ما قامت ضرورة عدم تأييد الشعب لها لأن أياً منهما يمنع عضويتها في الاتحاد الأوروبي فكيف تكاملهما ؟! وضرورة أن يفهم العسكريون أن سلطتهم هذه على المجتمع غير مقبولة بتاتاً . وفهموا كلهم هذا الدرس جيداً . وثانياً ليفرض على تركيا المعايير الأوروبية في التعامل مع عبدالله أوجلان ، رمز الحركة الكردية فيها ، مما يضمر تفهيم تركيا ضرورة السعي الحثيث لحل المسألة الكردية فيها طالما أنها باتت على باب الاتحاد غير الممكن دخوله دون حلها .  

وفعل هذا التشجيع فعله ، إذ تسارعت وتيرة الإصلاح فيها منذ ذلك الحين ، فتعززت العلمانية وتعمقت الديموقراطية السياسية وتقلصت سلطة الجنرالات حتى أن رئيس المفوضية الأوروبية لم يبحث في زيارته إليها مطلع العام الحالي ، التي نجم عنها الوعد بتحديد تاريخ بدء مباحثات انضمامها إلى الاتحاد هذا العام ، إلا المشكلة القبرصية وموضوع شفافية ميزانية المؤسسة العسكرية وحقوق الأكراد الثقافية . فمستقبل تركيا القريب أنها جزء من الاتحاد الأوروبي ، ولأن هذا الاتحاد صار يحد سوريا يجب أن نقرع ناقوس الخطر .

ناقـوس الخطـر

نعم يجب أن نقرع ناقوس الخطر لأننا في خطر . لا خطر الاتحاد الأوروبي علينا ، بل خطر إضاعة فرصتنا بالانضمام إليه . هذه الفرصة ممكنة في الوقت الحاضر لأن الوضع العالمي الآن وعلى المدى المنظور يتيحها ، والأدق لا يعرقلها ، وخصوصاً في ظل رغبة الولايات المتحدة عن السيطرة على سوريا إلى الآن لعدم وجود ما يغري فيها ، والتفاتها نحو الخليج الممنوع على الأوروبيين .

وبنفس الوقت فإن مجتمعنا مؤهل لهذا الانضمام ولا ينقصه إلاّ العمل الجدّي باتجاهه .

فالولايات المتحدة لا تبدي إلى الآن أي معارضة للأوربة إما لأنها تخدمها ـ أو على الأقل لا تتعارض ومصالحها ـ وهذا احتمال ضعيف ، وإما لأنها أعجز من ذلك لانشغالها بالسيطرة على مفاصل حيوية للاقتصاد العالمي وبترتيب أمور هذه السيطرة ، وهو المرجح . إذا كان هذا هكذا ، فقد تفرغ من انشغالها في وقت غير بعيد لتبدأ بالعرقلة . والكل يعلم أن ما تعرقله الولايات المتحدة قد لا ينجح ، لمجرد أنها الولايات المتحدة . ومن جهة أخرى فقد اختط الاتحاد الأوروبي هذا الطريق بسبب كذا وكذا ، وقد تنتفي هذه الأسباب مع الزمن ليكف عن هذا النهج . وهناك احتمال ألا ّيحدث هذا أو ذاك بل أن يتدخل قانون القوانين ، لسبب غير مرئي الآن ، ليحرف الأوربة عن مسارها فتنحرف . مجمل هذه الأمور تبين أن المجال قد انفتح أمام إمكانية انضمامنا للاتحاد الأوروبي ، وبنفس الوقت أنه لن يظل مفتوحا ًإلى الأبد .  

قد لا يختلف اثنان على أن هذا المجال إن انفتح لن يدوم إلى الأبد ، فهذه ليست مشكلة ، لكن المشكلة إن كان قد انفتح أصلاً ، وخصوصاً أننا بلد متخلف وليس عندنا أيٌ من معايير الاندماج المطلوبة إلا الوحدة المجتمعية .

بديهي أننا لو كانت عندنا كل المعايير السابقة أو معظمها لتجاوزت الحياة في سوريا هذه الكتابة ، أي لكان انضمام سوريا واقعاً ملموساًً يسير بالتوازي مع انضمام تركيا . ولكن مع أننا لا نمتلك من هذه المعايير إلا المذكور ، إلا أن المجال قد انفتح لأن عندنا أهم المتطلبات السابقةprerequisites  لعملية الانضمام والتي تجعل تحقيق كل المعايير الأخرى ممكنة . عندنا الجغرافيا طالما أن شرط اندماج الأمم والشعوب تجاورها ، هذه الميّزة التي لا فضل لنا بها . وعندنا أيضاً التطور الاجتماعي الذي لنا به كل الفضل ، وهو أكثر اهمية من التطور الاقتصادي على هذا الصعيد . إنه أهم لأنه يضرب عدة عصافير بحجر واحد ، يسهّل علمنة المجتمع ولا يدفع الديموقراطية السياسية نحو الدين والتعصب ويتفهم نمط حياة الأوروبيين ويتفاعل معه . وخير مثال على أهمية هذا التطور الاجتماعي ، مقارنة ً بالاقتصادي ، الباكستان . فهي اكثر منا تطوراً اقتصادياً ، ومع ذلك لنتخيلها في موقع سوريا الجغرافي ليأتي من يطرح عليها ضرورة الاندماج بالاتحاد الأوروبي . فتخلفها الاجتماعي عندئذ سيحيل تنفيذ هذه المهمة على المدى المنظور ضرباً من المستحيل .

بما أننا عندنا الوحدة المجتمعية وكل ركائز الانضمام التي تشكل أساساً لبناء باقي المعايير ، فما علينا إلا بذل جهود البناء الجبارة  طالما أن بناء المجتمع يتطلب دوماً جهداً جباراً قبل أن ينعكس فيه أثراً جباراً .

نهايـة المطـاف

ولكن هل الإصلاح عندنا ممكن ؟ أمهد لهذا الجواب بالقول بما أن الواقع الاجتماعي نقض ما استنتجه ماركس من الدياليكتيك المادي ، فقد بات طرح هذا السؤال بحد ذاته خاطئاً طالما أن طرح السؤال بطريقة خاطئة يتضمن حكماً إجابة خاطئة . فالإصلاح الذي ما كان ممكناً أثناء مرحلة الطاحونة ـ أي منذ الاستقلال حتى بداية التسعينات ـ لأسباب اجتماعية وسياسية ، داخلية وخارجية ، بات الآن ليس ممكناً ومتاحاً فحسب ، بل وملحّـاً لأنه بات ضرورة مجتمعية . فمسألة الإصلاح في سوريا صارت مسألة أن نكون أو لا نكون ، لا

 بالمعنى الأدبي أو المجازي بل بالمعنى الفعلي .

هذه الحال في سوريا ، منذ مطلع التسعينات إلى الآن ، بات يفصلنا عنها تاريخ طويل . نعم تاريخ طويل ، ولكن لا لطول الزمان بقدر ما لكثرة المتغيرات العالمية والإقليمية والداخلية التي حدثت فيها ، والتي توشك أن تجعل من سوريا ما قبل التسعينات جزءاً من التاريخ الذي لا علاقة له بسوريا الحالية قط . ولعل أبرز هذه المتغيرات التي انعكست عليها ، وحصلت فيها ، في ظل السيرورة الحالية للعولمة هي التالية : 

بالنسبة للأول أعتقد أنه ما عاد هناك عاقل يطالب بضرورة إزالة إسرائيل ، بل بضرورة عدم التنازل لها أكثر من الاعتراف بحقها في الوجود ضمن حدود الرابع من حزيران بحسب ما باتت عليه أعراف الشرعية الدولية ، مما يستلزم ضرورة مباشرة التخطيط لكيفية تعايشنا معها . لأننا مالم نخطط فعلاً لهذه الكيفية ونحاول تطبيقها ، سنجد أنفسنا نتعايش معها بالطريقة التي تخطط لها هي . فهي بلا شك تخطط ، وعلينا أيضاً أن نخطط لتكون المحصلة على الأقل نتاج تلاقي تواجه تقابل تصارع تلاقح تخطيطين . وبغير هذه الحال سيفعل مخططها فعله لأننا سنتعامل معه حكماً بطريقة خرقاء ، بطريقة تصير فيها خلاصة مخططها خلاصة عيشنا معها ، ويصير اسمه عيشنا المشترك . بشديد الاختصار ، علينا أن نعد العدة  لهذا الموضوع من الآن لئلا يصير تقابلنا معها كما صدف وتقابل منتخبنا السوري لكرة القدم مع المنتخب البرازيلي .  

أما بخصوص الضغوط الأمريكية على سوريا لغياب الديموقراطية السياسية فيها ، فنراها تفعل فعلها في المواطنين بالاتجاه المعاكس للديموقراطية ، على الأقل انطلاقاً من مبدأ نكاية بالطهارة . أما المثقفون فكانوا ، ومازالوا ، يطالبون بالديموقراطية ليس دعماً للولايات المتحدة بل لشعورهم بضرورتها . والكل يعلم أن الولايات المتحدة لا تأبه بالديموقراطية بدليل ما تمارسه يومياً في منطقتنا ، أو على الأقل بدليل محصلة خطاب  الرئيس الأمريكي بوش عن الديموقراطية في الشرق الأوسط : كل البلدان العربية التي لا تعارض سلطاتها السياسة الأمريكية ـ الإسرائيلية فعلاً ، المغرب والأردن وقطر والبحرين والسعودية ، هي بلدان تتقدم فيها الديموقراطية أما سوريا ومصر فلا . ولكن ليطمئن هؤلاء المعارضون الذين تلملمهم إلى أن المجتمع السوري الذي لا يعرفهم قط ، يعرف تمام المعرفة أن الولايات المتحدة ، إن أتت ، فلن تأتي لتحريره . إذ لو أن تحرير الشعوب مهمتها لخلصت الشعب الفلسطيني على الأقل من المجازر

 اليومية ، ليس إلاّ . 

وفيما يتعلق بالسلطة الجديدة ، بما أنها استمرار تواصلي للقديمة ، من البديهي أن ترث عنها كل ما فيها ، ومعها المجتمع والمرحلة . ولكن انطلاقاً من يقينها بأنها والمجتمع في قارب واحد ، وأنه ما عاد يمكنها قيادته في تلاطم أمواج العالم المعاصر بالدفة القديمة ، أخذت على عاتقها مهمة التأقلم مع الوضع الدولي الجديد على صعيدي السياسة الداخلية والخارجية بما يخدم استمرار استقراره ، الذي يتضمن حكماً استمرار استقرارها . فنراها تقوم ، على صعيد الداخل ، بتخفيف وطأة الديكتاتورية على المجتمع عبر تخفيف تدخل الأجهزة الأمنية فيه ، مما انعكس على شكل تطور في حرية التعبير .

أما على صعيد الخارج فقد وجدت نفسها محكومة بجملة شروط تاريخية تتعلق بالتاريخ الاستعماري لأوروبا الغربية ، ولاقتطاع فرنسا لواء اسكندرون وتقديمه لتركيا ، ولبروز  المنظومة السوفييتية التي فرضت نفسها على العالم باعتبارها الرابح في سباق المسافات الطويلة ، والتي دعمت البلدان العربية ككل ضد المستعمرين السابقين ، ولاشتراكية حزب البعث القومية ولأن انعكاس الحرب الباردة علينا لم يجعلنا نشعر بإلحاح ضرورة تحسين العلاقة مع أوروبا الغربية ، لكل هذه الأسباب كانت العلاقات السورية ـ الأوروبية ببرودة الحرب الباردة . ولكن اختلف الوضع بعد البيريسترويكا بوقت قصير ، أي بعد زوال العطالة الناجمة عن الانصعاق لما أحدثته ، هذه العطالة الاجباريّة طالما أنه لا يمكن تغيير مسار سوريا السياسي مائة وثمانين درجة دون التوقف في الوسط ، تماماً كالسيارة التي تسير باتجاه لا يمكن للسائق عكسه مالم تتوقف .

في هذه المرحلة جاءت السلطة الجديدة لتجد العلاقات السورية ـ الأوروبية والتركية بتلك البرودة ، ومشوبة ببعض العداء مع تركيا ، فأخذت تسعى حثيث السعي لتحسين هذه العلاقات لأنها لا يمكنها إبقاء سوريا معزولة عن القوى التي تفعل فعلها في حفر مجرى الحياة ككل ، وحياتنا من ضمنها . ومما زاد في تسريع وتيرة هذا التحسين من جانبها ضغط الولايات المتحدة الشديد عليها ، وخصوصاً بعد احتلال العراق ، لكي تتنازل لإسرائيل ، قل ترضخ . وبديهي أنها بهذا التحسين تخفف من هذه الضغوط وبنفس الوقت تحمي ظهرها بحسب المثل القائل " من لا ظهر له يضرب على بطنه ".

أما بخصوص العلاقة مع تركيا فإن علاقاتنا بها بدأت تتحسن ببطْ قبل الغزو الأمريكي للعراق ، ولكن بعده قطع التحسن شوطاً واسعاً فبدا الأمر كما لو أن دواعي هذا التحسن من جانب السلطة عندنا جزءٌ من محاولة تخفيف الضغوط الأمريكية على سوريا . وخصوصاً أن البرلمان التركي صوت لصالح الموقف الأمريكي من الغزو ولكن ليس بالقوة المطلوبة ، فاحترمت الحكومة التركية هذا التصويت مما عرقل المخططات الأمريكية وقتها . هذا الموقف التركي لفت انتباه السلطة السياسية عندنا مما دفعها إلى السعي الحثيث لتحسين هذه العلاقة . فبهذا التحسين تسعى لحماية سوريا من الولايات المتحدة وإسرائيل عبر التنسيق السياسي معها كيلا تسهم في استقرار العراق في ظل الاحتلال ، ومن جهة أخرى فتركيا جارة لنا وقوة إقليمية لا يستهان بها على كافة المستويات ، لذا ليس هناك ما يمنع من تحسين العلاقة معها .

وسواء كانت هذه هي كل الأسباب أو هناك غيرها ، فالأهم أن أسباب هذا التحسين من جانب السلطة عندنا للعلاقات مع تركيا وأوروبا الغربية أسباب سياسية ، وهنا المصيبة ! هنا المصيبة لأنها يستحيل أن تعتبر علاقتها بتركيا استراتيجية طالما أنها لا تفكر بالاندماج بالاتحاد الأوروبي ، فلو كانت  تفكر فيه لاعتبرت علاقتها بها استراتيجية لكونها ممراً إجبارياً على طريقها إليه . 

وبالنتيجة ، فالسلطة السياسية عندنا ترتكب خطاً جسيماً باعتبارها علاقاتنا مع أوروبا وتركيا مجرد علاقات سياسية لأن عليها التفكير فيها باعتبارها جزءاً من تخطيط استراتيجي يهدف إلى الاندماج بالاتحاد الأوروبي . إذا كانت هي لا تفكر هذا التفكير فهذا شأنها ، فقد يأتي ، وسيأتي وقت تفكر فيه هي أو غيرها ، وأتمنى أن تفكر فيه هي قبل غيرها لأن الوقت يمر ، ولأن الوقت يمر قرعنا ناقوس الخطر .

وأخيراً يصل بنا المطاف إلى وضوح رؤية وجهة مسار سوريا الذي لم تتبين معالمه إلا في النصف لثاني من التسعينات . فهذا المسار ، كما بات واضحاً من مجمل ما تقدم من سياق ، وجهته باتجاه الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ، لكن انضمام سوريا إليه ليس حتميا . فزمن رؤية الفكر لمثل هذه الحتميات ولّى ، بل بات يرى انضمامها رهناً بثلاثة : أولاً بواقع جغرافي يتيحه وثانياً بظروف دولية لا تعرقله في المدى المنظور وثالثا ًبشروط داخلية مرهونة بمدى فاعليتنا في العمل على ، لا الخطابات عن ، الإصلاح والبناء والثقافة والتطور ضمن نفس هذا المدى المنظور . فنحن في سباق مع الزمن ، ولا يفيدنا التأمل في سؤال إن كنا قادرين على سبقه أم أنه سيسبقنا لأننا بالعمل على بلوغ معايير ـ شروط  الانضمام ، سواء بلغناها أم لا ، وسواء انضممنا أم لا ، فإننا لا نخسر إلا بعضاً من تخلفنا وهذا المستوى البائس من تفكيرنا المتجلي في نقاشنا حول إمكانية أو لاإمكانية الإصلاح .      

مهمّاتنـا الأهـم

التفكير ضروري لأن المرء لا يحق له تغييب عقله تحت أي ظرف كان ، أما التأمل كتمريك للوقت فبلادة لأن علينا مهمات جسام قبل أن يفوت الأوان ، قبل أن نقع في شرك الأمركة . مهماتنا العمل على الإصلاح في كافة المستويات الاجتماعية ، وخصوصاً السياسية والاقتصادية طالما أن التطور الاجتماعي عندنا يضطرد والثقافي لا يتطور على أساس مهمات وبشكل موجّه . هذه المهمات يتوجب علينا القيام بها معاً بنفس الوقت طالما أن مجتمعنا فيه الكادر المؤهل للقيام بهذا العمل ، في كل مجال على حدة ، بنفس الوقت . 

وبما أن هذه المهمات مطروحة على جدول أعمال مجتمعنا ككل ، فالمعني بتنفيذها المجتمع ككل . وهو ، كأي مجتمع ، ينقسم بداهة إلى طرفين متكاملين في تناقضهما ، إلى سلطة ومواطنين . هي عليها مهمات لابد لها من العمل على إنجازها ، وهم عليهم مهمات مختلفة لابد لهم من العمل على إنجازها . وكما أنهم لا يمكنهم الحلول مكانها في إنجاز مهماتها ، كذلك هي لا يمكنها أن تحل مكانهم في إنجاز مهماتهم . صحيح أنه قد توجد ، ولابد أن توجد ، مساحة من التقاطع بينهما لأن الحد الفاصل بينهما ليس مطلقاً ، ولكن يبقي الانقسام الوظيفي أساس العلاقة بينهما .

هذا الانقسام بينهما يكشف جوهره محمود درويش بقوله " للحقيقة وجهان" . مما يعني أن السلطة ، أي سلطة ، لا تصلح المجتمع إلا كما

يتبين الخلل فيه من زاويتها ، وبديهي أن وسيلتها للإصلاح هيئاتها . وبالضبط لأنها من المجتمع ولا يمكنها أن تصلحه إلا بهذا الشكل ، يتوجب على المواطنين أن يتدخلوا ليعملوا على الإصلاح من زاوية رؤيتهم ، وعبر هيئاتهم . فلو كانت السلطة تصلح المجتمع وحدها من الزاويتين فلا داع ٍ لتدخل المواطنين قط ، لا في سوريا ولا سويسرا ، لأن من عنده طباخ أو زبال لا داع ٍ لتوسيخ يديه . ولكن لأن المجتمع ككل طباخ طبخه وكناس وسخه ، عليهما العمل بنفس الوقت ، كلٌ من جهته وزاوية رؤيته للأمور ، في الطبخ والكنس .

فهاتان الزاويتان أولاً زاويتان لا زاوية واحدة ، وثانياً لا تتناقضان بل تتكاملان . ولأنهما زاويتان فهما إذن مختلفتان ، واختلافهما يعني أن لكل منهما مجالها المختلف الذي يتطلب نمطاً من الفعل مختلفاً . ولأنهما تتكاملان نرى نمط الفعل المختلف في كل منهما لا يتناقض عموماً مع الفعل الآخر المختلف بل يكتمل فيه ، لتكون النتيجة اتحاد القوى في المجتمع لا تفاضلها .

على أساس هذا الفصل تنقسم هذه المهمات إلى مهمات ينبغي أن تقوم بها السلطة وأخرى يقوم بها المواطنون ، وكلها مشتقة من مهمة واحدة  وحيدة ، مهمة العمل على بناء دولة ديموقراطية علمانية تسعى للاندماج بالاتحاد الأوروبي غير الممكن بغير هذه الدولة . وهذا البناء يتطلب من طرفي المجتمع بذل أقصى الجهود لتحقيق هذا الهدف ، وخصوصاً في مجالي السياسة والاقتصاد .

1ـ على المستوى السياسـي :

على صعيد السياسة الداخلية ، تشريع وضمان ممارسة كل ما يقود إلى بناء هذه الدولة من حرية الرأي والتعبير والمعتقد والتفكير والديموقراطية السياسية بما تتضمنه من حق الترشح والانتخاب ، وفي المقام الأول حرية تشكيل الأحزاب العلمانية ، والعلمانية فقط تمهيداً لإعلان سوريا دولة علمانية . كما ويتطلب من المجموعات السياسية وجمهورها ، القائمة أو التي ستتشكل ، العمل ضمن نطاق هذا التشريع القاضي باستثناء الأحزاب الدينية من ساحة العمل السياسي . والسؤال الذي لا بد أن يطرحه البعض هنا " هل تظل الديموقراطية ديموقراطية فعلاً بهذا الاستثناء " ؟ 

إنها لا تظل ديموقراطية ، بل حتى لا تصير إلا بهذا الاستثناء لأن الأحزاب الدينية بطبيعتها ديكتاتورية تماماً مثلما أن الشوك من طبيعة الصبّار والعطر من طبيعة الياسمين . وإيضاحاً لهذا الموضوع ، الواضح عند الكثيرين ، لا بد من التمييز بين االمتدينين الأفراد والحزب الديني .

للمتدينين الأفراد كامل الحرية في ممارسة طقوسهم في المجتمع العلماني ، ولا أحد يفرض عليهم ممارسة ما يزعجهم فيه . أما إذا كانوا هم ينزعجون من حرية الآخرين الشخصية لأن هؤلاء الآخرين لا يحبّون طقوسهم أو يرفضونها فهذه مشكلتهم لا مشكلة الآخرين ، وعليهم حلها بما يضمن استمرار اندماجهم بالمجتمع . وهذا يعني أن الحياة هي التي تجبرهم على التعايش مع الأفراد غير المتدينين ونمط حياتهم ، لا الكفر ولا الكفّار . فالعلمانية تطور أعطته الحياة وفرضته على المجتمع كحل وسط بين خليط الحريات الشخصية المتنافرة : حرية المتدينين وغير المتدينين ، حرية المتدينين بقلوبهم والمتدينين فقط بالطقوس والمتدينين بقلوبهم وبالطقوس ، وحرية ممارسة أتباع الديانات والطوائف المختلفة لطقوسهم . فهذا الحل الوسط أولاً ضرورة اجتماعية حتى يظل المجتمع موحداً ومنسجماً ، وثانياً تحقيق للمساواة الفعلية بين الأفراد على صعيد الحرية الشخصية لأن المتدين الفرد لا أحد يفرض على حريته الشخصية أية قيود ، وبدوره لا يفرض على حرية أحد أية قيود . وهذا منتهى العدل لأنه المساواة الكاملة بين الأفراد بفروقاتهم الفردية .

أما الحزب الديني فلا يتم تشكيله إلا ليفرض على الآخرين ممارسة كذا وكذا ، وبالتالي لا يتشكل إلا ليلغي الحرية الشخصية لكل المختلفين عنه . وهذه السمة تناقض الديموقراطية ، وبالتالي تنقض كل ادعاءات الحزب الديني بها . هذه السمة وحدها تكفي لرفض مشروعية الأحزاب الدينية من زاوية ضرورة بناء دولة ديموقراطية ، علماً بأن هذه الحدود هي الحدود الدنيا لسلبية الحزب الديني . وهذه السلبية لا تبقى ضمن هذه الحدود ، وحدود قمع حرية التفكير والتعبير وبالتالي التكفير والإعدام ، إلا في المجتمع الموحد طائفياً كإيران . أما في المجتمع المتعدد الأديان والطوائف كالهند وباكستان ، فديموقراطية الأحزاب الدينية نراها في المذابح بين المسلمين والهندوس ، وقيام الشيعة والسنة بتفجير مساجد بعضهما البعض في باكستان ، ناهيك عن تفجير الكنائس .

إذن ، بما أن الحرية الشخصية حق من حقوق الأفراد ، فللفرد الحق في ممارسة الطقوس الدينية إن أراد وله الحق في عدم ممارستها إن أراد . إنه حر في هذه المسألة الشخصية في الدنيا ، وأمره متروك لربه ليحاسبه بالطريقة التي يراها مناسبة في الآخرة طالما أن " الدنيا دار عمل بلا حساب ، والآخرة دار حساب بلا عمل " . وبالتالي ، فكما أن من حق المتدين الوقوف في وجه السلطة التي تمنع حريته الشخصية في عبادة ربه وواجب غير المتدين الوقوف معه ضد هذه السلطة التي تعتدي على هذه الحرية الفردية ، كذلك من حق غير المتدين أن يقف ضد السلطة التي تجبره على التدين ومن واجب المتدين أن يقف معه ضد هذه السلطة لأن من مصلحة المجتمع ككل الدفاع عن الحريات الفردية فيه ، هذه الحريات المختلفة بالضرورة لاختلاف نمط حياة الأفراد وطرائق تفكيرهم .

وبما أن السلطة العلمانية مع هذه الحريات المختلفة والسلطة الدينية ضدها ، فمن حق المجتمع على نفسه وواجبه تجاه أفراده أن يقف ضد السلطة الدينية ، وقبل ذلك ضد الحزب الديني طالما أنه لا يتشكل إلاّ لإقامة هذه السلطة . وبالمقابل فإن من حق المجتمع على أفراده وواجبهم تجاهه عدم تشكيل أي حزب ديني . ولهذا لابد للأحزاب التي ستتشكل في سوريا ، والتي ستسهم في بنائها الديموقراطي ، الالتزام بالعلمانية ، وهو ما لا يتحقق إلا بإعلانها أنها ليست دينية أو طائفية ، ولكن لا تحارب الدين .

أما على صعيد السياسية الخارجية ، فالسلطة بسيرها باتجاه تحسين العلاقات مع أوروبا وتركيا إنما تسير بالاتجاه الصحيح ، ولا ينقص هذا السير إلا الاستناد إلى استراتيجية واضحة تتمثل بالاندماج بالاتحاد الأوروبي . فعندما نحدد لمجتمعنا هذا الهدف ، نستطيع رسم كل سياستنا على هذا الأساس  ، وبالتالي تصير واضحة وقابلة للقياس وأبعد ما تكون عن الانفعالية وغير خاضعة لأي تقلبات ظرفية . وإيضاحاً لأهمية ربط سياستنا الأوروبية ـ التركية بهذا الهدف أقول : من المؤكد أن السلطة لن تقوم بأي فعل من شأنه إعادة هذه العلاقات إلى الوراء ، لأن الحياة ما عادت تسمح بمثل هذه العودة ، بل إنها تحاول وستحاول تعزيزها وترسيخها أكثر فأكثر . ولكن لماذا ؟

 هذا السؤال أوجهه للسلطة ومفكريها : من أجل التحسين فقط ؟ هرباً من أمريكا ؟ هل عندنا خطة لوحدة عربية مستقبلية نسعى لتحقيقها

 بهذا التحسين ؟ أم عندنا استراتيجية قطرية ستتكشف عما قريب ؟ الجواب الحقيقي الوحيد أننا نحاول الآن بهذا التحسين تفادي الضغط الأمريكي ، هذا هو الأهم وبعدها " يحلها ألف حلاّل ". سأعكس السؤال : بديهي أن أوروبا تسعى لتحسين علاقتها مع سوريا لمصلحتها ، ولكن ما هي مصلحتها ؟ مجرد البيع والشراء ؟ هذا الجانب قليل الأهمية بالنسبة لها لأنها تعلم أن سوريا مضطرة للتبادل التجاري معها دون هذا التحسين . إذا كان الأمر كذلك ، وهو كذلك ، فما هي مصلحتها إذن ؟

تكمن هذه المصلحة بكون الأوروبيين عكسنا ، يفكرون . ولأنهم يفكرون ، فإنهم يعتبرون منطقتنا ككل ، وسوريا من ضمنها ، جزءاً من مخططهم الاستراتيجي . ففي السياق السابق عن العولمة ، لدى الحديث عن أهمية العامل الجغرافي ، لم أتطرق إلى المتوسطية قط لأن ما أوجدها الاهتمام الأوروبي بهذه المنطقة ، لذا تصعب البرهنة انطلاقاً من سوريا على أن المتوسطية مؤشر قوي على سيرورتها نحو الاندماج بالاتحاد الأوروبي . فالمتوسطية في حقيقتها ليست مؤشراً قوياً بقدر ما هي دليل دامغ على هذه السيرورة ، ولكن يمكن البرهنة عليه فقط إذا ما نظرنا إلى الأمور من الزاوية الأوروبية . وقد سبق ومهدت الطريق أمام هذا الموضوع بتبيان أسباب اضطرار أوروبا الغربية إلى ابتكار الأوربة . ولكن لا يسعني في هذا المجال إلا أن آسف شديد الأسف لأن مثقفينا لم يستنتجوا منها ، من هذا الاهتمام الأوروبي بمنطقة المتوسط ، أي نتائج تذكر . ويؤسفني أكثر بكثير تعامل السلطة السياسية عندنا بمفكريها ، إن كان عندها مفكرون استراتيجيون ، مع موضوع المتوسطية طوال الفترة الماضية . إذ كانت تتعامل معها كما لو أنها أقرب إلى النادي منها إلى التفكير الاستراتيجي ، حتى أن مفكريها لم يسألوا أنفسهم السؤال البسيط التالي : " ما سر هذا الاهتمام الأوروبي بالمتوسطية  طالما أن حكوماتهم لا تبدد الوقت والمال على لقاءات للبروظة " ؟ ومع من ستتبروظ  ؟!        

بتحديد هذا الهدف كهدف استرتيجي ، على السلطة عندنا العمل على تحسين علاقات سوريا مع كل البلدان الأوروبية ، لا الرئيسية منها فحسب . هذا على المستوى الرسمي ، أما على المستوى غير الرسمي فلم نفعل شيئاً البتة . فقد كان الحوار العابر بيننا وبين الأوروبيين ، بالنسبة للمراقب المحايد ، أقرب ما يكون إلى حوار الطرشان ، وربما ينطبع في ذهنه أننا من كوكبين مختلفين . وحتى لا تظل الأمور كذلك ، أعتقد أن على الجامعات أن تتحمل مسؤوليتها في هذا المجال ، عليها تحسين علاقاتها مع الجامعات الأوروبية والتركية لمباشرة هذا الحوار .

عندنا الكثير من الأساتذة حسن الاستماع طبيعتهم ، وهذه ميزة يفتقدها الكثيرون منا ـ وربما أكون أولهم ـ لأننا لا يخطر ببالنا قط أن الوليد يتقن الكلام في سنتين أو ثلاث ، أما معظمنا فيعجّز ، وقد يموت ، دون أن يتقن الاستماع . هؤلاء الأساتذة قادرون على الإسهام في إدارة الحوار بالاتجاه المطلوب ، وقادرون على النقاش ومتمرسون في رسم وتوضيح وتوسيع نقاط التقاطع . وبنفس الوقت فيها عدد هائل من الطلاب ، أي الشباب ، يمكن أن يسهم في هذا الحوار . وبنفس الوقت فإن هؤلاء الطلاب متغلغلون في مجمل النسيج الاجتماعي بحيث يمكنهم نقل هذا الحوار إلى كل زوايا المجتمع وتفعيله للتأثير في بنية تفكيره . وباقي المفكرين والمثقفين غير بعيدين عن الجامعة ، وعندما تلعب هذا الدور يزداد التصاقهم بها . بهذه المبادرة يزداد التفاعل بين الأساتذة والطلبة وبين الجامعة والمجتمع ، لتصير الجامعة مؤسسة قادرة ليس فقط على رسم استراتيجية المجتمع وتوجيهه باتجاه أفق تطوره بل أيضاً على تمهيد الطريق أمام الفعل السياسي المباشر لتصير السياسة فن تطبيق هذه الاستراتيجية .                                      

قد يقول البعض إن هذا الكلام ممتاز نظرياً ، أما عملياً فمستحيل لأن السلطة إن وافقت سياسياً على هذه الدعوات فتبقى مشكلة التمويل . فيما يتعلق بالتمويل أجزم أنها ليست مشكلة طالما أن الأوروبيين يعرفون " البئر وغطاه " ، إذ ليس ضرورياً أن ينزلوا في الفنادق أو يأكلوا في المطاعم طالما أن منازلنا عامرة ، وقد يرتاحون فيها أكثر ، وخصوصاً أننا نوجه لهم الدعوة على هذا الأساس . أما بخصوص الموقف السياسي للسلطة ، فلا أعتقد أنها ترفض هذا الأمر لأنها لا يعقل أن تكون بهذه الحماقة ، والتجربة أكبر برهان طالما أن مثل هذه الدعوات ستمر عبر وزارة التعليم العالي إلى الحكومة التي لن توافق عليها إلا بعد موافقة السلطة . ومن الطبيعي ، بعد هذه الموافقة ، أن يطالب وزير التعليم العالي الحكومة بمطالبة وزير النقل بتأمين رحلة جوية مجانية كل كذا لنقل وفود هذه الجامعات . وبالمقابل لن نهكل هم هذه الجامعات في أمور نقل أساتذتنا وطلابنا إليها .                                

2ـ على المستوى الاقتصـادي :

لا أعتقد أن شخصاً بعينه ، بالغاً ما بلغ ، يمكنه وضع خطة اقتصادية لإصلاح بنية الاقتصاد السوري الذي يحتاج ، دونما أدنى شك ، إلى إعادة هيكلة . فهذا الموضوع يحتاج لجنة من الاختصاصيين تتفرغ لهذا الموضوع لتدرس الواقع الفعلي لكل قطاع من القطاعات ، ليصار إلى تقييم حقيقي لمجمل الوضع الاقتصادي ، ومن ثم الخروج باستنتاجات تشير إلى وجهة إعادة الهيكلة . ولكن من الواضح أن هذا الاقتصاد ، وخصوصاً قطاع الدولة ، يعاني في كل مفصل من مفاصله الرئيسية ، من التخلف الشديد في وسائل الإنتاج ومن التضخم الشديد في عدد العاملين ومن الفساد الشديد . فمجرد واحدة من هذه الشدايدات تكفي لإفشال تطور هذا القطاع ، بله اجتماعها . لكن هذه المسألة الاقتصادية في سوريا ليست اقتصادية بالدرجة الأولى بقدر ما هي سياسية لتمفصل الاجتماعي فيها على الاقتصادي ، لتكون بالتالي مسألة سياسية ـ اجتماعية تتعلق بصميم العلاقة بين المواطنين والسلطة في المجال الاقتصادي .

معلوم للجميع كيفية قيام البناء الاقتصادي في سوريا بعد التأميم ، وخصوصاً بعد انقلاب 1963 ، وكيف صارت الدولة هي المسؤول الرئيسي عن النشاط الاقتصادي في المجتمع . وانطلاقاً من التصور الاشتراكي القاضي بضرورة تأمين العمل للجميع ، وربما لربطها كل المجتمع بسلطتها لإحكام سيطرتها عليه ، تضخم جهاز الدولة وتضخم عدد العاملين في المصانع ومؤسسات الإنتاج ، مما فرض واقعاً يدفع باتجاه مقاومة تحديث وسائل الإنتاج . الأمر الذي قاد ، ومازال ، إلى ازدواج الخلل في بنية هذا القطاع : من جهة الاحتفاظ بالوسائل القديمة كيلا يتم الاستغناء عن قسم من العمال ، ومن جهة أخرى استمرار تعيين مواطنين بصفة عمال كيلا تنفق العائلات جوعاً ، لتكون النتيجة استمرار تدهور الاقتصاد الذي مازال ينعكس على المجتمع ككل على شكل تدهور في وضعه الاقتصادي العام .

أما الجانب الآخر المكمل للمشكلة ، والذي يسهم جزئياً في تخليف القطاع الخاص ، فتضخم الكادر الإداري في جهاز الدولة الذي تعود أسباب تضخمه ، بشكل رئيسي ، لنفس السبب الاجتماعي الأخير . وبما أن وضعه الاقتصادي ليس أفضل كثيراً من العمال ، ولتعذر تحسينه إلا عبر السرقة من مؤسسات الدولة والرشاوى ، لذا وجد نفسه شيئاً فشيئاً في وضعٍٍ يعتبر فيه أن ما يتقاضاه من مرتب أشبه ما يشبه مرتب النادل ، رمزي جداً ، أما دخله الرئيسي فمن البقشيش .  

هذه هي السمة العامة لوضع كادر جهاز الدولة والعاملين في مؤسساتها الإنتاجية ، وهو ما يقود إلى تبرير الرشوة والسرقة من مؤسسات الدولة في العرف الاجتماعي . وبديهي أن الاستثناءات كثيرة لأسباب مختلفة ، لكنّ المطروح في هذا السياق ليس أسباب هذه الظاهرة واستثناءاتها ، بل حقيقة هذه المشكلة التي تحتاج حلاً في أي دراسة لإعادة هيكلة الاقتصاد . مما يعني أن أي دراسة قد تبدو أنها تتواجه بتناقض بين الضرورة الاقتصادية والضرورة الاجتماعية . لكن هذا التناقض شكلي لأنه ليس تناقضاً قط ، وإنما مجرد خروج عن مألوف رؤيتنا لشكل ارتباط المجتمع اقتصادياً بالدولة وجهازها ، مما يعني أنه تناقض في رؤوسنا لا في الواقع . وإيضاحاً لشكلية هذا التناقض لنفترض أنه حصل ، فأيهما نغلّب ؟

إن تغليب الاجتماعي على الاقتصادي سيقود بالمحصلة إلى عدم إعادة الهيكلة ، بل إلى شكل من أشكال الوضع الحالي ، لأن هذا التغليب لن يحل المشكلة بل سيؤجلها ويفاقمها لأنه سيقود إلى استمرار إعالة الدولة للمواطنين ، مما يفضي إلى استمرار نفس أسباب التخلف الاقتصادي القائمة الآن . أما بتغليب الاقتصادي ، فإن التطور الاقتصادي القائم في صلب هذا التغليب سينعكس إيجاباً على المجتمع ككل . صحيح أننا سنتواجه بالبطالة والمشاكل الاجتماعية الناجمة عنها جرّاء هذا التغليب ، لكن حلها في ظل بنية اقتصادية تسمح بالتطور الاقتصادي أسهل بكثير وأكثر جدوىً مما هي في ظل بنية تعيق هذا التطور . 

على كل حال ، إن ارتأت هذه الدراسة ضرورة حل هذه المشكلة عبر انتهاج اقتصاد السوق ، أي تخلي الدولة عن السيطرة الاقتصادية في المجتمع  لتظل ملكيتها محصورة في القطاعات الضرورية للمجتمع ، ولكن غير المربحة للاستثمار ، كالمطارات مثلاً ، فثمة حلول مقترحة قد يجد الخبراء بعد الدراسة حلولاً أفضل منها لتسليس عملية هذا الانتقال :

·    بعد تحديد الوزارات والدوائر والمؤسسات ذات الكادر المتضخم من الموظفين ، إصدار قانون مفاده أن كل من يرغب بالاستقالة فليتقدم بطلبها وله الحق بـ 75% من الراتب الفعلي الذي يتقاضاه ، بما فيه المكافآت ، وبنفس الوقت زيادة هذه الـ25% لمن لا يستقيل ، تمهيداً لتحسين مستواه المعاشي بما يتلائم ووضعه الاجتماعي المحترم ، الذي كف عن كونه محترماً جراء السياسة الاقتصادية المذكورة التي أملتها مرحلة تاريخية معينة ساد فيها الاعتقاد بصحتها .   

·    بالنسبة للمصانع ومؤسسات الإنتاج أو التجارة التي يمكن أن تصير رابحة بإدارة القطاع الخاص ، يتم بيع نسبة مئوية منها لهذا القطاع وتمليك مجمل العاملين فيها النسبة الباقية كأسهم ، أي لهم الحق ببيعها أو الاحتفاظ بها ، ليقوم القطاع الخاص بإدارتها بالشكل الذي يراه مناسباً . في حين أن التي من غير المتوقع أن تصير رابحة ، فيتم تمليكها للعاملين فيها ليبيعوها كعقار يتقاسمونه فيما بينهم ليتصرف كل واحد بنصيبه بالطريقة التي يراها مناسبة .

على كل حال ، انطلاقاً من رؤية عامة ستؤكدها الدراسة أو تنقضها ، أعتقد أن النهوض الاقتصادي لا يمكن أن يتم إلا بإنهاء القطاع

 العام وتقليص كادر الموظفين إلى المستوى اللازم وظيفياً ، مما يفسح المجال أمام سيادة القانون في العلاقات الاقتصادية بين كادر جهاز الدولة وقطاعي الإنتاج والتجارة . هذا الإصلاح الاقتصادي ، في ظل مجتمع ديموقراطي يسعى لبناء دولة علمانية يسودها القانون ، سيدفع بالصناعة المحلية إلى الأمام . كما سيشجع رؤوس الأموال الخارجية ـ سورية عربية أجنبية ـ على الاستثمار ، الأمر الذي يفعل فعله أولاً في زيادة تطورنا الاقتصادي ، وثانياً في خلق المزيد من فرص العمل مما يسهم ، على الأقل ، في تلطيف بعض المشاكل الاجتماعية عبر تخفيف البطالة الفعلية بعد زوال المقنعة . كما أن سيادة القانون ستعني حكماً مكافحة الرشاوى ، مما يقود حكماً إلى التزام الصناعيين بالمواصفات ، سيّما وأننا مقبلون على الشراكة السورية ـ الأوروبية . هذا الالتزام لا محيد عنه قط طالما أن بضائعنا لن تدخل أسواق الاتحاد الأوروبي بطريقة ونوعية دخولها لأسواق روسيا وأوروبا الشرقية بعد البيريسترويكا ، هذا الذي أعطى صورة قاتمة ، بل مخزية ومهينة ، عن الصناعة السورية .

هذه الاجراءات السياسية والاقتصادية ، ستخلق المناخ الملائم للقضاء على الفساد الذي سأناقشه في سياق ضرورة الإصلاح ليقيني بأن البداية الحقيقية لمحاربة الفساد في سوريا هي هي البداية الحقيقية للإصلاح .

علي الشهابي